القمع في ساحة التحرير – رافد جبوري

757

زمان جديد

القمع‭ ‬المفرط‭ ‬الذي‭ ‬استخدمته‭ ‬حكومة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬ضد‭ ‬التظاهرات‭ ‬كان‭ ‬صادما‭ ‬وقبيحا‭ ‬ومعبرا‭ ‬عن‭ ‬الازمة‭ ‬التي‭ ‬وصل‭ ‬اليها‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العراقي‭. ‬فقد‭ ‬استخدمت‭ ‬قوات‭ ‬الامن‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬التظاهرات‭ ‬الاول‭ ‬رصاصا‭ ‬حيا‭ ‬بحسب‭ ‬التقارير‭ ‬الاولية‭ ‬وحديث‭ ‬المتظاهرين‭. ‬وقد‭ ‬سقط‭ ‬عشرات‭ ‬الجرحى‭ ‬واكثر‭ ‬من‭ ‬ضحية‭ ‬نتيجة‭ ‬للقمع‭ ‬المفرط‭ ‬الذي‭ ‬استخدمته‭ ‬قوات‭ ‬الامن‭ ‬التي‭ ‬ذكرت‭ ‬التقارير‭ ‬الحكومية‭ ‬ان‭ ‬جرحى‭ ‬سقطوا‭ ‬بين‭ ‬صفوفها‭ ‬ايضا‭. ‬هاهي‭ ‬حكومة‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬التي‭ ‬اسميناها‭ ‬بحكومة‭ ‬الهدوء‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المكانة‭ ‬وتترنح‭ ‬في‭ ‬اول‭ ‬اختبار‭ ‬لها‭ ‬مع‭ ‬التظاهرات‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬وترتكب‭ ‬افعالا‭ ‬مدانة‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬شعبها‭ ‬وايذاءه‭. ‬وهاهي‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬نعترف‭ ‬باننا‭ ‬لم‭ ‬نتوقع‭ ‬ان‭ ‬تصمد‭ ‬بوجه‭ ‬القمع‭ ‬تستمر‭ ‬ليوم‭ ‬ثان‭ ‬حتى‭ ‬ساعة‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬وهي‭ ‬تواجه‭ ‬جبالا‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬اصلاح‭ ‬نفسه‭ ‬ويقف‭ ‬الان‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬حرج‭. ‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬تظاهرات‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬الاول‭ ‬من‭ ‬اكتوبر‭ ‬تشرين‭ ‬الاول‭ ‬مفاجئة‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬الاعلان‭ ‬عنها‭ ‬قبل‭ ‬ايام‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬تحضيرات‭ ‬تجري‭ ‬علنا‭ ‬للقيام‭ ‬بها‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬التظاهرات‭ ‬التي‭ ‬شملت‭ ‬ايضا‭ ‬مدنا‭ ‬عراقية‭ ‬اخرى‭ ‬مثل‭ ‬الناصرية‭ ‬والديوانية‭ ‬والعمارة‭ ‬هي‭ ‬الاكبر‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تظاهرات‭ ‬العام‭ ‬الفين‭ ‬وخمسة‭ ‬عشر‭ ‬اكبر‭ ‬منها‭. ‬لكنها‭ ‬مثل‭ ‬تظاهرات‭ ‬البصرة‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬التي‭ ‬صدمت‭ ‬الجميع‭ ‬اذ‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الارتباط‭ ‬باي‭ ‬تيار‭ ‬او‭ ‬جهة‭ ‬سياسية‭ ‬او‭ ‬حزب‭. ‬ارعبت‭ ‬تظاهرات‭ ‬البصرة‭ ‬كل‭ ‬القوى‭ ‬الحاكمة‭ ‬والمسيطرة‭  ‬بمهاجمتها‭ ‬للقنصلية‭ ‬الايرانية‭ ‬وللاحزاب‭ ‬الشيعية‭ ‬المسلحة‭ ‬وخصوصا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬للحشد‭ ‬الشعبي‭. ‬وقد‭ ‬صدم‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬السابق‭ ‬حيدر‭ ‬العبادي‭ ‬بحجم‭ ‬الغضب‭ ‬الذي‭ ‬واجهه‭ ‬عندما‭ ‬ذهب‭ ‬الى‭ ‬البصرة‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬فاشلة‭ ‬لتهدئة‭ ‬الاوضاع‭. ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬خلع‭ ‬العبادي‭ ‬قناع‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬اللين‭ ‬واللطيف‭ ‬و‭ ‬استخدم‭ ‬القمع‭ ‬فتم‭ ‬قتل‭ ‬وجرح‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭. ‬نجح‭ ‬القمع‭ ‬لكن‭ ‬العبادي‭ ‬سقط‭ ‬وهاهو‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬يواجه‭ ‬ازمة‭ ‬كبيرة‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬الى‭ ‬سقوطه‭. ‬

‭ ‬تأتي‭ ‬تظاهرات‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬لتشكل‭ ‬نهجا‭ ‬جديدا‭ ‬وخطوة‭ ‬اخرى‭. ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬المطالبة‭ ‬بالخدمات‭ ‬تشكل‭ ‬عنصرا‭ ‬مهما‭ ‬من‭ ‬دوافع‭ ‬التظاهرات‭ ‬الا‭ ‬انها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬غضبة‭ ‬من‭ ‬انقطاع‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي‭ ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬انحسار‭ ‬ذروة‭ ‬موسم‭ ‬الصيف‭ ‬ومع‭ ‬تحسن‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬تزويد‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي‭. ‬لكن‭ ‬الدوافع‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬اعمق‭. ‬فليس‭ ‬للتظاهرات‭ ‬قيادة‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬خذل‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬يشاركون‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬اطراف‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬وهاهم‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭ ‬ويواجهون‭ ‬قوة‭ ‬القمع‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬اكبر‭ ‬منهم‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬ترهبهم‭. ‬من‭ ‬الواقعي‭ ‬ايضا‭ ‬ان‭ ‬لا‭ ‬نقع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الشعارات‭ ‬وننبه‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الامر‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬ومن‭ ‬الصعب‭ ‬ان‭ ‬يصل‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬اسقاط‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬فهو‭ ‬نظام‭ ‬مدعوم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القيادات‭ ‬الدينية‭ ‬القوية‭ ‬واسقاطه‭ ‬ممنوع‭ ‬اميركيا‭ ‬وايرانيا‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لايعني‭ ‬ان‭ ‬يركن‭ ‬النظام‭ ‬الى‭ ‬الراحة‭ ‬والاطمئنان‭ ‬فان‭ ‬في‭ ‬تحركات‭ ‬الشعوب‭ ‬والجماهير‭ ‬ما‭ ‬يغير‭ ‬من‭ ‬الموازين‭ ‬وفي‭ ‬التاريخ‭ ‬شواهد‭ ‬كثيرة‭. ‬

مشاركة