القدِّيس‭ ‬- حسن النواب

قبل‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬رحل‭ ‬بصمت‭ ‬هذا‭ ‬الصعلوك‭ ‬القدِّيس،‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬صغير‭ ‬ظهر‭ ‬على‭ ‬فضائية‭ ‬العراقية‭ ‬يعلن‭ ‬عن‭ ‬غيابه‭ ‬بنوبة‭ ‬قلبية،‭ ‬ولم‭ ‬استغرب‭ ‬عندما‭ ‬لم‭ ‬تُكتب‭ ‬بحقه‭ ‬كلمة‭ ‬رثاء‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬أصدقائه‭ ‬إليه،‭ ‬ومن‭ ‬يكتب‭ ‬عنه؛‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬جميع‭ ‬أترابه‭ ‬الصعاليك‭ ‬قد‭ ‬سبقوه‭ ‬إلى‭ ‬منازل‭ ‬الجنَّة،‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬سوى‭ ‬الغجري‭ ‬نصيف‭ ‬الناصري‭ ‬الذي‭ ‬ربما‭ ‬الآن‭ ‬يمارس‭ ‬عبثه‭ ‬مع‭ ‬سيدة‭ ‬سويدية‭ ‬على‭ ‬فراش‭ ‬القصيدة‭ ‬المدجج‭ ‬بالحرمان‭ ‬والشهوات‭ ‬المكبوتة،‭ ‬أيا‭ ‬نصيف‭.. ‬لقد‭ ‬رحل‭ ‬أبو‭ ‬الهوازن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يغدق‭ ‬بدمه‭ ‬وعسل‭ ‬قلبه‭ ‬علينا‭ ‬حتى‭ ‬نثمل‭ ‬ونشبع،‭ ‬أيا‭ ‬نصيف‭.. ‬هل‭ ‬تذكر‭ ‬أبا‭ ‬هوازن‭ ‬يوم‭ ‬أخبرنا‭ ‬ذات‭ ‬ظهيرة‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬البلور‭ ‬أنه‭ ‬سمّى‭ ‬ابنته‭ ‬هوازن‭ ‬تيمنناً‭ ‬بتلك‭ ‬القبيلة‭ ‬الجاهلية‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬القبائل‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬الإسلام؛‭ ‬وهل‭ ‬تذكر‭ ‬منزله‭ ‬الواسع‭ ‬بمنطقة‭ ‬زيونة،‭ ‬حين‭ ‬يأخذنا‭ ‬بسيارته‭ ‬الهرمة‭ ‬لنقضي‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬في‭ ‬جناحه‭ ‬المعزول‭ ‬عن‭ ‬الدار‭ ‬والذي‭ ‬أعدَّهُ‭ ‬خصيصا‭ ‬للصعاليك؛‭ ‬وكيف‭ ‬كانت‭ ‬قصائدنا‭ ‬معلَّقة‭ ‬على‭ ‬جدار‭ ‬ذلك‭ ‬المشتمل‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬خمرتنا‭ ‬وشعرنا‭ ‬وطعامنا‭ ‬الذي‭ ‬يحرص‭ ‬أنْ‭ ‬يقدمه‭ ‬لنا‭ ‬شهيَّا‭ ‬وساخناً‭. ‬أجل‭ ‬لقد‭ ‬غادرنا‭ ‬سيف‭ ‬الدين‭ ‬الجراح‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬بعذاباتنا‭ ‬صورة‭ ‬البلاد‭ ‬بوجهها‭ ‬الحقيقي‭ ‬ويتلمَّس‭ ‬بتمردنا‭ ‬وعبثنا‭ ‬وشعرنا‭ ‬أجمل‭ ‬أحلامه‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬تدوينها‭ ‬على‭ ‬الورق‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬كاتباً‭ ‬يهوى‭ ‬الأدب‭ ‬وضليعاً‭ ‬بلغة‭ ‬الضاد‭ ‬ونحوها‭ ‬وصرفها؛‭ ‬لكنَّه‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬منجز‭ ‬إبداعي‭ ‬يستحق‭ ‬الانتباه؛‭ ‬بالوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يراهن‭ ‬علينا‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬كان‭ ‬يترجم‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬عن‭ ‬عسر‭ ‬قلمه‭ ‬أمام‭ ‬جنونا‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬فورته‭ ‬يوم‭ ‬ذاك،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬سيف‭ ‬الدين‭ ‬الجراح‭ ‬أقول‭: ‬أنَّهُ‭ ‬عقيد‭ ‬متقاعد‭ ‬في‭ ‬الهندسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬أخذ‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬بيد‭ ‬شاعرنا‭ ‬القروي‭ ‬كزار‭ ‬حنتوش‭ ‬إلى‭ ‬وحدة‭ ‬المساحة‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تخلَّف‭ ‬عنها‭ ‬لشهور،‭ ‬إذْ‭ ‬كان‭ ‬كزار‭ ‬خريج‭ ‬معهد‭ ‬المساحة‭ ‬العالي؛‭ ‬وقد‭ ‬انخرط‭ ‬مجبراً‭ ‬بالجيش‭ ‬كما‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬حربنا‭ ‬مع‭ ‬إيران؛‭ ‬وقد‭ ‬ذكر‭ ‬لي‭ ‬صديقي‭ ‬الحنتوش‭ ‬أنَّ‭ ‬أبا‭ ‬هوازن‭ ‬عندما‭ ‬دخل‭ ‬على‭ ‬آمر‭ ‬الوحدة‭ ‬العسكرية‭ ‬وكان‭ ‬برتبة‭ ‬رائد،‭ ‬نهض‭ ‬من‭ ‬مكتبه‭ ‬وأدَّى‭ ‬التحية‭ ‬للعقيد؛‭ ‬فأجابه‭ ‬الجرَّاح‭ ‬قائلاً‭: ‬أنت‭ ‬تؤدي‭ ‬التحية‭ ‬العسكرية‭ ‬لشخصي؛‭ ‬لأني‭ ‬أقدم‭ ‬منك‭ ‬رتبة؛‭ ‬وأنا‭ ‬أؤدي‭ ‬التحية‭ ‬العسكرية‭ ‬لكزار‭ ‬لأنه‭ ‬أقدم‭ ‬مني‭ ‬عذاباً‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬الشعراء‭ ‬العراقيين‭ ‬إبداعاً،‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬سيف‭ ‬الدين‭ ‬الجرَّاح‭ ‬الذي‭ ‬تشهد‭ ‬له‭ ‬حانة‭ ‬البلور‭ ‬بطيبة‭ ‬قلبه‭ ‬الرؤوم‭ ‬وبسخائه‭ ‬وكرمه‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬ويوم‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬اشتعالها،‭ ‬وكان‭ ‬الواحد‭ ‬منا‭ ‬يرتجف‭ ‬أمام‭ ‬عريف‭ ‬ساذج‭ ‬في‭ ‬وحدته‭ ‬العسكرية،‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬الإجازة‭ ‬نجلس‭ ‬مع‭ ‬العقيد‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬البلور‭ ‬وتكاد‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬تصدق‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الصعاليك‭ ‬يرفعون‭ ‬صوتهم‭ ‬بالنقاش‭ ‬الأدبي‭ ‬على‭ ‬عقيد‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬العراقي؛‭ ‬ونحن‭ ‬مجرد‭ ‬جنود‭ ‬جاءوا‭ ‬بإجازة‭ ‬قصيرة‭ ‬وبعضنا‭ ‬كان‭ ‬هارباً‭ ‬من‭ ‬الجيش‭. ‬كان‭ ‬العقيد‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬الحانة‭ ‬مالم‭ ‬يصرف‭ ‬آخر‭ ‬دينار‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬علينا،‭ ‬وأذكر‭ ‬أنَّهُ‭ ‬حدثني‭ ‬ذات‭ ‬ليلة‭ ‬عن‭ ‬واقعة‭ ‬طريفة‭ ‬جرتْ‭ ‬للصعلوك‭ ‬الراحل‭ ‬سلمان‭ ‬السعدي؛‭ ‬يقول‭ ‬الجراح‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬معي‭ ‬بسيارتي‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬بنا‭ ‬من‭ ‬بغداد؛‭ ‬وكنا‭ ‬خلال‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬البصرة‭ ‬نتوقف‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬استراحة‭ ‬الضباط‭ ‬كلما‭ ‬رأينا‭ ‬إحداها‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬ونحتسي‭ ‬الجعة‭ ‬حتى‭ ‬وصلنا‭ ‬ثملين‭ ‬إلى‭ ‬الوحدة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وحدث‭ ‬حينها‭ ‬أنَّ‭ ‬معركة‭ ‬الفاو‭ ‬الأولى‭ ‬كانت‭ ‬مشتعلة،‭ ‬وبسبب‭ ‬الفوضى‭ ‬الحاصلة‭ ‬في‭ ‬حينها؛‭ ‬طلبتُ‭ ‬من‭ ‬السعدي‭ ‬الرقاد‭ ‬بمكتبي‭ ‬حتى‭ ‬يحين‭ ‬الصباح،‭ ‬وقد‭ ‬حذرته‭ ‬من‭ ‬شرب‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الخمر،‭ ‬إذْ‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬قارورة‭ ‬من‭ ‬ابنة‭ ‬الكروم‭ ‬حملتها‭ ‬معي‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أنْ‭ ‬نشربها‭ ‬حين‭ ‬تهدأ‭ ‬المعركة،‭ ‬وانصرفت‭ ‬إلى‭ ‬النوم‭ ‬بغرفتي،‭ ‬لما‭ ‬أطلَّ‭ ‬الصباح‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬السعدي‭ ‬في‭ ‬المكتب،‭ ‬وقلت‭ ‬ربما‭ ‬ذهب‭ ‬لقضاء‭ ‬حاجته،‭ ‬وفجأة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬وحدتي‭ ‬العسكرية‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬المتسربين‭ ‬عن‭ ‬المعركة‭ ‬بأمرة‭ ‬إحدى‭ ‬لجان‭ ‬الإعدام‭ ‬لغرض‭ ‬التحقيق‭ ‬معهم،‭ ‬ولما‭ ‬اعترضت‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬وحدتي‭ ‬العسكرية‭ ‬كمكان‭ ‬للتحقيق‭ ‬مع‭ ‬أولئك‭ ‬الجنود‭ ‬المرعوبين‭ ‬من‭ ‬الخوف،‭ ‬أجابني‭ ‬الضابط‭ ‬المسؤول‭ ‬عنهم‭ ‬وكان‭ ‬برتبة‭ ‬عقيد‭ ‬أيضاً،‭ ‬إنها‭ ‬أوامر‭ ‬آمر‭ ‬الفيلق،‭ ‬فلم‭ ‬أجبه‭ ‬بشيء‭ ‬وعدتُ‭ ‬إلى‭ ‬مكتبي‭ ‬حانقاً؛‭ ‬ماهي‭ ‬إلاَّ‭ ‬دقائق‭ ‬حتى‭ ‬تناهى‭ ‬لي‭ ‬صوت‭ ‬السعدي‭ ‬مستغيثاً؛‭ ‬وقد‭ ‬فوجئت‭ ‬حين‭ ‬رأيتهُ‭ ‬مقيد‭ ‬اليدين‭ ‬مع‭ ‬الجنود‭ ‬المتسربين‭ ‬من‭ ‬المعركة‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬ينتظرهم‭ ‬الإعدام‭ ‬دون‭ ‬شك‭. ‬هرعت‭ ‬إليه‭ ‬مستفهماً؛‭ ‬وعرفت‭ ‬أنَّهُ‭ ‬شرب‭ ‬قارورة‭ ‬الخمر‭ ‬بعد‭ ‬منامي‭ ‬وخرج‭ ‬يتجوَّل‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬البصرة؛‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬إلقاء‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭ ‬كجندي‭ ‬هارب‭ ‬من‭ ‬المعركة،‭ ‬قلتُ‭ ‬له‭ ‬هامساً‭: ‬تستحق‭ ‬الموت؛‭ ‬لأني‭ ‬حذرتك‭ ‬من‭ ‬الإفراط‭ ‬بالشرب؛‭ ‬لتنقذك‭ ‬قارورة‭ ‬الخمر‭ ‬إذن؛‭ ‬وابتعدت‭ ‬عنه‭ ‬بخطوات‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬صوته‭ ‬متسائلاً‭ ‬بيأس‭ ‬وهل‭ ‬تقبل‭ ‬أنْ‭ ‬أُعدم‭ ‬بسبب‭ ‬قنينة‭ ‬عرق؟‭ ‬فلم‭ ‬أتمالك‭ ‬نفسي‭ ‬وتبسمت‭ ‬لهُ‭ ‬طالباً‭ ‬من‭ ‬المسؤول‭ ‬أنْ‭ ‬يحرره‭ ‬من‭ ‬القيد؛‭ ‬لأنه‭ ‬أحد‭ ‬الأدباء‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬معايشة‭ ‬إلى‭ ‬جبهة‭ ‬الحرب؛‭ ‬ويواصل‭ ‬العقيد‭ ‬حديثه‭ ‬قائلا‭: ‬أما‭ ‬الجنود‭ ‬الذين‭ ‬تسربوا‭ ‬من‭ ‬المعركة‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬نقلهم‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬بعد‭ ‬اتصالي‭ ‬بآمري‭ ‬لأقول‭ ‬له‭ ‬بصراحة‭: ‬نحن‭ ‬وحدة‭ ‬عسكرية‭ ‬هندسية؛‭ ‬ولا‭ ‬يصح‭ ‬أنْ‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬مشبوه‭ ‬للتحقيق‭ ‬مع‭ ‬جنود‭ ‬مساكين‭. ‬وهكذا‭ ‬أخذوا‭ ‬الجنود‭ ‬المتسربين‭ ‬والذين‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬حل‭ ‬بهم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك؟