القضاء عند البدو – محمـود الفلاحي

mahmod

القضاء عند البدو –  محمـود الفلاحي

اوضح الاستاذ مسيب عازار القضاء عند البدو وصنفه قضايا عامة وقضايا خاصة والعامة عندهم اعلان الحرب وحقوق الغزاة الصلح ان اعلان الحرب يسمونه ( رد النقا ) شيخ المشايخ عند البدو هو صاحب الاختصاص في اعلان الحرب حيث يعلنها بعد استشارة مشايخ قبيلته فاذا وافقوا على اعلانها ارسلوا على القبيلة المعادية رسولا” محايدا” يحمل رسالة يقول فيها عليكم النقا حلالكم حلالنا ومالكم مالنا وبعد هذا يكون الغزو والنهب مشروعا” بين القبيلتين فتغزو كل منهما الاخرى بقيادة اشجع رجالها الذي يسمى ( العقيد ) ويقوم هذا العقيد بحبس حال العدوا وتقدير قوته ويرسل الجواسيس يسمونه ( السبور ) ليكتشفوا احوال العدو ومواقع غنمة ومراعيه وبعد ذلك يقومون بمهاجمة العدوا عند الشفق في الصباح وعندها كل الحق للغازي أن يقتل الرجال وينهب الغنم والاموال واذا قتل احد فرسان الاعداء اخذ فرسه واسلحته ( قلاعه ) ومحظور على الغزاة قتل النساء او التعرض لهن فياخذ العقيد من الغنائم ما يراه مناسبا” ويوزع الباقي بين الغزاة مراعيا” بذلك بلاء كل منهم في المعركة واذا وقع احد الغزاة اسيرا” في يد العدو تكرم وفادته وتضمد جراحه اذا كان جريحا” واذا مات دفن باحترام ويقدم لاسرى العدو الطعام والمطايـا تحملهم الى قبيلتهم وعند الصلح يتم تكليف احد الشيوخ المحايدين بعقد هدنة بين الطرفين يسمونها ( العطوة ) وفي الدعاوى في قضايا البدو فالقضاة عندهم اربعة اصناف فالصنف الاول هم ( أصحاب القلطة) واحكامهم تشبه قرارات محكمة التمييز ويستشهد بها القضاة وينسجون على منوالها القضايا المماثله والصنف الثاني هم قضاة المناهي وهم قضاة العرض والدم والصنف الثالث قضاة المشاهي والصنف الرابع قضاة المعترضة ووظيفتهم بيان نوع القضية وماهيتها وتعيين القاضي صاحب الاختصاص للنظر فيها الموفدون (او البداءة ) اذا ماترتب لبدوي حق عند اخر أرسل اليه وفدا” يطلب منه هذا الحق فاذا رفض هذا الطلب ارسل اليه وفدا” اخر يطلب اليه ان يحضر الى شخص يدعي ( الوجه ) ليتم الاتفاق على تعيين قاضي يفصل بينهما واذا اذعن المدعي عليه وقبل الاجتماع عند الوجه لتعيين قاض يفصل بينهما يحضر في اليوم المضروب الى بيت الوجه ومعه بعض رجاله حيث يكون هناك صاحب الحق ورهط من جماعته وبعد تقديم القهوة يطلب الوجه منهما ان يبدأ في اختيار القاضي فيبدأ المدعي بتسمية قاض ثم يليه المدعي عليه الذي يسمي قاضيا” ثم ينتخب المدعي قاضيا” ثالثا” وكلما انتخب احدهم قاضيا” خط بعصاه خطا” طوليا” على الارض وبعد ذلك يطلب الحظور من المدعي ان يسقط احد القضاة المنتخبين فيسقطه ثم يطلبون ذلك من المدعي عليه فيبقى هناك قاضيا” واحدا” ويكون هذا الحاكم في الدعوى وتسمى هذه العملية ( المخاططة ) لان كلا من المدعي والمدعي عليه يخط خطا” على الارض اما اذا اختلف المتخاصمان على تعيين القاضي صاحب الاختصاص يرجعان الى الصنف الرابع من القضاة وهم قضاة المعترضة حيث ينتخبان قاضيا” منهم بطريقة المخاططه وهذا يعين ماهية القضية والقاضي صاحب الاختصاص فأذا تمادى المدعي عليه ورفض ما ذكرناه التجأ المدعي الى طريقة تسمى ( الوساقه ) وهي اخذ غنم من المدعي عليه او جماله وحجزها حتى يدعن للحق واذا كان المدعي ضعيفا” لا يستطيع ان (يسوق ) يلتجأ الى احد المشايخ وتسمى ( الدخاله ) وهذا الشيخ يجبر المدعي عليه على المخاصمه امام احد القضاة وذلك بوساقة مواشيه ووضعها عند شيخ اخر مجاور وهذه الوساقه اشبه شيئ بالحجز الاحتياطي .

