القول الفصل – علي يوسف الشكري

783

القول الفصل – علي يوسف الشكري

كثير هم المرجفون ، وأكثر منهم المشككين المدسوسين ، أما الساعون دون مقدمات ولا مؤهلات  فحدث ولا حرج ، اجمع المستبدون في العراق على مشتركات عدة ، ابرزها مناصبة المرجعية الدينية العليا العداء ، فما ترك ديكتاتور واحد المرجعية دون أن يحاول استمالتها بالإغراء والاغواء ، ثم الوعيد والثبور بعد اليأس من الإطاحة بها على عتبة التغرير .

اللافت أن اللاحقون ممن استبدوا بالسلطة لم يتعضوا من دروس السابقين بلحاظ اعادة الكرة والمحاولة ثم التهاوي رحيلاً دون إنجاز المهمة ” باقٍ وإعمار الطغاة قصار.

وليس كل الغرابة في مناصبة المستبد العداء للمرجعية الدينية العليا ، لكن الغرابة كلها فيمن ادعى الوصل وارتبط بتاريخ ، ووصل سدة السلطة بسفينتها ثم راح يحاول خرقها لإغراقها ، بأساً لسلطة وكرسي ومنصب ينتهي بالحاكم إلى هذا المآل والتسافل .

المطلع لا المتضلع بتاريخ المرجعية الدينية العليا يعرف كم المحاولات التي راحت مطروحة بقصد النيل منها ، مرة بداعي المساس بثوابتها ، وثانية بلصق ابشع التهم بها ، وثالثة باتهامها بالميل للسلطة ، ورابعة بالتخابر والتآمر ، وقائمة التهم تطول ، لكن المبادئ التي قامت عليها ، والأسس التي شيدت بها ، والغايات السامية التي ضحت من اجل بلغوها امتن واقوى من كل التهم والمتطاولات والمحاولات .

وربما يعذر المتحدث عن المرجعية ودورها في حماية الحقوق والذود عن المكتسبات والدفاع عن الضعاف ، قبل بزوغ نورها وسطوع نجمها وتحولها ملاذاً آمناً أميناً بعد سنة 2003، حيث أن الاتباع والمقلدين فقط عاشوا وعايشوا لحظات الاضطهاد واطلعوا على بعض المختصات ، بلحاظ أن ما خفي وما اريد له أن لا يظهر كان أكبر وأجل ، لكن لا عذر الا للمدسوس الباغض في توجيه سهام النقد للمرجعية الدينية العليا ودورها في حماية الوطن ومنع انزلاقه صوب الاقتتال والتحارب البيني بل والتفكك والتمزق .

وبعد أن أضحت هذه الحقيقة أنصع بياضاً من اللون الأبيض ، راح المتصيد يشكك في سطوة المرجعية الروحية وقدرتها على التأثير في الشارع والقرار ، وتأكيداً لما ذهب راح يترقب الخطبة والتوجيه ليفعل العكس في محاولة للتدليل على تراجع دورها وضعف تأثيرها وذهاب ريحها وهبوب ريح أقوى ، فالمرجعية تدعو للتظاهر السلمي وإذا بالعنف يتزايد ، وتناشد بالمحافظة على الخاص والعام من الأموال وإذا بالنيران تلتهم المباني والمنشآت والمؤسسات ، وتدعو القوات الأمنية لتحاشي السلاح والقوة واللجوء لمنطق الإقناع ، وإذا بقوافل الشهداء تتوالى تترا ، وبالقطع أن هذه المتضادات والانعكاسات المرتدة لم تزيد الاتباع الا إيماناً بحكمة المرجع وابويته ودوره في درء الفتنة واخماد نيرانها ، واللافت أن المرجف المخادع نصب نفسه مقيماً لخطاب المرجعية ومنتقداً غالباً ، وكثيراً ما كان مفسراً ليحّرف مقصود القول ويعطي للنص غير المعنى ، ويقيناً أن الناس ليسوا على مسافة واحدة من الفهم والإدراك ومعرفة لغة أهل العلم ، فتختلط الأوراق وتتداخل المقصودات ويضيع المعنى ، ويعتقد المحرّف أنه نجح فيما قصد وبلغ ضالته وهو الضال .

لقد عايشت المرجعية الدينية العليا الشعب دقائق الأحداث مذ وطئت اقدام المحتل ارض العراق سنة 2003، ولم تترك شاردة ولا واردة من الأزمات الأمنية والسياسية الا وعاشتها وعايشتها ، كيف لا والمرجع الأعلى هو الحامي والمدافع عن الشعب بكلياته دون استثناء ، فالكوردي شريك تاريخ وظلامة ونضال ، والسني نفسه ، والشيعة ابنه الذي عاش الظلامتين ، ظلامة الديكتاتور وقهر من توالى السلطة وادار شؤونها بعد سنة 2003، فالشيعي قبل سنة 2003 مقهور مضطهد يتعاطف معه الجميع بلحاظ الظلامة ، وهو فاسد فاشل بعد سنة 2003، وهي الظلامة الأكبر فلم يكن الشيعي الحق في يوم من الأيام فاسد او فاشل ، فهو من قاطع الحكم في مقتبل العهد الملكي كي لا يكون شاهد زور على النظام الوافد بسفينة الأجنبي ، وهو المتحفظ على الحركة التي أطاحت بالملكية لقيادتها من قبل العسكر فضلاً عن الدماء التي رافقتها وهي تسير منجزة أهدافها ، ونأى الشيعة من اصحاب المبدأ بأنفسهم عن حكم الانقلابين ، وظلوا على مدى قرن من الزمان معارضة يتهددها الحاكم ، تعانق رقابهم المشانق ، وحل بعضهم ضيف مقيم في زنزانات الجلاد ، ومن نجى بنفسه راح يحمل اوراقه متنقلاً بين الدول طالباً الملجىء الآمن ، ويحدثونك عن الظالم الفاسد الفاشل .

لقد ظُلم شيعة العراق بعد التغيير كما ظلمت كل مكونات الشعب العراقي ، وبالقطع أن ظلم ذوي القربة ممن ظلم بالأمس القريب اشد مرارة وقسوة ، فيفترض فيمن ظُلم الا يظلم ، لكن زهو السلطة وبريق المال وطول الأمد ، غير النفوس وبدل الجلود ومســــح الذاكرة فراح مظلوم الامس يوصف بالظالم مطلــــقاً لا فرق بين ظالم ومظلوم ومحايد ومراقب ، وبالقطـــــع أن الظلامة الأكبر وقعت على شــــرفية المرجعية الدينية العليا ومـــــقامها السامي وتحديداً ممن ادعى الوصل بها ظلماً وعدواناً وهي لا تقول الوصل به ، ولم يكــــتفِ من تقول باسمها ونسب لها ما لم تقــــله بما ادعى لكنه راح يرجف بها محاولاً المساس بمكانتها وتاثــــيرها وقدرتها على تصحيح ما انحرف وتصويب الأخطاء ، فكــــان لها القول الفصل بموقــــعية الحكومة التي أنهت ولايتها بكلماتٍ قليلة ولكن بعبارات عميقة معبرة لتــــضع حداً لمساجلات وتقـــولات وتأويلات  وتفعل ما عجز عن فعله الآخرون من كبــــار قادة الكتل السياسية ، لتدلل على أن القول الفصل يبقى لها دون غيرها ، حفظ الله العراق ، وأمد بعمر مرجعنا الأعلى ليبقى ظله وارفاً على الجميع.

مشاركة