القبانجي من نقد اللاهوت إلى نقد السياسات الدينية

654

يوسف محسن وكتابه الجديد

 

القبانجي من نقد اللاهوت إلى نقد السياسات الدينية

 

سارة محسن

 

بغداد

 

صدر حديثا كتاب (احمد القبانجي من نقد اللاهوت إلى نقد السياسات الدينية ) للباحث العراقي يوسف محسن حيث يحتوى الكتاب على حوارات وملفات ووثائق فتاوى التكفير ومحاضرات وكتابات المثقفين العراقيين عن الحق في حرية التعبير والضمير والاعتقاد

 

ساهم السيد أحمد القبانجي في  ترجمة الأعمال الفكرية التنويرية للمفكر الإيراني عبدالكريم سرووش (بسط التجربة النبوية، والصراطات المستقيمة، الإيمان والحرية، والدين العلماني السياسة والتدين) وأعمال د.الشيخ محمد مجتهد الشبستري (قراءة بشرية للدين) وكتاب عقلانية الدين والسلطة وهو مؤلف جماعي اشترك فيه مصطفى مليكان والشيخ محسن كديور  فضلاً عن اسهاماته الفكرية (تهذيب احاديث الشيعة، والمرأة المفاهيم والحقوق، والإسلام المدني، والمباني النظرية للمجتمع الديني والمدني، والحريات السياسية في المجتمع المدني، وموقف الإسلام من الديمقراطية)، أما في حقل النشاط  الثقافي فيشكل(الملتقى الثقافي للفكر الإسلامي المعاصر) أحد الفضاءات المدنية لتنشيط الحوار وإشاعة التعددية والتنوع الفكري والديني والسياسي ، فضلاً عن ذلك أن مشروع الاصلاح الثقافي الديني يقوم على ثلاثة رهانات كبرى تتمثل في رد الاعتبار إلى الآخر اولاً ورد الاعتبار إلى المرأة/ المواطنة الحديثة وكذلك رد الاعتبار إلى العقل البشري، وهذا معناه تحرير الوعي الإسلامي من العوائق اللاهوتية في استقبال الحداثة، وطرح الأسئلة التعريفية وتفكيك الخطاب الديني من داخل التراث الارثوذوكسي بوصفها نصوص انثربولوجية خاضعة للدراسة والتحليل، هذا الدرس الديني الجديد لا ينظر إلى الإسلام بوصفه كتلة واحدة وإنما هناك اسلامات تاريخية غير متجانسة، ممكن أن تقبل بمفاهيم التنوير والحرية والديمقراطية أو المفاهيم الحديثة. حيث يتناول السيد أحمد القبانجي في (هذه النصوص) مسألة الخلل في الفكر الديني الإسلامي، الذي يضفي بعداً مقدساً على انتاجات الفتاوى والأحكام الفقهية عبر التاريخ فضلاً عن ذلك عدم التميز الحاصل بين الدين كجوهر والشريعة التي هي نتاج الثقافات البشرية، إن هذه النصوص جاءت في سياقات حوارية مع جمهور متنوع وظيفتها رد الاعتبار إلى الإيمان الإنساني واستعادة جدل التنوير.عبر الحوار مع السيد أحمد القبانجي نكتشف أن الأفكار  الدينية هي عباره عن  نسق من مركبات الثقافة والتأطيرات الاجتماعية-الاقتصادية تقوم بعملية امتصاص الشاغل الاجتماعي، وتعيد انتاجه عبر شبكة من التمثيلات الدينية فهي نتائج تأريخية لأثريات النظام المعرفي. إنتاج أرحام مادية- تأريخية تختزل تقنيات الوعي الاجتماعي إلى وعي ديني، عبر تفكيك البنيات الأساسية للوعي. وتتميّز الأنظمة المعرفية الدينية بخطاب لغويّ (منظومة لغوية خاصة يمكن تحويلها واستبدالها وقراءتها كـخطابات أيديولوجية للكشف عن وظيفتها.) الأنظمة المعرفية الدينية (تصوّرات أو تمثيلات) تخفي وقائع اقتصادية – اجتماعية يحاول صانعوها إضفاء تأطيرات مطلقة عليها بوصفها خارج التاريخ.