رسم المحاكمة

ويسمى عندهم ( الرزقة ) والرزقة عندهم قسمان القسم الاول ( الرزقة الباطولية ) اي يضمنها المبطل الي يخسر الدعوى واكثر ماتكون في الدعاوي الحقوقية ورزقة ( مستر ) وهي من النوع الستر ولا يطالب بها الطرف الخاسر فبعد الاتفاق على القاضي يأتي المتداعيان الى بيت القاضي ومع كل منهما سلعة او دابه يتبادلان هاتين السلعتين في المجلس وذلك بان يعطي كل منهما ما معه للاخر ثم يسلم ما اخذه لشخص ثالث يسمى كفيل الرزقة ويعلنان ان الرزقه باطولية اي ان رسوم المحاكمة تعود على المبطل منهما كما هي الحال في الرسوم الدعاوى الحقوقية وبعد ذلك يقدم كل منهما كفيلا” يضمن حضوره في اليوم والمكان الذي يعينه القاضي واذا غاب احدهما ولم يحضر في اليوم المعين تسقط دعواه اذا كان مدعيا” ويحكم عليه اذا كان مدعيا” عليه ويسمى ( مفلوجا” ) أي مغلوبا” اما اذا كان هناك عذر مشروع للتغيب تؤجل الدعوى لموعد أخر يجتمع الطرفان في بيت القاضي ويجلسان امامه اعزلين من السلاح ويبدأ المدعي بسرد دعواه مناشدا” القاضي بمقدمة يختلف من قبيلة الى اخرى ثم يشرح دعواه بالتفصيل ويفضي بكل ما لديه من بينات وبراهين ثم يعقبه المدعي عليه مبتدا” بنفس المقدمة التي بدأ بها المدعي ويسرد دعواه داحظا” ادعاء المدعي رادا” مزاعمه ويجوز لكل منهما ان ينيب من يقوم بالمرافعه عنه كشأن المحامي في المحاكم ويكون التوكيل شفاها” وبعد فراغ المدعي عليه من الرد على ادعاء خصمه يضيف المدعي ما يراه مناسبا” وذلك جريا” على القاعدة المعروفه عند البدو ( المدعي ابو حجين ) اي له حجتان وليس للمدعي عليه مثل هذا الحق وبعد انتهاء المرافعه يبين القاضي مقدار الرزقه في رسم المحكمة حيث هو حر في تقديرها وله الحق ان يستوفي ربع المال المتخاصم عليه الا ان الحكومة حددت الرزقه بالثمن فقط ويعلن انها رزقه باطوليه ثم بعدها يعدد القاضي اقوال المتقاضيين التي سرداها ليبرهن انه قد استوعب كل ما قدماه من حجج وعندها يعلن القاضي انتهاء المرافعة ويطلب اليهما ان يختارا كفيلين يضمنان تنفيذ ما سيحكم به وبعد الاختيار يطلب اليهما ان يصطلحا بقول الصلح سيد الاحكام فأذا رفضا اصدر حكمه وللقاضي ان يرجح البينه بحسب تقديره لكنه في الغالب يقدم شهود العين اي من رؤ المشهود به رؤية العين واذا فقد هؤلاء قبل شهادة من اخذوا منهم كان يقضي الشاهد قبل موته ماشهده على شرط ان يكون هؤلاء الشهود ممن شهد منهم بصدق والاستقامه وصيغة الشهادة هي انا اشهد على ما سمعته من فم زيد وهو بحال الصحة والعقل بان القضية كذا وكثيرا” ما يرجح القاضي شهاده واحد على شهادة شهود اربع ويخول العرف البدوي حق المدعي عليه رفض الشهود وتحليف المدعي اليمين فأذا حلف ربح الدعوى واذا نكل خسرها وهذا خلاف للبينه على من ادعى واليمين على من انكر واذا عجز المدعي عن الاثبات كلف القاضي المدعي عليه ان يحلف اليمين على الصورة التي يرسمها له فأذا حلف عد بريئا” واذا نكل الزم بما ادعوى به المدعي .

