القصد موقعه القلب – طالب سعدون

532

نبض القلم

القصد موقعه القلب – طالب سعدون

كتبت هنا في (الزمان) كثيرا عن الحج والعيد ، لكن للكتابة هذه المرة طعما أخر ، بعد أن منّ الله عليّ هذا العام أن أكون من ضيوفه ، ومن حجاج بيته الحرام ، وزيارة قبر رسوله الكريم محمد (ص) ..

من المتعارف عليه عند البشر إن إكرام الضيف من مكارم الاخلاق والخصال الحميدة ، وهي من أخلاق الاسلام الجامعة للخير .. فكيف وأنت تقصد رب العالمين ، وتحل ضيفا عليه في بيته ..؟

 يالها من هبة ربانية عظيمة ينعم بها الله على عباده المؤمنين وفرصة عظيمة (لتطهيرالنفس ، وتقويم السلوك ، وتربية الذات ، ومحو للذنوب) .

و من معاني الحج الكثيرة  القصد..

والقصد شعوري ايماني مستودعه القلب ، ويسبق المناسك المعروفة في الحج ، ويحضر فيها أيضا ..وهو على قول أحد  العلماء (لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، بل تدركه القلوب بحقائق الايمان) ، وهو لقاء الله سبحانه وتعالى ، ولن يتحقق ذلك إلا بشروطه كما ورد ت في كتاب الله العزيز..(فمن كان يرجو لقاء ربه ، فليعمل عملا صالحا ، ولا يشرك بعبادة ربه أحد) ..

و يقول الامام الصادق .. (إذا أردت الحج فجرد قلبك لله تعالى من كل شاغل وحجاب ، وفوض أمورك الى خالقها ، وتوكل عليه في جميع حركاتك وسكناتك ، وسلم لقضائه وحكمه وقدره ، ودع الدنيا والراحة والخلق ….)

اذا ما تحقق للحاج ذلك يكون قد حقق مناه ويرجع الى بلاده في غاية (الطهارة الباطنية ، اي بشخصية جديدة  وهوية الهية ) على حد تعبير أحد العلماء ..

 وتلك الطهارة لا تعني شيئا ايضا إن لم تكن واضحة على الحاج في  الخارج ..

وعلامة الايمان العمل .. في التصرفات والسلوك والمعاملات عامة .. واذا ما أدى  المسلم الفريضة بشروطها  يكون قد فاز (بغفران الذنوب).. و (يعود كما ولدته أمه) ، وبخلافه ليس له من حجه غير السفر والتعب ..

ذلك هو الحج  الحقيقي ..

والحج ممارسة إيمانية تتوج بتصحيح  مسارحياة المسلم  وتسديد اتجاهها نحو الله ، وتمثيل معاني المناسك في السلوك باتباع الحق ورفض الباطل ، وترويض النفس على محاربة الشيطان ، واستلهام الدروس الايمانية والتربوية من مواقف سيدنا ابراهيم عليه السلام في توحده مع الله سبحانه وتعالى وايمانه المطلق به .. في  إستسلامه لارادة الله في تحطيم الاصنام ، واستعداده لان يُلقى في النار ، وترك ذريته بواد غير ذي زرع) و سعي هاجر بين الصفا والمروة ، و (قصة الذبح والفداء بالكبش) واجتياز الامتحان بنجاح إستحق به هذه المكانة في الارض والسماء ..

أي بمعنى أن يستوعب المسلم القيم الكامنة في الممارسات الرمزية ، و يعرف هدف كل فعل ونسك ، لكي يعكسه  على حياته ..

نعمة من نعم الله الكثيرة على المسلم  أن يعيش تلك التجربة الغنية  ، لتلهمه الايمان ، وتطهر روحه ،  وتنظف قلبه ، وتقوم سلوكه في كل حياته ….

وشعار الحج التوحيد – وهو السمة البارزة لملة إبراهيم ، وهــــــو كلمة ( لا اله الا الله )…

والتلبية .. هي إجابة الملبي لنداء الله  تعالى وقصد  طاعته ..

