الفن حقل سحري ولابد من إبتكار طرائق تعبير جديدة –  ورقاء الخزاعي

282

التشكيلي كريم سعدون :  بور سعيد .. المهد والبداية ومعظم أعمالي نتاج اللاوعي

الفن حقل سحري ولابد من إبتكار طرائق تعبير جديدة –  ورقاء الخزاعي

منذ البدايات كان مولعا برسم الوجوه، يعبر عن هوايته في حالة من التباري لأثبات الذات، ولربما كان يراه تمرينا يوميا لادراك تفاصيل تشكل قاعدة مستقبلية لرسم الملامح، ومنذ الطفولة شكل الوجه محورا لاعماله بعد ان ابتعد عن التشخيص بحثا عن تجريد اكثر تعبيرية، لاسيما أن قسوة الحياة عند كريم سعدون الذي يعيش في بلاد المهجر منذ عقود، كانت تدفعه لرسم الواقع بشكل اكثر معاصرة.

{ ما ذكرياتك في اعدادية بور سعيد ؟

ـ نقطة مفصلية شكلتها بور سعيد في حياتي الفنية فقد كانت مختبرا لصقل الموهبة والانطلاق بها الى افق جديد ، كانت هذه الاعدادية تمنحنا فضاء واسعا للتفتح ففيها مر كثير من الاساتذة الاكفاء والمعروفين تركوا اثر تعليمهم المهني والثقافي فينا وفيها ايضا كان مرسما كبيرا وقاعة عرض مثالية في ذلك الوقت.

 كما مر بنا اساتذة فنانون مثل خالد ناجي الذي فتح عيوننا على الرسم على القماش بتقنيات مختلفة وعدنان اسود الذي درسنا النحت وعلمنا كيف نتعامل مع الطين وساعدناه وقتها في عمل تمثال وتم نصبه على قاعدة مصممة بشكل جميل واعتقد انه لازال موجودا اذا لم تمتد اليه يد العبث كما كان وقتها مجموعة من الطلبة الموهوبين الذين تنافسوا من اجل نتاج فني ينال الرضا منهم محمد جبار ابو الزود وقاسم ولي واخرون لم تحضرني اسماؤهم.

{ انت من مدينة شعبية، كيف تجلت هذه المدينة في رسوماتك؟

ـ المدينة التي عشتها لاتملك سمات مكانية مميزة، على العكس من مناطق بغداد القديمة او بعض مدن العراق العريقة التي فيها عمارة ذات خصوصية وملامح معمارية واضحة استحوذت على الكثير من اعمال الفنانين مثل شناشيل بغداد او نواعير راوة، ولكن ماعلق في الذاكرة وشكل عماد وعينا هو طبيعة الحياة القاسية التي طبعت وجوه الناس بطابعها وطبيعة الحراك الثقافي فيها فكانت اعمالي من البداية تنحو باتجاه تعبيري اقله التضامن مع الناس في محنتهم وهذا ظهر بشكل واضح في معرضي الاول في مركز الفنون وجمعية التشكيليين العراقيين عام 1992.

{ بمن تأثرت، وماسر تعلقك بالرسم منذ الطفولة؟

ـ كان لرسومات الصحافة ومجلات الاطفال الدافع الاول للتعلق بالرسم فقد كنت متابعا جيدا لها وبشكل مبكر ولانها تتوفر من قبل اخوة لي بشكل مستمر كما كان للحراك الثقافي في المدينة الاثر في ممارسة الرسم بشكل جاد وتطوير القابيليات بسرعة، كما كان للشاعر والفنان الراحل غازي الفهد اثره الكبير في تشجيعي من خلال الرسم في مجلة كان يصدرها مكتوبة باليد هو ومجموعة من اصدقائه.

محطات  فنية

{ هل تحدثنا عن محطاتك الفنية، وكيف نمت موهبتك؟

ـ كما قلت فان بورسعيد شكلت مفصلا مهما في طريق التعلق بالرسم واحترافه فيما بعد الا ان التجربة في ثانوية قتيبة كانت اوسع وعززت الثقة اكثر في انتاج اعمال كبيرة الحجم بالنسبة لي ، فكان المرسم اكثر ترتيبا وكذلك قاعة العرض فيها منظمة بشكل ممتاز وبعدها انتقلت للعمل في الصحافة مبكرا كرسام للتخطيطات وللكاريكاتير وكان ذلك عام 1979 وهذه شكلت لي اول موضع قدم جاد واصبحت صفحات الجرائد والمجلات منذ ذلك الحين جدرانا عامة لعرض رسوماتي والعمل بجهد اكبر لصقل خطوطي.

{ من أخذ بيدك لتكون رساما مشهورا؟

ـ اذا حسبنا ان الصحافة تطلق الشهرة للاشخاص، فاعتقد ان الخطوة الاولى التي قادني فيها اخي الى الجريدة للعمل فيها هي من اسست لان يكون اسمي معروفا في الاوساط الثقافية وهذا مااعطاني دافعاً مهماً للتخصص لحين الدخول الى كلية الفنون في بغداد.