‭ ‬صحيح‭ ‬أنَّ‭ ‬سيف‭ ‬الدين‭ ‬الجراح‭ ‬لم‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬عمَّا‭ ‬كتبهُ‭ ‬بمجموعته‭ ‬القصصية‭ ‬المقاتل‭ ‬سين‭ ‬يتذكر،‭ ‬وروايته‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بعنوان‭ ‬حدِّقْ‭ ‬عميقاً‭ ‬يا‭ ‬وطني،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬قدِّيسا‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬خاص،‭ ‬وصعلوك‭ ‬برتبة‭ ‬عسكرية‭ ‬رفيعة،‭ ‬وكريما‭ ‬بشكل‭ ‬مثير،‭ ‬وأذكر‭ ‬أنهُ‭ ‬ذات‭ ‬ليلة‭ ‬أخذني‭ ‬مع‭ ‬صديقي‭ ‬الشاعر‭ ‬عقيل‭ ‬علي‭ ‬إلى‭ ‬جناحه‭ ‬المعزول‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬الشاسع؛‭ ‬وكانت‭ ‬أيام‭ ‬حصار‭ ‬لعينة‭ ‬أجبرت‭ ‬العقيد‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬الكتب‭ ‬كل‭ ‬ظهيرة‭ ‬جمعة‭ ‬أمام‭ ‬رواق‭ ‬مؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فندق‭ ‬الماس‭ ‬قرب‭ ‬شارع‭ ‬المتنبي،‭ ‬ولما‭ ‬أكملنا‭ ‬سهرتنا‭ ‬شعرت‭ ‬أنَّ‭ ‬الجرَّاح‭ ‬يشعر‭ ‬بالقلق؛‭ ‬فسألته‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬لبث‭ ‬صامتاً‭ ‬لدقائق‭ ‬ثم‭ ‬أجاب؛‭ ‬أشعر‭ ‬بالخجل‭ ‬لأني‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬من‭ ‬عشاء‭ ‬سوى‭ ‬بيضتين‭ ‬مسلوقتين‭ ‬لكما؛‭ ‬فقبَّلتُ‭ ‬جبينه‭ ‬قائلاً‭: ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬أشهى‭ ‬من‭ ‬البيض‭ ‬المسلوق‭ ‬بهذا‭ ‬الحصار‭ ‬اللعين؟‭ ‬وحين‭ ‬أفقنا‭ ‬صباحاً‭ ‬ساورني‭ ‬القلق‭ ‬مع‭ ‬عقيل‭ ‬لأنَّ‭ ‬الجرَّاح‭ ‬لم‭ ‬يحضر‭ ‬ويطرق‭ ‬الباب‭ ‬علينا،‭ ‬ومضت‭ ‬ساعة‭ ‬وليس‭ ‬ثمَّة‭ ‬أمل‭ ‬من‭ ‬قدومه،‭ ‬حتى‭ ‬فتحت‭ ‬الباب؛‭ ‬وإذا‭ ‬بالعقيد‭ ‬يحمل‭ ‬آنية‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬القيمر‭ ‬مع‭ ‬إبريق‭ ‬من‭ ‬الشاي‭ ‬والصمون‭ ‬الساخن،‭ ‬وضعها‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬ليجلس‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬الكراسي؛‭ ‬زفر‭ ‬حسرته‭ ‬براحة‭ ‬تامة‭ ‬قائلاً‭: ‬تناولا‭ ‬فطوركما‭ ‬واعتذر‭ ‬لأني‭ ‬تأخرت‭ ‬عليكما؛‭ ‬فتساءل‭ ‬عقيل‭: ‬نتمنى‭ ‬أنْ‭ ‬تكون‭ ‬أمورك‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬؛‭ ‬ضحك‭ ‬العقيد‭ ‬ونفث‭ ‬دخان‭ ‬سيجارته‭ ‬بمتعة‭ ‬ثم‭ ‬قال‭: ‬أتعرفان؛‭ ‬لقد‭ ‬خرجت‭ ‬مبكرا‭ ‬هذا‭ ‬الصباح‭ ‬للعمل‭ ‬بسيارتي‭ ‬كسائق‭ ‬تاكسي؛‭ ‬وحالما‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬ثمن‭ ‬فطوركما‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬راكب،‭ ‬عدت‭ ‬مسرعاً‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬اشتريت‭ ‬لكما‭ ‬الفطور‭ ‬مع‭ ‬العائلة‭. ‬كادت‭ ‬دمعتي‭ ‬تسقط‭ ‬على‭ ‬ماعون‭ ‬القيمر؛‭ ‬ليتني‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬الآن؛‭ ‬حتى‭ ‬أدع‭ ‬هذه‭ ‬الدمعة‭ ‬تنهمر‭ ‬على‭ ‬قبرك‭ ‬أيها‭ ‬القدِّيس‭. ‬

حسن‭ ‬النواب