 

ومن غير العلمي أن يجري البحث بشأن المعرفة الدينية بوصفها معرفة قائمة بذاتها وتتحرك على وفق قوانين فوق تاريخية أو وثائق ميتافيزيقية مفصولة عن تاريخيتها ومرجعياتها، لكونها ترتبط بنظام دلالي خارج عن الوعي الفردي (لهذا فهي تمثيلات لتلك العلاقات التي تربط الأفراد بظروفهم في الحياة (التوسير) إذ إنها أنظمة تنازعية، تناظر الصراعات الاجتماعية ولا تنشأ بصورة تلقائية، أو من دون ممهدات سياسية في جوهرها، مندمجة بالأنساق الاجتماعية والفلسفية والاقتصادية لمجتمع خاص، فهذه المعرفة الدينية سواء كانت نتاج المجال الشيعي الإمامي (الخوئي) و(الغروي)، أو المعرفة الدينية السنية (سيد قطب) و(الكبيسي) و(الترابي)، هي شبكة من التعبيرات متموضعة في حقل التاريخ ومرتبطة بـحقل التفكير، وهي نتاجات بشرية تلعب دوراً وظائفياً في تغييب التراتب الهرمي للمجتمعات، وتقوم بتوصيف الكائنات الاجتماعية من أجل العمل الاجتماعي وأفعال التغيير، وآليات البقاء والدفاع والإخصاب الجنسي، والسياسات الغذائية، والعلاقات مع الآخر الغرب، والمنتوجات الأدبية والأيديولوجية والثقافية، وتعليب اللحوم والأجبان، والأسلحة، وفق ثنائية (المقدس/ المدنس) وتخضع للتمايزات في الهوية الدينية داخل الرحم المادي بسبب وظائفها المتعددة، للمحافظة على التوازنات وسلوك الأفراد وقداسة العناصر الثقافية، عبر شبكة معقدة تمر عبر المتن المقدس إلى عمليات التبادل والاستهلاك (افراد أو جماعات).

 

في الكتاب يبين الباحث : ان  النظام المعرفي الإسلامي، بجميع تنوعاته اللاهوتية (النسق الديني الشيعي) (النسق الديني السني)، انتج شبكة من المعرفة تكمن وظيفتها في التبرير وطمس الفروقات والاختلافات، واللجوء إلى التلفيق الذي يفتقر إلى العقلانية، واختزال الأبعاد والصفات، لغرض تثبيت صور نمطية (للفرد) والجماعات المختلفة. وقد أخذت هذه المعرفة تمارس عمليات الاستبعاد التيولوجي ضد الآخر أو ضد منظومته المعرفية والمفاهيمية، أو الهيمنة على الممتلكات الرمزية اللاهوتية، إذ إن النظام المعرفي الإسلامي يضع نفسه دائماً ضمن سيرورات الإجابة، ويشكل حضوراً مستمرّا ضمن مشاغل المجتمع، وداخل بنية الاشتراطات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية عبر طرق (الاستبدال، والاقصاء، والبتر، والتقنع، وإعادة الانتاج واضفاء صفات دينية)، وهي آليات قائمة على تقنيات أيديولوجية، ويرى عبد المجيد الشرفي، إن النظام المعرفي الديني الإسلامي فقد القسم الأكبر من قيمته، وهو يعيش المشاكل ذاتها التي تعيشها الديانات الكبرى في التاريخ، إذ يفتقد إلى منظومة مفاهيمية ومقولاتية إخصابية أو توليدية قادرة على بناء مشروع مستديم يندمج بالحداثة، وظهور نسقين حالا دون إعلان التنوير الديني.داخل المنظومة المعرفية الدينية الإسلامية.

 

الأول: النسق التكفيري، ويمثل إحدى صدمات الحداثة يستمد قوته الأيديولوجية من ضغوطات مسألة الهويات والمنظومة الرمزية للجماعات الإسلامية والصراعات السياسية بشأن الثروة/ السلطة، ويقوم على تقديس النماذج العليا وتوظيف الرصيد الاسطوري ضمن البنيات المعرفية.

