الفن ينتصر على الوصاية – فارس السردار

فارس السردار

عندما يتراجع العنف والتسلط، وتتجه البوصلة باتجاه الحياة، تسقط الأصنام بكافة أشكالها: تماثيل، صور، أسماء شوارع. ليحل محلها أسماء لرموز كانت تسعى لمنفعة الناس وإسعادهم، من علماء وفنانين ومصلحين، ولا غير هؤلاء. ويبقى الدكتاتور والطائفي والانتهازي والأرعن عكّازات يتعكز عليها الأجوف والطارئ والمفلس، إلا من العصا الغليظة التي يساق بها الناس

من هنا جاء الطلب مباشرة من الرئيس جوزيف عون في جلسة الحكومة اللبنانية المنعقدة بتاريخ (5 آب 2025)، والذي قرر فيه مجلس الوزراء اللبناني الموقر بالإجماع تغيير اسم (جادة حافظ الأسد) في بيروت إلى (جادة زياد رحباني)
بلمسة وفاء واعتراف بالفضل، يصحح لبنان حكومةً وشعباً مساراته وتوجهاته بإسقاط اسم ورفع معنى. فدواعي تسمية الجادة باسم (حافظ الأسد) مطلع التسعينات كانت تكريماً لدوره في تمرير اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان عام (1989). وقتها تعزز الوجود السوري في لبنان سياسياً وعسكرياً حتى أصبح حاضراً في تسمية الشوارع وفي القرار السياسي اللبناني. وفي ظل هذا النفوذ السوري، بقيت هذه التسمية محل جدل سياسي وشعبي قوي، خاصة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الذي تبعه انسحاب الجيش السوري من لبنان

وقد أثارت وفاة الفنان زياد رحباني في 26 تموز 2025 موجة من الحزن الوطني والرغبة الشعبية في التكريم، لأنه رمز ثقافي بارز في لبنان، مما عمّق الرغبة الشعبية في إطلاق اسمه على شارع من شوارع بيروت، لا سيما في منطقة الحمرا أو الروشة حيث كان يعيش ويبدع. وهذه الرمزية في استبدال اسم جادة حافظ الأسد، الذي يمثل نموذجاً لسلطة التدخل السوري العسكري، باسم فنان لبناني حر وقريب من الناس، تعد قراراً يحمل دلالات قوية تعزز الهوية الوطنية والاستقلالية الثقافية، وإشارة إلى أن لبنان يستعيد روحيته ويقطع آخر رابطة بنظام محتل تسلطي.
وهذه الاستعادة للروحية اختارت أن تعلن عن نفسها بتبني روح زياد رحباني، الفنان الذي كتب (أنا مش كافر) و(بالنسبة لبكرا شو)، ووجدت أنه أحق بأن يُخلّد اسمه في ذاكرة المدينة من الذي دخلها بالدبابات.
وزياد يمثل الناس، الفن، الشك، السؤال، الهامش، والضحك في وجه القهر. وهذا الخيار هو التحول الرمزي من الوصاية إلى الحرية، ومن الهيمنة إلى التغيير.

ويبقى السؤال: لماذا زياد رحباني؟ حتماً لأنه فنان شامل، خلق لغته الخاصة، لغة متمردة نقدية، قريبة من الناس، مثّل صوتاً ساخراً، معارضاً للسلطة والطائفية بأسلوب فني راقٍ، عبّر في أعماقه عن وجع اللبناني اليومي منذ الحرب الأهلية ولغاية اليوم. شخصية تشبه الشارع اللبناني: ساخرة، جريحة، مواربة، عميقة.

هكذا جاءت فكرة تغيير اسم الجادة رمزية جريئة تحمل بعداً ثقافياً وسياسياً معاً. ويبقى زياد، كونه فناناً، يحمل معنى يليق بلبنان الذي كان دوماً نموذجاً للارتقاء العربي ونموذجاً للوعي العربي المتقدم.

وبعد كل هذا، لماذا الفنان يستحق أن يُنظر إليه خلاف ما يُنظر إلى باقي مخرجات المجتمع؟ لأنه يرتقي بمستوى وعيه ووجدانه وذوقه ورؤيته عن السائد واليومي. أي إن الفن هو ملاذ الإنسان الباحث عن معنى في وجه قسوة الواقع

وهل هذا المعنى هو ما ذهب إليه نيتشه حين قال: (نحن نمتلك الفن حتى لا نُقتل من الحقيقة)، أو كما أشار الشاعر فريدريش شيلر: (الفنان ابن الحرية)، بمعنى أن الإنسان لا يستطيع أن يبدع فناً إلا حين يتحرر داخلياً ويرتقي فوق الغرائز والقيود اليومية
وللكندي رأي في الفن الموسيقي، فهو غذاء الروح للنفس من عناء الفكر، وكذلك الفارابي يرى أن الموسيقى صناعة شريفة تهذب النفس وتعينها على الفضائل. وكلما ارتقى الإنسان اقترب من الفن، فالفن ذروة الوعي والوجدان، وهو ليس مجرد موهبة أو مهنة.
والإنسان يعد فناناً حين تتحول الرؤية عنده إلى خلق، والخلق إلى لغة، واللغة إلى صوت يشبهه ويشبه الناس. لأن الفنان يرى ما لا يراه غيره في الحياة العادية، ويعبر عنه بوسائل خلاقة، كالرسم، والموسيقى، والنحت، والتمثيل. ويتحول التعبير عنه إلى حالة وجودية، وليس ترفاً أو مجرد هواية، وتغدو نظرته للعالم مختلفة، يرى التفاصيل الصغيرة ويعطيها معنى، ويعالج الألم بالجمال
وهذا كله يقوده إلى إنتاج عمل فني ذي قيمة إبداعية أو فكرية أو عاطفية، أو ينجح في لمس الآخر والتأثير فيه. ومن خلال ما ينتج، يطور الفنان أسلوباً شخصياً مميزاً لا يقلد، بل يضيف.

هكذا هو زياد رحباني، الخارج من إرث الرحابنة وفيروز العميقين، وهذا بعض ما يستحق..