{ ماحكاية توظف الاساطير والتعويذات في رسومك؟

ـ هناك تأثير قوي بالتأكيد للفن العراقي القديم في تجهيز الوعي بفرشة واسعة من العلامات والرموز وكذلك ما يزخر به الارث العراقي  القديم من اساطير مكتوبة تجعل الفنان يلجأ الى استخدامها في اعماله، وهناك جانب اخر اثر في كثيرا وهو وجود نوع من الوشم على اجساد امهاتنا كان جزء من الموروث الشعبي المتداول وكان رائجا وهو وشم برموز مختلفة وبشكل جمالي، هو ماظهر بشكل بارز في فترة ما في الكثير من اعمالي وتخطيطاتي المنشورة في الصحافة ايضا ولازال يظهر بشكل اكثر انتظاما.

{ ماذا تريد بأستلهامك الوشم، ومربعات لعبة التوكي، لتوظيفها في أشكالك الفنية؟

ـ اعتقد أن اللاوعي يؤدي دوراً مؤثراً في انتاج الفنان لاعماله وما عشته ومثل جزءاً من الثقافة البصرية لدي هو الوشم والعاب الاطفال التي كنا نمارسها ، وتلك تظهر في اعمالي كثيمة اساسية في الكثير منها بسبب انها بدأت تختفي اولا وثانيا هو استدراج لها بسبب طبيعة الحياة التي يعيشها المهاجر الذي لجأ الى بلدان بثقافات مختلفة تماما عنا ، قد يكون ذلك بحثا عن معادل موضوعي لمثل هذا الوجود في المكان الغريب  وقد يكون احيانا رسدا لاواعيا لحياة مستقرة وحلم باستعادتها.

{ هل تجد نفسك أكثر قدرة على التعبير عن افكارك بالرسم ام النحت؟

ـ في كثير من الاحيان يكون الرسم اقرب لي لاسباب كثيرة منها سهولة التنقل بادوات الرسم كما ان هناك بدائل كثيرة لها والرسم لايحتاج الى مكان واسع وعملية خزنه بسيطة.

العلاقات الازلية

{ نجحت في توظيف العلاقات الأزلية التاريخية، مثل العلاقة بين ” انسان الكهوف ورمحه ” باستخدام ” البورتريت ” كيف تم ذلك؟

ـ الحقيقة ان العلاقة مع البورتريه علاقة معايشة لفهم القشرة الخارجية اولا وثانيا داخل الشخصية المرسومة فالملامح المراد اظهارها لاتعتمد على السمات الشكلية للبورتريه فقط لان ذلك سيولد الرسم ميتا بلا ملامح! والمقصود هنا كما في استعارتك لعلاقة الانسان البدائي برمحه، ان العلاقة تبادلية ووظيفية فعملية رسم البورتريه تتم باستقراء خارجي وداخلي للشخصية او الوجه المرسوم وهي عملية اقتناص.

{ يربط البعض مجال عمل الفنان بالخرافات، لاسيما وأن جيلاً من الفنانين الأوائل عاش في زمن مثالي آخر عندما كانت كلمات ” الحب والموت والرغبة والحزن والخلق ” تنتمي الى الفن، برأيك هل مازال الفن يقبع في هذا الاطار من المثاليات؟

ـ الفن في طفولته كان حقلا سحريا وهو ايضا تجاوزالعاطفة منذ عقود واصبحت عملية انتاج الفن اكثر تعقيدا ، فاوربا التي ابتكرت الرسم، ابتكر رساموها طرقا جديدا في التعبير بعد الحروب الدامية التي مرت بها القارة ، ونحن في العراق مررنا بظروف قد تكون اقسى من تلك ، ففنانونا مطالبون الان بابتكار طرائق تعبير جديدة فالقسوة لا تتطلب عودة الى الاطلال او استدرار العواطف ، بحاجة الى فن صادم للتنبيه والتذكير واثارة الاسئلة عن طبيعة الوجود الانساني ومايتعرض له من كوارث وقسوة .

الاعمال الاخيرة

{ ما أعمالك الاخيرة؟

ـ هناك الكثير من الاعمال التي اهيئها لتكون مشاريع فنية منها كتابين للطبع تضم مجموعة من الاعمال الملونة واعمال التخطيطات المصغرة.

{ مارصيدك من المعارض محليا ودوليا؟

ـ لدي الكثير من المعارض الشخصية التي اقمتها في بغداد وفي مدن عربية واوروبية ومنها في فرنسا وتركيا والمكسيك واليابان والدنمارك والسويد وفي مصر وتونس والمغرب والاردن وغيرها وكذلك لدي مشاركات ايضا في العديد من المعارض الجماعية داخل العراق وخارجه.

{ كيف تنظر الى فن التشكيل في العراق؟

ـ التشكيل في العراق يمتلك قاعدة قوية ويمتلك الريادة في المنطقة وهذا انتج مجاميع من الفنانين الذين استطاعوا ان يشكلوا حضورا سواء في المنطقة العربية او في بلدان المهجر ورغم الانتكاسة التي يعيشها التشكيل العراقي اليوم بسبب الظروف التي لم تقدم له مامطلوب لكي ينمو ويستمر الا ان هناك شباب واعد ولديهم نتاج فني يثير الاعجاب واتنمى ان تنتهي هذه الظروق ليكون الفنان العراقي نتواصلا مع مايحصل في العـــــــالم من تبدلات سريعة.

مشاركة