القيادات التاريخية والتجربة الديمقراطية العراقية

199

 عماد علّو

منذ الاحتلال الامريكي للعراق 2003 شهد العراق تجربة تحول من نظام الحزب الواحد الدكتاتوري الى نظام الاحزاب المتعددة ،  ومن الانغلاق المطبق الى الانفتاح المفرط. الا أن واحدة من أهم مميزات وسمات وملامح هذه التجربة هو استمرار اتكائها على قياداتها التاريخية التي اسست وقادت مسيرة تلك الاحزاب والقوى والتيارات السياسية التي انبرت للمشاركة في ما سمي بالعملية السياسية في المرحلة التي تلت عام 2003، والتي تمثلت بشخصيات سياسية لها رمزيتها القيادية لمقارعتها النظام السابق وعوائل قدمت تضحيات في ابنائها لنفس الاسباب.  الا أن تجربة التحول الديمقراطي في العراق للعشر سنوات الماضية بمشاركة اساسية فاعلة من تلك القيادات التاريخية اثبتت بشكل واضح وجلي أنها فاقدة للرؤيا السياسية العراقية ما بعد سقوط الدكتاتورية،  بسبب ضعف في نضوجها السياسي،  وعدم وضوح في مناهجها الفكرية وقدراتها على اعادة تنظيم تشكيلاتها وتنظيماتها الحزبية وحشدها باتجاه الفعل الايجابي المطلوب لإنجاز عملية التحول الديمقراطي. مما جعل البلاد تعيش في حالة من الفوضى والتخبط السياسي. حيث أصبحت ثقافة العنف والاقصاء والاستبداد الفكري والجسدي ثقافة شائعة في المجتمع العراقي،  تمارس بشكل واسع في الأسرة والمدرسة والمؤسسات العراقية الاخرى. وأستخدام العنف باعتباره وسيلة لحل المعضلات مع خصوم الرأي والسياسة.

وفي ظل ظروف الاحتلال الامريكي القاهرة التي مارستها سلطات الاحتلال الامريكي وحاولت ترسيخها في المجتمع العراقي وتجربته الديمقراطية بإشاعة ثقافة المحاصصة والطائفية السياسية ولدت ردود أفعال انفعالية وحماسية مشابهة لسلوك السلطة وغير ممنهجة،  تمثلت بتعبيرات مشحونة بالعاطفة والثأر ومبنية على العنف والتصفيات الجسدية ضد المنافسين بغية الاستحواذ على النفوذ والسلطة، الامر الذي هدد التجربة الديمقراطية العراقية بتجديد أسطورة الاستبداد والسطوة والظلم على رقاب الشعب العراقي، مما شكل تراجعا حضاريا خطرا في الوعي السياسي وانحدارا عميقا في مفهوم السلوك الأجتماعي.

وامام حالة التشظي والتمزق التي بات يعاني منها المجتمع العراقي بعد عشر سنوات من تجربة ديمقراطية تحت قيادة وتوجيه ذات القيادات والرموز التاريخية للقوى والاحزاب والتيارات السياسية العراقية والخلافات الناشبة بين هذه الاطراف وحالة التجاذب قد اثرت سلبا على مسيرة التحول الاجتماعي الايجابي نحو الديمقراطية وباتت الانشقاقات على اشدها بسبب محاولة كل طرف جمع اكبر قدر من الموالين له، لذلك كله فإننا لا نستطيع إلا ان نقول انه على القيادات الشابة والواعية بمتطلبات مرحلة ما بعد الدكتاتورية، تحمل المسؤولية الكاملة والتقدم لقيادة الشعب والمضي بالتجربة الديمقراطية العراقية قدما. ان التمسك بالقيادات التاريخية المترهلة وعقيمة التفكير سيؤدي الى المزيد من الاخطاء السياسية التي ارتكبتها تلك القيادات عبر عشر سنوات من تجربة (العملية السياسية) وأدت الى حالة الازمة المزمنة العقيمة وحالة التشرذم التي تسببت بها تلك القيادات، والتي تعكسها كل يوم واجهة المشهد السياسي التي تشير بوضوح إلى حالة من التذمر الشعبية والغضب والسخط تجاه هذه القيادات بسبب عدم تمكنها من خلق جبهة سياسية موحدة وتغذية بعضها للصراعات الطائفية والعرقية والمناطقية بغية التمسك بمواقعها القيادية التي باتت غير مؤهلة لها في ضوء المعطيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي فرضتها مرحلة ما بعد الدكتاتورية وطبيعة المتغيرات الاقليمية والدولية المحيطة بالعراق. حيث تؤكد معطيات المشهد السياسي والاجتماعي الاقليمي والدولي الى تأكيد حقيقة ان الشباب في العالم بات اليوم هو المحرك الاساسي لكل الاحداث بعد فشل القيادات السياسية العتيقة، التي اثبتت فشلها في تلبية متطلبات عملية التطور والتغيير نحو عالم تتسارع فيه عملية البناء والاعمار وتلبية متطلبات وحاجات الانسان.

ومن المؤكد أن دعوتنا لتسنم الشباب قيادة القوى والاحزاب السياسية الفاعلة في العملية السياسية العراقية سيقابلها دعوات أخرى وهي الدعوات الرافضة لأي محاولة للمساس بما بات يعرف بالقيادات التاريخية وسوف يصر أنصار هذا الطرف على عدم المساس بهذه القيادات من منطلق أنها قيادات سياسية جربت الواقع السياسي وتعلمت منه الكثير وان نضال الشعب في العراق بحاجة إلى خبرة هذه القيادات.

الا أننا نقول أن الازمات المزمنة وحالة التشرذم الاجتماعي ونهر الدماء العراقية المتدفق منذ عشر سنوات كل ذلك اثبت أن المشكلة هي في قياداتنا ( التاريخية ) ومواقف كل منهم من الاخر بسبب الماضي الذي يجتره كل منهم خلفه ،  فاصبحت مواقف كل منهم وردود افعاله لا تحكمها مصلحة القضية العراقية بل الصراع الدائر بينهم ومحاولة كل منهم جر الاخر الى ملعبه واخضاعه لقواعد لعبته. وهو ما يحصل حاليا ،  بعد فشلها في عقد مؤتمر وطني والجلوس الى طاولة المفاوضات لإيجاد الحلول والوسائل للخروج بالبلد من أزماته ومشاكله المختلفة، الوقت يمر والخاسر الاكبر العراق ووحدته وشعبه المظلوم والمستفيدون القيادات (التاريخية) التي لا تعجز عن الحصول على المزيد من الاموال والمنافع والمكاسب الشخصية.

مشاركة