سؤال القاضي

والاستئناف يسمونه ( سوم الحق ) اذا لم يرضي المحكوم عليه بالحكم يسأل القاضي ان يعطيه سوم الحق اي الاستئناف فأذا كان القاضي من قضاة المناهي في قضاء السدم والعرض فهو حر في اعطاء هذا الحق اما صاحب القلطه وهو الصنف الاول من القضاة لاتستأنف احكامه باي حال من الاحوال والشهادة عند البدو يطلبها القاضي لاثبات او شهود النفي ويحضر الشهاد الى المحاكمة ويبقى الباقون منهم بعيدين عن البيت ويمسك (بلواسط ) وهو العمود الرئيسي الذي ترتكز عليه الخيمة ويؤدي شهادته ٍبان يحلف اليمين وبعد اداء الشهادة يسأل القاضي المشهود عليه عن طعنه في الشهادة اما الطعون التي ترد على الشهادة فهي القرابة والعداوه القديمة والحديثة والعلاقة المالية كذلك الطعن في خلق الشاهد ودينه كافيه لرد شهادته فأذا كان ممن عرفوا بشهادة الزور او الكذب او السرقه او كان قد تعرض لعرض جاريه او دخيله او طاردا” لضيفه او غادرا” برفيق طريقه او خائنا” لامانته او كان ( خابرا” صابرا” ) اي علم بزنى احدى محارمه وسكت ردت شهادته وعدة ملغاة على ان يثبت الطاعن صدق طعنه والا طلب القاضي من يزكي الشهود وان نصاب الشهادة في الامور العادية رجلان وفي القضايا الهامة جدا” اربعة رجال والتفريق بين القضايا الهامة وغيرها عائدة الى القاضي وتقبل شهادة رجل واحد عند عدم وجود غيره اما النساء فلا تقبل لهن شهادة قط كذلك غير البالغين من الذكور والقاعدة العامة (ليس من اليد سلامه ) اي المباشرة ضامن وان لم يتعمد اما قاعدة جناية العجماء جبار فغير معترف بها عند البدو فأذا احدث حيوان شخص ما ضررا” لشخص اخر فان صاحب الحيوان يضمن هذا الضرر الا اذا اشهد بعد الحادث مباشرة” او عند سماعه بالحادث بانه بريء من الحيوان فستلمه المضرور فأذا امكن تلافي ضرر الحادث رد الحيوان لصاحبه والا صودر مقابل الضرر .

