القطار المخطوط

283

القطار المخطوط
علي كمال الدين الفهادي
نظر إلى المخطوط متأملا سمك الكتاب المغلف بجلد غزال حاول أن يقرأ العنوان، كان الزمان قد فعل به الأفاعيل فلم يفلح في قراءته، هبت نسمة من النافذة شرحت صدره وملأت رئتيه، نشطت النسمة حتى فتحت الكتاب وقلبت الأوراق فبدت الخطوط القديمة بحروفها قبل التنقيط، فراح يقرأ التراث على صفحاته، وازداد النسيم نشاطا ثم استحال ريحا أخذت تعصف بأوراق الكتاب فتحا وطيا، وتقليبا سريعا بدءا وعودة مرات عدة، ثم هدأت الريح فراحت الصفحات تتقلب ببطء, رأى خطين عريضين في إحدى الصفحات حاول قراءة ما بين السطرين فأخذه ضجيج عال وصخب مضطرب وسمع صفيرا عاليا لصوت قطار، ارتج الكتاب وارتجت المنضدة وارتجت الغرفة والمعهد، وانطلقت من الكتاب قاطرة قطار تتبعها عربات ممتلئة أناسا رجالا ونساء وأطفالا تتخللها عربات أخرى تحمل القمح والتمر والجوز والزبيب،وثمة مقطورات تمتلئ بالنفط أو الماء أو الكبريت، فيما تحمل عربات من المخطوطات والمنحوتات والأختام الأسطوانية العدد المتنوع الكبير فضلا عن مركبات هندست بهيئة مكتبات برفوف على جانبيها فيها من كل العلوم والمعارف والفنون مخطوط ومطبوع . وفي كل مركبة حاد يحدو بأجمل الأشعار،أشعار الفرسان وعشاق الأوطان،ومتفرس يقرأ الوجوه والأنساب ويعرف الأحساب، ودليل يقص الأثر. علا صوت القطار واستوى على قضبان الحديد ماشيا على نور البرق الذي يبدد ظلمة الليل مرة بعد مرة، وكان زجاج عربة القيادة متصدعا تصدعا خفيفا حتى إذا صعقت الصواعق وأرعدت السماء وبرق البرق بدأ المطر ينثال قطرات على الزجاج الصافي لعربة القيادة وتجمعت قطرات المطر قطرة فقطرة حتى شكلت خطوطا تباعدت وتقاربت على خطوط تصدع الزجاج فإذا بالخطوط قد أكملت بحبات المطر خارطة العراق، وكلما أراد القطار رؤية وجهته نظر إلى دربه من خلال الخارطة وعرباته يتصل بعضها ببعض ويرتبط بعضها ببعض ارتباطا يتفاوت بين التماس المتلاحم التام والتماسك القلق المضطرب مما أحدث اضطرابا في حركته وسرعته وعندما تمر العربات فوق قضبان الحديد في أرض رملية كان القطار يخفف من سرعته خشية أن تسوخ القضبان في الرمل ويسوخ معها، وإذا غطى النفط قضبان الحديد خشي القطار أن ينزلق من فوقها فيسير على غير هدى، أما إذا مر على القضبان الممتدة فوق الكبريت خشي أن يحدث الاحتكاك اشتعالا وحريقا فيه، وإذا مرّ من خلال أشجار الجوز مد الركاب أيديهم لقطف الجوز ومالوا بثقلهم إلى جهة الأشجار فخشي أن ينقلب على جانبه فإذا دخل في حدائق النخيل ومد الركاب أيديهم إلى الأعذاق المتدلية من النخيل خشي أن ينقلب إلى جهة النخيل، فكل الركاب يريدون الثمر أيا كان جوزا أو تمرا وعلى الرغم من رغبات الركاب جميعا اختلافا واتفاقا فإن القطار ظل سائرا على الدوام سريعا مرة وبطيئا مرة أو مرات وعلى الرغم من تنوع أجناس الركاب وألوانهم أيضا فإنه كان يسير وتدور الحوارات بين أجناسهم وألوانهم على اختلاف ألسنتهم عربية أو أعجمية إذ لا تخلو عربة من عرباته من تعدد الألسن لكن الحوار يكثر دورانه على لسان ويقل على لسان، بيد أن الحوار شِركَة بين الركاب، وشأن أديانهم شأن ألسنتهم فإذا أمطرت السماء _وماء المطر عذب على الدوام_ أخذ كل منهم من الماء ما يكفيه للعبادة يتطهر به ويتبرك وضوءا أو تعميدا أو شربا وكلهم يشربون من ماء واحد عذب فرات سائغ الشراب فإذا انتقلوا إلى صلاتهم صلى كل منهم بحسب ما تمليه عليه عقيدته اتجاها نحو الكعبة أو تمتمة بنصوص جهرا أو خفية بحركات متتابعات متصلات والقطار يسير. ويذكر العالم ولاسيما ركابه أن أول هندسة لصنع القطار جعلته يسير على عجلتين في عصر الزراعة التي ابتكرها وبدأها ركاب هذا القطار فنهضوا بالزراعة واتبعوها بصنع العجلات التي يمشي بها القطار، وكلما مر في محطة من محطات سيره وضع الناس على صفحات عرباته صورا وملصقات ولوحات وشعارات بالكتابة المسمارية فعربة ألصقت عليها مسلة القوانين والأخرى الجنائن المعلقة والثالثة اتسعت لأسرى السبي البابلي، والقطار يسير ومع رشقات المطر على زجاج العربات وزجاج غرفة القيادة، تجد رشقه من ماء مزن تمتزج برشقة من الدم فإذا حاولت غسله بماسحة الزجاج تضببت