والتلبية  في أحد معانيها  – كما يقول المتخصصون  – مأخوذة من (لبّ بالمكان) إذا أقام به ، وتعني هنا الاقامة على عبودية الله ودوامها ، أو هي من اللب، وهو الخالص ، وتعني الاخلاص لله ، ويتحقق ذلك ليس بالقول فقط ، وإنما بالعمل ايضا ، أو هي من الالباب وهو التقرب الى الله …

وتكرار التلبية  (لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك لبيك) يعني إجابة بعد إجابة ، وحبا بعد حب ، ولا يقال لبيك الا لمن تحبه ..

ومع تلك الاهمية لهذه الفريضة ، وتوفر شرط (الاستطاعة) على تأديتها لكن قد  تتقدم عليها واجبات أخرى أكثر أهمية  في ظرفها وموجباتها  الآنية ، ما دام بامكان المسلم  أن يؤجل الحج  الى موسم أخر ، كما حصل مع علي أبن يقطين ، العالم والوزير ، فهو رغم ما كان  يتمتع  به من نفوذ وجاه وسلطان ومال كثير، لكنه آثر غيره على نفسه ، فقد  أعطى متاعه كله ، وما بحوزته من مال معه لرحلة الحج الى أمراة فقيرة تتكفل ايتاما وأجل الحج الى وقت أخر ، بعد أن  وضعته هذه المرأة في موقف لا يتكرر ، بينما  يمكنه ان يؤدي الحج في وقت أخر اذا ما كتب الله له الحياة  ، وإستحق  أن يقول عنه الامام الصادق (ع) قولته المأثورة بعد زيارة الحجاج له وعرض ما شاهدوه عليه ( ….. ما حججت إلا أنا وناقتي وعلي إبن يقطين ..) …

فاين هذا الموقف من موقف من يتعامل مع الحج وكأنه  (عادة وليس عبادة) ، أو كأنه لا يعرف أن هناك فقراء يعيشون على ما يجدونه في القمامة ، ومتعففين لا يسألون الناس ، وهم في عوز شديد وحاجة ماسة وبحاجة الى من يتذكرهم ويذكر بهم الاخرين  ..

أن أهم ما في العمل أن تطمئن الى صوابه …

والقلب دليل الانسان الى معرفة الصواب من الخطأ قبل القانون والتعليمات والضوابط ….

والبر ما إطمئن اليه القلب والنفس ..

وصدق من قال ( الايمان قول القلب وعمله ) …

ومنتهى التوحد أن يكون قصد الانسان لقاء ربه ..

وحج مبرور .. وسعي مشكور لحجاج بيت الله الحرام   ..

 { { { {

+ من جميل ما قرأت ، هذا الكلام  الذي نسب الى الامام مالك ، لكن هناك من العلماء من ينفي  نسبته اليه :

+ من لم يستطع الوقوف بعرفه فليقف عند حد الله الذي عرفه ..

+ ومن لم يستطع أن يبيت بمزدلفة فليبيت عزمه على طاعة الله ليقربه وليزدلفه ..

+ ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه لبيلغ المنى..

+ ومن لم يستطع الوصول الى بيت الله لانه منه بعيد فليقصد رب البيت فانه اقرب اليه من حبل الوريد ..

 { { { {

الحاج  محمد باماتشن

قام  حاج صيني يدعى (محمد باماتشن) في العام الماضي بالسفر لأداء الحج على دراجة جريا على  تقاليد الحج القديمة قاطعا نحو 8150 كيلومترا في رحلة دامت أربعة اشهر عبر خلالها العديد من الدول …

 { { { {

شهادة الدكتوراه للاعلامي عبد الكريم مزعل

 من المصادفات الجميلة أن أكون والاعلامي عبد الكريم مزعل ضمن حملة واحدة لاداء مناسك الحج …وكنت قد  حضرت  مؤخرا بدعوة كريمة منه جلسة المناقشة لحصوله على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة المستنصرية واستمرت ساعات طويلة ، وكانت مفيدة  ، لانها أتاحت لي فرصة الاطلاع على معلومات جديدة في هذا الاختصاص الحيوي الذي يشكل  مع السياسة وجهي عملة واحدة أحدهما يكمل الأخر  ..