 

الثاني: أسلمة المعرفة بوصفها خطاباً ميتافيزيقياً يحاول إيجاد صلة بين النص المقدس كمعرفة ما فوق علمية، والمعرفة الاجتماعية والمعرفة الاقتصادية، هذه العملية محاولة لإيجاد تأصيل محكوم برهانات سياسية أكثر وهي مرهونة إلى تأسيسات معرفية حيث يتم داخل هذه العملية التنكر لتاريخ الحداثة واختراق الثوابت النصية للدين.

 

هذان المظهران، مظهر حركات سياسية أصولية ومظهر تراث ثقافي مغلق، لا يقدّمان نمطاً جديداً من الفهم القادر على تقديم حلّ لمشكلات (الحداثة) داخل العقل الإسلامي، فهما يعيدان إنتاج التضخيم الإحيائي في الأنظمة المعرفية الإسلامية عبر غياب الشروط والتأسيسات الأولية، ويقدمان على تسويات اختزالية واستنفار العناصر الأيديولوجية التعبوية داخل الدين.

 

لذا فإنّ أزمة الأنظمة المعرفية الدينية الإسلامية تطرح هنا بالاتساق مع أزمات التمدن والتطور والنهضة داخل المجال المجتمعي للعالمين العربي والإسلامي، على الرغم من هلامية هذا المفهوم فهذه المجتمعات تمثل كتلة هامدة خارج التاريخ الحداثي للعالم، ويعود ذلك لاشتراطات البنيات المؤسساتية   كما يطرح ذلك العفيف الاخضر .

 

–  غياب فاعل الحداثة التاريخي (البرجوازية الحديثة).

 

–  عدم توفر أرضية الحداثة (الملكية الخاصة) التي لم تدخل إلى الإسلام إلا بعد دخول العالم العربي الإسلامي مرحلة الكولونيالية.

 

–  التثبيت العصابي بشأن الماضي والتعلق بالحضارات العتيقة ولاسيما عندما يكون المقدس هو العمود الفقري، حين يردع الورثة عن إنجاز عمليات التلاقح مع الحضارات الأخرى التي تنظر بمنظار (المركزية الاثنية) وقد تم اختيارها وفق العناية الإلهية، لذا فإن أي اقتباس (معرفي) من المجتمعات الأخرى (الكافرة) يوصف بأنه خيانة وانتهاك للمحرمات المقدسة.

 

–  هيمنة التدين الشعبوي الذي يصنع دين الكراهية، وهو يمثل الكتلة السمنتية للأديان اللاعقلانية.

 

–  الأصولية التي تقيم مناحات يومية على الهوية الدينية والسياسية.

 

 نحو ممكنات نظرية للحداثة

 

يطرح ماركس موضوعة ذات أهمية قصوى بقوله: إن البشرية لا تضع لنفسها إلا مهامَّ تستطيع حلّها، ولئن نظرنا إلى القضية عن كثب لوجدنا دائماً أن المهمة نفسها لا تظهر إلا حين تكون الشروط المادية كلها موجودة أصلاً، أو تكون على الأقل في سيرورات التشكيل.

 

