الفن فوق المذاهب – حسن العلوي

400

الفن فوق المذاهب – حسن العلوي

تحمل رسائلي الى جمهورنا المتابع شيئا من التجربة.. تجربة الكتابة وشيئا من المواجهة.. مواجهة القبح والباطل بحثا عن الجمال والحق. ولهذا بعت سيارتي وطبعت كتابي (عزيز علي.. اللحن الساخر) الذي ارتقى بالمونولوج من الاداء على المسارح.. والاستهانة بالغناء وتحويله الى هذا النوع المزري.. لحن بسيط وكلمات ساذجة وهناك صنف اقرب الى المهرج مثل محمود شكوكو رحمه الله. عزيز علي استحدث الغناء السياسي وارتقى بالمونولوج. لحن جديد وكلمات جميلة وايقاع وصوت. كان غناؤه تربويا. يغني عن الوطن وطوره في الوطن العربي. اقول اننا ايضا ابناء ذاك المصلح الموسيقي. والغناء اصلح نفوسنا هذبها من الحرمان والوجع والسجع في صوت قارئ المقام العراقي في قلبه الباكي وصوته الوجعان وفي حبه الذي يدمع العين فيبكينا. محمد عبد الوهاب اذ غنى عن الشرق وعن الجندول وقصائد خالدة لشعراء خالدين حيث كان مربيا ينشئ اجيالا على تذوق الموسيقى والشعر معا، ووسيلته الى ذلك صوته العجيب وكذلك ام كلثوم مع احمد رامي الذي زار العراق وكان مع عبد الكريم العلاف اعظم من كتب الاغنية فيما كان محمد القبانجي مؤسسة غنائية قائمة بذاتها. لماذا تنكروا له؟ حتى في الدين كان متلزما فبنى جامعا ودفن في الجامع اي انه كان مؤمنا بالله وغنى قصائد الشعر الشعبي العريق وحرمت اجيال من صوته. كان المقام ذروة الاحساس الشعبي بالسجع والالم والظلم. كان غناء اجتماعيا ان لم اقل سياسيا. لم يكن معاناة شخص عاشق ونحن نتحمل اوجاعه وآهاته. ابدا لماذا لم نحتفل به؟ كم سنة مرت على وفاته؟ وعلى ميلاده؟ اين التلفزيون العراقي الذي يسيطر عليه اميون وحاقدون وغرباء الى جانب اخرين لا صوت لهم، وهم اهل علم في الموسيقى ومؤرخو غناء. انتم اخذتم البنوك والجيوب فاتركوا لنا الاوجاع والالام، حتى الالام تنازعوننا عليها؟ اخذتم المواقع الادارية والتربية وعبثتم بها واخذتم التعليم العالي ودمرتموه، فاتركوا لنا حصتنا. ينبغي على الاعلام المسموع والمكتوب والمرئي ان يختلس اللحظة والمناسبة ويكرر اسماء عظيمة في تاريخنا. هل ظهر صوت بمستوى زهور حسين؟ هل عرف الغناء الريفي اميراً له كحضيري ابو عزيز؟ الذي زارني ابان كنت اعمل في الاعلام وكتبت عن قانون تقاعد الشرطة. هم حماة القانون وليس لهم قانون. وعندما صدر القانون جاء لي وبيده ورقة يطلب فيها شموله بالقانون لانه لا يملك مصروفا لاعالة عائلته. كان ابو عزيز اعظم من غنى الغناء الريفي. وقال لي عندما سجل اغنية (عمي يا بياع الورد) عام 1936 في لندن، سأله المخرج البريطاني عن معاني الكلمات فترجمت له (ان الله يحاسب من يدوس على وردة) فقال: هكذا تحترمون الورود؟ وأهكذا توضع الورورد في ابواب البيوت؟) ولم يكن يعلم هذا المخرج البريطاني ان كثيرا من الاطفال العراقيين كانوا يتغوطون عند باب الدار الخارجي، فرفعت اسم العراق عندما ذكرتم ان العراقيين يضعون الورود عند الابواب ويحرمون ان تدوس الاقدام وردة سقطت من احد حامليها. هذا الرجل يجب ان يحتفل به الى جانب القبانجي. لكن كيف يحرم هؤلاء الغناء؟ وعندما يظهر الفنان العظيم يقولون انه يقوم بعمل حرام، فيما هو اعظم الاصوات في تاريخ الغناء. وهناك تلميذ غير مباشر لداخل حسن انه، حسين نعمة. صوته في السبعينات يمثل طفرة غنائية مع ستة مغنين كبار او صاروا كبارا. اتذكر ان فريد الاطرش اسهم في تهذيب خشونتي وعقيدتي. الموسيقى تهذب، ولاسيما الاغاني القديمة. واغنية الربيع برغم روعتها فان ام كلثوم سخرت منها، لانه شامي واضطهد في مصر لانه شامي. فريد الاطرش اسمعه خارج الغناء ستراه شخصية كبيرة. اسمعوا عن دعمه للاصدقاء الذين اعالهم بعد ان  ضربهم العوز. اطالب بتكريم مغنين اسسوا وطوروا المقام العراقي، وعلى رأسهم القبانجي وتلميذه ناظم الغزالي، الذي حول المقام الى غناء اخر تتجاوب معه مشاعر بلاد الشام ومصر بينما كان المقام محصورا في بغداد ومناطق منها. ودعوني اتكلم بلغة اخرى، المقام العراقي سني لا يعرفه الشيعة. ربما مؤخرا بعض الشيعة بدأ يقرأ المقام لكن المقام سني لانه تحول من التصوف ومكانه حول الاضرحة الدينية في الموصل وبقية المناطق. اما في المنطقة الشيعية فلا يوجد مقام عراقي، واخشى ان يكون هو السبب في عزلة المقام في هذه الايام التي يهيمن فيها الشيعة على مقاليد الامور. وسواء اكان القرار شيعيا او سنيا فهو ضد القرار الوطني والتراث الوطني. والتراث لا يتمهذب والفن فوق المذاهب. وكان القبانجي وعزيز علي فوق المذاهب.

مشاركة