أن قيمة الشهادة  ليست في اللقب ،  ولا في الامتياز المادي  والوجاهة الاجتماعية ، التي يحصل عليها الطالب فيما بعد ، بل في مدى تأثيرها على من يحملها ، وأهمية  البحث الذي تصدى الطالب لمعالجته  في إطروحته ، ويمكن أن تعرف ذلك  مباشرة من لجنة المناقشة ، ومستوى الاطروحة ودور الطالب في الدفاع عن أرائه ومنهجه في البحث …

كانت ساعات غير مملة ، ليس لي وحدي  ، بل ربما لغيري من الحاضرين  ، بما في ذلك من غير أهل الاختصاص ، أو من لا  تستهويهم الارقام والاحصاءات وتعقيداتها والاقتصاد وعلومه الجافة ، لكن الحديث العلمي  وتطبيقاته العملية ، وطبيعة الحوار بين الاساتذة والطالب شد المتابع الى نهاية المناقشة ليتعرف على قيمة البحث ، وهل كان جديرا بالشهادة أم لا ..؟..

كان عبد الكريم مزعل موفقا في إختيار الموضوع ، والمعالجات التي طرحها ..وكان حريا  بالجهات المعنية أن تحضر  المناقشة ، و تستفيد من طروحاته وتطبقاته العملية عن السياحة في عملها والاستئناس بارائه ، وملاحظاته ، لكي تكون للرسالة جدوى وقيمة ، وليس  مجرد أفكار على الورق ، وتركن في مكتبته  الخاصة ، أو على الرفوف في الكلية ،  كما هو شأن الرسائل الاخرى ، أوتنتهي قيمتها بحصول الطالب على  اللقب العلمي وإمتيازاته ، وهو لم يكن بحاجة اليه أساسا  من الناحية المادية والوظيفية  كونه متقاعدا ، وخارج ( لعبة المكانة والنفوذ  والشهرة ) ، وهنا تظهر قيمة العلم والمعرفة والاصرار والعزيمة  عند الباحث ، وهما مفتاح النجاح وبلوغ الهدف ..

توحي حالة الفرح على الطالب أن هذه التجربة كانت جميلة ،  و لها وقعها المؤثر على نفسه ، وقد ساعده عمله في الاعلام  في تذليل الصعوبات التي يواجهها الباحث ، وفي كتابة الاطروحة ، وفي حالة التفاعل في النقاش ، والبحث والتقصي والصبر والمطاولة  ، والدفاع عنها بمنهجية وعلمية نالت إستحسان واشادة اللجنة التي  كانت تضم مجموعة من الاساتذة من مختلف الجامعات العراقية ، وكانت في تقديرها متميزة وتشكل إضافة جيدة  للاطاريح العلمية في هذا الاختصاص ينبغي الاستفادة منها  ..

مبروك للصديق ( أبو أسامة ) ، ولاسرته الكريمة التي كان لها دور في تشجيعه ومساعدته على الوصول الى هدفه ، ولكرم ضيافتها والاحتفاء بالمدعوين ..

 { { { {

كلام مفيد :

نخرج قليلا عن اللغة وجمالها في هذا الكلام  المفيد … وانقل لكم من جميل ما قرأت عن الصديق:

(إختر رفقة تصحبك العمر كله ..

تعطيهم ويعطونك ..

يأخذون منك وتأخذ منهم ..

تتفقون .. تختلفون .. تتعاتبون..

ثم تضحكون على ذلك معا أخر النهار ..

رفقة تسمع حكاياتهم للمرة الالف ، ولا تتذمر

اختر رفقة لا تهجرك بعد سنوات

رفقة دافئة تعايرها بالشــــــيب  وتعايـــــرك بتجاعيد الزمان ) ..

مشاركة