الرؤية فغامت على الناس الوجهة حتى إذا رحم الله الناس بالغيث غسل الماء الدم فبدت للعيان وجهة القطار. دماء زكية طاهرة ودماء فاسدة. وفي كل مرة يمسح الدمُ الدمَ، وهو مرة دم متدفق من خلع الأكتاف ومرة دم يستقطب جراد الأرض أسرابا بعد أسراب حتى يحجب السماء عن الأنظار، ويخفت سير القطار وتضطرب عجلاته وعرباته حتى لتكاد تنقلب ثم تأتي الريح فتقلع الجراد الأصفر وتدهس عجلات القطار أكداسا منه حتى يصفو النظر ليرى الوجهة والطريق، وفي أثناء سيره وسراه يسابق الخيل، يسبقها وتسبقه فهما صنوان ويمر في ديار تسبقه فيها البغال ويجتاز قضبانا عديدة مستمرا في وجهته ومر بمحطة زمنية أخرى فهاجمه غزاة طامعون همجيون فنهبوا ما فيه من الحبوب والتمر والجوز وحاولوا قلب القطار بعد أن أوقفوا سيره وسيطروا عليه وقتلوا الكثير من ركابه لكنه بقي على قضبانه لم ينقلب واستعاد أهل القطار عافيتهم وطردا الغزو وفي محطة زمنية ليست بعيدة شنت عليه القرود غزوا آخر لكن الركاب قاتلوا مدافعين عن قطارهم الذي كلما مر بالصحراء أشرقت بوجهه الأنوار واتضح الطريق للركب فشعروا بالأمن والأمان والحماية والسلام، وكثيرا ما سايرته الظباء والغزلان مؤنسة تسرع بسرعته وتهدأ بهدأته، وسايرته قوافل الإبل في هدأة الليل يهتدي حاديها بالكواكب والنجوم ويحدوها نهارا بأجمل الأناشيد والأشعار، ويطرب الركب لصوت الحادي حتى تزغرد النساء لصوته فرحا فصارت له الصحراء أمّا حنت عليه بصدرها وطوقته بذراعيها.كان الحكيم يحاور الحليم
_ لاشك أن ثبات القطار رهين بثبات القضبان التي تؤسس ثباته .
_ لاشك فإن ثباتها هي الأخرى رهين بتماسك الأرض التي تحملها .
_ أتدري أن السر يكمن في عروق الشجر
_ كيف ذلك؟
_ كلما تشابكت العروق وتماسكت الأعراق، تماسكت التربة فقويت الأرض التي تحمل القضبان فيسير القطار بثبات وثقة عالية فيسره في السير نحو أهدافه.
_ ولذلك يحاول المغيرن على القطار للسيطرة عليه ونهب الخيرات منه تفرقة جذوره وأصوله .
_ أتدري تجري المحاولات اليوم لتفرقة الجذور بترانيم سحرية وتعويذات شعوذة وتركيبات من مواد كيماوية ومن الذهبين الأحمر والأسود بغية أن تسوخ القضبان فينقلب القطار وتذهب كل عربة في واد عند ذلك يمتلك الغزاة القطار وخيراته.
ويمر القطار بآخر حقبة من سيره بحروب ضروس وغزوات متتابعات والركاب يدفعون ويدافعون عن مسيرته على الرغم من القصف الهمجي الوحشي الذي فاق بصوته أصوات الرعود وعلى الرغم من تساقط القنابل التي نسفت القضبان في طريق القطار حتى كادت تخرجه عن طريقه وتلقيه مقلوبا من فوق القضبان وصاح الجهلاء من كل لسان في مركباته نحن ..,نحن ولا أحد سوانا منكرين حقوق الآخرين وأدوارهم في المسيرة وكل منهم يرى للقطار وجهة غير وجهة سواه، وصاح الحلماء والحكماء منكرين الله أكبر يا للناس هل يسير القطار في آن واحد في اتجاهين؟ كل الألسن جمع واحد توجه القطار. لا يسير القطار إلا باتجاه واحد وإذا افترق الهدف واختلفت الوجهات فسوف ينقلب بنا ونسقط جميعا بين قتيل وجريح ومعاق، وعلت أصواتهم منذرين لا يمكن لأي قطار في الأرض أن يسير في وجهتين عاد الركاب الذين أرادوا الخير للقطار إلى الحوار والتداول بشأن وجهته والاتفاق على مسيرته، وضل الضالون يأتمرون بالقطار من مصادرهم ومراجعهم من خارج مركبات القطار.
بيد أن القطار يستمر في السير على الرغم من الانفجارات المتكررة تحت قضبانه وعلى عرباته، ويتلون الزجاج بالدم وتغسله السماء بالمطر، ويمسح زجاجه الحلماء والحكماء والعقلاء حتى تصفو وجهته ويسير على خريطته المرسومة بالمخطوط الذي غادره .علا صفير القطار وتتابع الصفير وعصفت الريح وارتجت الأرض واضطرب القطار وجأر الناس بالدعاء إلى الله وناجاه آخرون واهتدى أناس منهم وصلّى أناس سواهم لله، وارتجت العربات مع ارتجاج الأرض حتى هدأ واهتدى ثم دخل في دائرة الحلم فحملته الريح وأسلمته إلى النسيم الذي أعاده إلى صفحته في ذالك الكتاب الأول المخطوط. نظر ثانية إلى المخطوط بالكاد رأى سطور الكتابة من خلال العتمة، فسمع المؤذن يصدح للفجر ألله أكبر.
/4/2012 Issue 4187 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4187 التاريخ 30»4»2012
AZP09