القسطرة‭ ‬السياسية

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اثنين‭ ‬وعشرين‭ ‬عاماً،‭ ‬وهذا‭ ‬البناء‭ ‬ثقيل‭ ‬جدا،‭ ‬ويتوافر‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬وحطام‭ ‬في‭ ‬المباني‭ ‬والمعاني‭ ‬اكثر‭ ‬مما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬سليمها‭ ‬وصحيحها‭.‬

هناك‭ ‬ازمتان‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬تلك‭ ‬العملية‭ ‬السياسية،‭ ‬الأولى‭ ‬داخلية،‭ ‬وهي‭ ‬معاناتها‭ ‬من‭ ‬التكلسات‭ ‬التي‭ ‬جلبتها‭ ‬أحزاب‭ ‬وشخصيات‭ ‬تعاني‭ ‬أصلا‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬نفسية‭ ‬وطائفية‭ ‬وشخصية‭ ‬ومناطقية،‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬برغم‭ ‬كل‭ ‬البهرجة‭ ‬الانتخابية‭ ‬كل‭ ‬اربع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬منطقة‭ ‬القتل‭ ‬والدمار‭ ‬للمشروع‭ ‬الوطني‭ ‬الى‭ ‬منطقة‭ ‬إنقاذه‭ ‬والسمو‭ ‬بالبلد‭. ‬وهي‭ ‬مشكلة‭ ‬كبرى‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬حل‭ ‬مطلقاً،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬بشيء،‭ ‬فالفساد‭ ‬يخسف‭ ‬الأرض‭ ‬بالعراق‭ ‬ويهدم‭ ‬السقوف‭ ‬فوق‭ ‬رؤوس‭ ‬اهله‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يمس‭ ‬اياً‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬الدولية‭ ‬الحمراء‭.‬

‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭  ‬تشكل‭ ‬الازمة‭ ‬الخارجية‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬الدولي،‭ ‬اكبر‭ ‬تهديد‭ ‬للعملية‭ ‬السياسية‭ ‬ورموزها،‭ ‬لسببين‭ ‬هما‭ ‬عدم‭ ‬التوافق‭ ‬النقي‭ ‬والصافي‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بوصفها‭ ‬هي‭ ‬صاحبة‭ ‬مشروع‭ ‬العراق‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬ألفه‭ ‬الى‭ ‬يائه،‭ ‬وعدم‭ ‬تحديد‭ ‬علاقة‭ ‬سيادية‭ ‬وطنية‭ ‬لها‭ ‬معالم‭ ‬واضحة‭ ‬مع‭ ‬ايران،‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يمس‭ ‬السياسات‭ ‬الدولية‭ ‬والأمريكية‭ ‬خاصة‭ ‬،‭ ‬فمشاكل‭ ‬ايران‭ ‬ليست‭ ‬عراقية‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬للبلد‭ ‬المنهك‭ ‬بها،‭ ‬وليس‭ ‬العراق‭ ‬مسؤولاً‭ ‬عن‭ ‬سياسات‭ ‬إيرانية‭ ‬في‭ ‬النفوذ‭ ‬الإقليمي‭ ‬المحظور‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬وطهران‭ ‬وحدها‭ ‬من‭ ‬له‭  ‬ان‭ ‬يتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬وتصحيح‭ ‬المواقف‭ ‬وليس‭ ‬العراق‭.‬

كما‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بين‭ ‬ايران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وما‭ ‬سيترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬سيضع‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬المدفع‭ ‬إذا‭ ‬انحرفت‭ ‬اية‭ ‬جهات‭ ‬داخله‭ ‬للالتحاق‭ ‬بالتعبئة‭ ‬الإيرانية‭. ‬هذه‭ ‬نقاط‭ ‬خلافية‭ ‬عميقة،‭ ‬يرى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬انه‭ ‬فات‭ ‬الأوان‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أن‭ ‬يتجاوزها،‭ ‬لكن‭ ‬قد‭ ‬تحصل‭ ‬مناورات‭ ‬وبعض‭ ‬المساومات،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلية‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬خواص‭ ‬الديمومة‭.‬

هناك‭ ‬فرصة‭ ‬لعمل‭ ‬قسطرة‭ ‬للعملية‭ ‬السياسية،‭ ‬فقد‭ ‬بلغت‭ ‬الانسدادات‭ ‬مبلغا‭ ‬كبيرا‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬ينتبه‭ ‬غارقا‭ ‬بالبهرجة‭ ‬السياسية‭ ‬والامتيازات‭ ‬والصفقات‭ ‬والأموال‭ ‬التي‭ ‬تهبط‭ ‬على‭ ‬حفاة‭ ‬الأمس‭ ‬اباطرة‭ ‬المال‭ ‬اليوم،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يرضى‭ ‬بالإقرار‭ ‬بوجود‭ ‬خلل‭ ‬صحي‭ ‬وانسداد‭ ‬في‭ ‬شريان‭ ‬رئيسي‭ ‬او‭ ‬ثانوي،‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬الخطورة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬لعلاجها‭ ‬شعار‭ ‬لا‭ ‬تضيعوها،‭ ‬لأنها‭ ‬ستضيع‭ ‬حتماً‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية