القذافي بعد وفاته سبب لإدخال أول رئيس فرنسي إلى السجن

القذافي بعد وفاته سبب لإدخال أول رئيس فرنسي إلى السجن

باريس – أفراح شوقي

في مشهدٍ غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الفرنسية، دخل الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي يوم الإثنين 21 أكتوبر 2025 أسوار سجن “لا سانتيه” في العاصمة باريس، ليصبح أول رئيس فرنسي يُسجن فعليًا بقرار قضائي نهائي. كان السبب قضية التمويل الليبي التي لاحقته لأكثر من عقد، وجعلت من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي شاهدًا غائبًا وحاضرًا في آنٍ واحد. فبعد أربعة عشر عامًا على مقتله، يعود اسم القذافي إلى قلب السياسة الفرنسية، لا بصفته خصمًا سياسيًا، بل سببًا غير مباشراً في سقوط أحد أبرز وجوه اليمين الفرنسي.تعود فصول القصة إلى عام 2007 حين فاز ساركوزي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية وسط حملة ضخمة التمويل والإنتاج.

تمويل حملة

 بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، ظهرت وثائق مسرّبة من أجهزة الاستخبارات الليبية تشير إلى أن الزعيم الليبي وافق على تمويل حملة ساركوزي بمبلغ يناهز خمسين مليون يورو، في خرق واضح للقانون الفرنسي الذي يمنع أي دعم أجنبي للمرشحين السياسيين. الصحافة الاستقصائية الفرنسية، وتحديدًا موقع «ميديابارت»، كشفت المراسلات الأولى، قبل أن تؤكدها لاحقًا شهادات مسؤولين ليبيين سابقين، بينهم عبد الله السنوسي وبشير صالح، إلى جانب تصريحات الوسيط زياد تقي الدين الذي تحدّث عن “حقائب من النقود” نُقلت إلى باريس بين عامي 2006 و2007.استغرق القضاء الفرنسي أكثر من اثني عشر عامًا لتجميع الأدلة والاستماع إلى عشرات الشهود، قبل أن يصدر حكمه النهائي في سبتمبر 2025 بسجن ساركوزي خمس سنوات، منها سنتان نافذتان. المحكمة وصفت القضية بأنها «أعقد ملف فساد سياسي في تاريخ فرنسا الحديث»، مؤكدة أن المتهم استخدم نفوذه لتغطية مصادر تمويل غير مشروعة ذات أصل أجنبي. وهكذا تحوّل الرجل الذي كان يومًا رمزًا لـ«فرنسا القوية» إلى رمزٍ آخر لفرنسا التي لا تُساوم على العدالة، مهما تأخرت.ردود الفعل على سجن ساركوزي كانت متباينة. فبينما اعتبر مؤيدوه أن الحكم سياسي ويهدف إلى تدمير إرثه، رأى آخرون أن ما حدث يمثل انتصارًا تاريخيًا للقضاء الفرنسي واستقلاليته عن النفوذ السياسي. الصحف اليمينية كتبت عن «إهانة لرئيس سابق خدم بلاده»، في حين قالت صحيفة لوموند في افتتاحيتها إن «العدالة أثبتت أن لا أحد فوق القانون، حتى من جلس يومًا على عرش الإليزيه».القضية أعادت النقاش في فرنسا حول المال السياسي والعلاقة بين الغرب والأنظمة السلطوية السابقة في الشرق الأوسط. فبينما سعى ساركوزي عام 2011 إلى إسقاط نظام القذافي عسكريًا ضمن حملة حلف الناتو، ها هو اليوم يسقط هو الآخر بفعل إرثٍ مالي نُسج في الكواليس نفسها قبل عقدين.