لذا فإنّ الأنظمة المعرفية الدينية الإسلامية سواء كان (النظام المعرفي الشيعي أو النظام المعرفي السني) لم تشتغل بسؤال الحداثة منذ منتصف القرن الماضي، أي منذ بروز الدولة القومية الفاشية العربية ودخول المجتمعات الإسلامية في مرحلة الاستقلالات الوطنية واستخدام الدين (الإسلام) كأداة للتضخم الذاتي والإقصاء والتصنيف وتكفير الآخر، كما هو واضح في أعمال سيد قطب والمودودي وأبي الحسن الندوي ووحيد الدين خان، ولو نظرنا بدقة إلى الحقل الإسلامي والأنظمة المعرفية الدينية كفضاء مشخص لمحاولة اكتشاف أية طبقة اجتماعية أو جماعات معرفية قادرة على حمل مشروع حداثوي، نجد أن هذه الجماعات تؤسس نفسها على مجموعة الفقه السياسي الكلاسيكي، وهو مبني وفق تصورات تراثية بشأن طبيعة الدولة الحديثة، ويمثل أهمّ مكامن العطب ،حيث يتم النظر إلى الحداثة والتنوير على أنها مجال قهري وهيمنة مصاغ بمعطيات تركيبية من الثقافات اليهودية والمسيحية. هذا العجز التاريخي الذي تعانيه المجتمعات الإسلامية المتعلق بإعادة انتاج الانفصالات الدائمية بين المعرفة الدينية الإسلامية والعصر التاريخي الحديث، يؤكد هيمنة منظومة لاعقلانية أسطورية داخل (حقل التفكير) ولا يمكن القفز والاندماج بالحداثة إلا عبر قطيعة معرفية بها، وتفكيك النسق السياسي لهذه المنظومة.إذن لا يمكننا الحديث عن إصلاح المنظومة المعرفية الدينية الإسلامية من دون إصلاح المجال السياسي كـاقتصاد متمركز داخل الفضاءات الاجتماعية بهذه المجتمعات، بوصفه أصل كل فساد حسب توصيفات الطهطاوي، ولو تساءلنا ما الشروط الموضوعية التي تستطيع فيها الأنظمة المعرفية الدينية على الرغم من عدم استطاعة التنوع الانثروبولوجي تشكيل قطيعة إصلاحية أو خلق ممكنات نظرية لإنتاج معرفة دينية تندمج بالحداثة، يتطلب كـشرط أولي تطوير مواقع مختلفة وحقولاً متناقضة في تفكيك التمركزات، والتحيزات الدينية، واستنطاق الأبعاد السياسية، والاقتصادية والفكرية، وبالذات التجليات المؤسساتية للأنظمة الأيديولوجية الكليانية الدينية، والمباشرة بحركة ضخمة من النقد الفلسفي والعلمي للتراث الديني، ونقد الممارسات السياسية لمتن المقدس بوصفه أوّل حقول الاشتغال النقدي. ثم قراءة شبكة التصورات التي كونها الإسلام الانثروبولوجي عن (الله)، و(الإنسان)، و(العالم) وإيجاد علاقة بين الدين/ المعرفة وموقعهما من نظام الواقع المجتمعي، وتحرير العقلانية الإسلامية من اللاهوت القروسطي، وعدم الاعتراف بأي مصدر مفارق بوصفه العامل الأساسي للتاريخ، وعد الأنظمة الأيديولوجية الأخرى (الفكر، والثقافة، والمتخيل) تلعب ادواراً أولية متباينة في العملية التاريخية، للكشف عن بنية المعرفة الدينية بكونها نتاجاً آيديولوجيا من بين نتاجات أخرى.

 

والفصل بين المجالين (الدولة) و(الدين) وادماج المنظومة الفقهية في الحقل التاريخي البشري، فضلاً عن ما يحدده الانثروبولوجي مالك شبل جملة من العناصر الإجرائية لإصلاح المنظومة الأساسية للإسلام، التى تتكون مرجعيتها الفلسفية والسياسية من قيم القرن الثامن عشر وعهد التنوير الأوروبي، والدمج بين إصلاح المجال السياسي وإصلاح المجال الديني.

 

–  إعادة تفسير النص المقدس داخل حقل المتغيرات التاريخية.

 

–  أولوية العقل على النقل واستقلاليته إزاء المنظومة الدينية.

 

– إدارة المجتمعات عن طريق المنظومة السياسية وفصل السياسة عن الدين.    –  وضع الإنسان كـحجر زاوية في التاريخ ومركز الحياة الاجتماعية.

 

–  تنمية الفردانية والتعبير الذاتي للتميز بين المستوى الجماعي والمستوى الفردي.

 

–  إشاعة الاختلاف والتنوع وحرية التفكير وإصلاح النظام التعليمي

 

واحترام الآخر المختلف دينياً وسياسياً.

 

–  عدّ الجهاد ظاهرة غير شرعية كونه يتضمن القتل.

 

–  مراجعة القوانين المدنية وتدعيم وضع النساء في المجتمعات

 

الإسلامية، ونزع الصفة الدينية عن منظومة القوانين الاجتماعية.

 

–  فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية والسلطة القضائية.

 

–  تحرير النص الديني من مركزيات التراث وهيمنة رجل الدين على

 

مفاتيح النص والتركيز على بنية تاريخية للمعرفة الدينية.

 

–     نفي الرؤية المثالية للعالم والتأكيد على العناصر السوسيولوجية للمجتمع.