الدعاوي الجزائية

 عندهم تشمل القتل بجميع انواعه كذلك تعكيل العضو والزنى سواء كان جبريا” او بالرضى او التجاوز على الجار قطع الجيرة او التجاوز على الدخيل او التجاوز على رفيق الطريق او تقطيع الوجه اي كفل احدهم الاخر التجاوز على الضيف والتجاوز على الطنيب والتجاوز على الناصي وهو الشخص الذي يقدم من مكان بعيد والقتل وتعطيل العضو لايكون القتل موضوعا” للمحاكمة لا اذا كان القاتل غير معلوم يقينا” فأذا كان معلوما” عمد اهل القتيل الى قتل القاتل اذا وجدوه او قتل احد أقاربه حتى الجد الخامس ونهب اموالهم ومن احكام البدو العامة عدم جواز الشهادة في دعاوي القتل والزنى وقاعدتهم فيها ( الدم ما عليه شهود والعيب ما عليه ورود ) ويقصدون في ذلك مسائل القتل والزنى والبشعة هي تلحيس المتهم النار عندما تفقد جميع الادلة اذ عندها ( اي عند فقدان الادلة) يقرر القاضي ارسال المتهم الى رجل اختصاصي من اصحاب الطرق الاربعة المعروفة وهم السيد الرفاعي ومحمد الدسوقي وعبد القادر الكيلاني والبدوي حيث يأتي هذا الرجل الذي يسمى ( المبشع ) بقضيب عريض من الحديد يحميه بالنار حتى يحمر لونه ويأمر المتهم بأن يلحسه بسرعه ويعطيه في الحال ماء ليشرب فأذا حصل ضرر في لسانه اعلن المبشع ان فلانا” مجرم واذا لم يحصل اي ضرر اعلن براءته وعندها يرفع المتهم راية بيضاء وينادي قائلا” ( بيض الله وجه المبشع وبيض الله وجه الكفيل) ويجوز التوكيل بالبشعة ولكن صدرت ارادة سنية فيما بعد في الاردن حرمت البشعة امام حلف اليمين وحلف اليمين على قبر احد اولياء الله الصالحين والاغتيال هو القتل العمد اخفاء الجثه ويعتبر القاضي الدم مربعا” اذ يسمح بقتل القاتل او احد اقاربه واستيفاء ديه ثلاثة رجال كذلك قتل المرأه يعتبر مربعا” والزنى يختلف الحكم فيها اذا كان بالجبر او بالرضى والزنى الجبري اذا اغتصب رجل امراه نهارا” وفي الطريق وحدها بينما كانت تحتطب او تسقي الماء ويكتشف عن الاجبار من الصياح او الثياب الممزقه وحلالها مبعثرا” ودليل مقاومتها فعند ذلك يكون لقبيلتها قتل الغاصب او احد اقاربه للدرجة الخامسة وتخريب اموالهم ونهبها ثلاثة ايام وثلث وتكون الديه من اللون الابيض من المواشي والجمال والقماش والفضه وذلك الان الجاني قد سود العرض فعليه ان يبيضه امام اذا وقع الاعتداء بعيدا” عن منازل قبيلتها ومجيىء الغنم مساء” فلا يعتد بصراخها وتعتبر شريكه للجاني اي عاقبة السرح اي اتت بعد مجيء الغنم اي عادة البدو ان تحضر قبل مجيى الغنم اما الزنى في الرضى يجعل الجاني غير مسؤول مالم يقتل رجال القبيله زانيتهم والا بقيت وصمة عار للقبيلة باجمعها اذ يعيرهم الناس بقولهم ( انت الخابر الصابر) اي علموا بالزنى وسكتوا فان قتلت الزانية من قبل اهلها يتقدمون الى اهل الزاني ويطلبون منهم ان يقلتوه او يتخلوا عنه فعندها.

حالة الامتناع

 اما ان يقتلوه او يتخلوا عنه وفي حالة الامتناع يكون راضين بفعلة رجلهم فيكونون مطلوبين بدية ثلاثة رجال والخطف نوعان الخطف الجبري والخطف بالرضا المخطوفة اذا رفض اهلها زواجها من الخاطف فتفر معه بصحبة رجلين الى اقرب العشائر حيث ينزلون عند شيخها ويعرضون الامور عليه فيقوم بالتحقيق عن رضى المخطوفة وعند تحقق ذلك يزفها اليه بمهرجان يقيمه ثم يطلب اهل المخطوفه الصلح ويدفع غرامة تزيد عادة عن مثيلاتها في المهر ومن الامر والمخالفة في الدين الاسلامي هي خطف المتزوجة برضاها وتسمى  ( طامحة ) ويتزوجها الخاطف بعقد جديد وهي لاتزال بعصمة زوجها الاول وفي الجروح يتم وقف تقدير التعويض للمتضرر بان يوقف المجروح امام القاضي ثم يبتعد الى الوراء حتى تتوارى معالم الجرح ويقدر القاضي التعويض بالنسبة لطول هذه المسافة او قصرها فيقل اذا بعدت ويكثر اذا قربت ونتف شعر اللحية او الشارب فهو شيء مهم عند البدو حيث يحلف الرجل بهما واذا تشاجروا تحاشى كل مهنم ان يمد يده لوجه خصمه فاذا تجاسر احدهم ونتف شعرة من لحية خصمه او شاربه فتقام الدعوى ويقدر القاضي عن كل شعر ذقن بخمسمائة قرش والف قرش عن كل شعرة شارب والقسم عند البدو يكون بالصيغة التالية ( أقسم بالعود وربنا المعبود ) فقط  .

{ محام وأعلامي