(الفندق) وجرأة الإفصاح عن المسكوت عنه – د.عواطف نعيم

1129

(الفندق) وجرأة الإفصاح عن المسكوت عنه – د.عواطف نعيم

منذ خمس سنوات والدراما العراقية في غياب وأن حضرت فأنها تتحول الى عروض أستهلاكية بعيدة عن التأثير  ، غريبة عن الواقع المعاش ، لكن في هذا الموسم الرمضـــــــــــــــــــــاني للعام 2019 /1440تحركت الدراما وتفعلت ولكن ليس عن طريق شبكة الاعلام العراقي وانما عن طريق قناة الشرقية والقناة الجديدة المنبثقة عن قنوات (الام بي سي ) ، وهي قناة ما زالت في بداية تشكيلها وتسعى لجذب المشاهدين من خلال برامج ترفيهية ذات مسحة درامية خفيفة وهي في بعض أعمالها جاءت مشابهة لما تقدمه الشرقية في برامجها الكوميدية الساخرة ، هذا الموسم  الرمضاني تحركت الشرقية لتقدم لنا عددا من المسلسات الدرامية التي تنوعت ما بين الكوميدي والاجتماعي الرصين ولن نتوقف عند المسلسلات التي كانت الشرقية تتوقع لها رواجا مثل ( هوى بغداد ) أو ( باكو – بغداد ) وذلك للمستوى الفني المكرر والمستهلك الذي ظهرت به كما لن نتوقف عند مسلسل (شلع قلع ) الذي لم يأت هو الأخر بجديد سوى أعتماده على موهبة الفنان أياد راضي  !!!

كشف واقع

سنتوقف عند مسلسل جاء ليكشف واقعا وينكأ جراحا ويعري فسادا ، فبعد أبتعاد عن الكتابة الدرامية جاءنا السيناريست المبدع حامد المالكي وأمدنا بنص أوجاعنا وعمق مأساتنا وهواننا على أنفسنا بالسكوت والخنوع ولأن المبدع يحتاج الى مبدع ذي عقل نير وخيال متوقد ليلج الى خفايانا ويفك طلاسم أحزاننا جاءتنا الشرقية بالكبير حسن حسني الذي تسبقه سمعته في تقديم أعمال ومسلسلات درامية عراقية  فخمة ، أجتمع مبدعان رائعان وبدأء ومعهما منتج  محترف وذكي هو الفنان علي جعفر السعدي ليصوغا لنا مسلسلا دراميا بتركيبة حكائية مشدودة ومؤثرة ، أجتمع هؤلاء الثلاثة ومعهم مجموعة من المبدعين العراقيين من جيل الرواد ومن جيل الشباب وتفرغوا لانجاز هذا العمل الذي أخذ الكثير من حماستهم ومن أيمانهم ووعيهم بما يقدمون …

الفندق يعادل وطنا…

لم يكن الفندق نزلا عاديا بل هو وطن يجمع كل الالوان والتوجهات ما بين المفكر المثقف وما بين البهلول العارف وما بين العاقل الصامت وما بين الساقط والفاسد ، تفاوت وتباين بين شخصيات هذا الفندق – الوطن ، هناك من يعمل لحمايته وهناك من يسعى لتحويله الى وسيلة للثراء والربح ، هو زمن فل فيه المعيار الاخلاقي وتسيد فيه الوعاظ المدعّون والمتلونون الزائفون ، كما فقد فيه زمام المفهوم الوطني  فما عاد بأستطاعتنا أن نجيد الفرز ونحسن الاختيار ، الخوف والرعب وأرتفاع حدة الأنا واللامبالاة وفقدان القيم هي السمة السائدة في عالم الفندق ، وسائل التواصل الاجتماعي تحولت بفعل فقدان المتابعة وغياب الوعي وتفكك الاسرة الى وسيلة من وسائل التباعد والابتزاز ، يبدأ الحدث في هذا الفندق بجريمة وهي تبدو كلعنة كما يصفها كريم ( هذا الفندق ملعون ) هو وحده من يرى شبح المرأة القتيلة التي تتجول في أرجاء هذا الفندق مثل روح هائمة وكأنها في تجوالها الحزين الملتف بالسواد تحيلنا الى جريمة قتل الابرياء من الاسرة الملكية الحاكمة على أيد بعض العسكر حين قامت ثورة الرابع عشر من تموز  !! لقد أختزل هذا الشبح كل تلك الارواح البريئة التي قتلت بدم بارد وهي تحمل مصاحف  الرحمن بين أيديها  علّه يقيها من تغول الاقزام والباحثين عن الفرص والجهلة من الأنام !!

دفع ثمن

 كأننا ندفع ثمن تلك المجزرة التي حدثت في زمن ثورة كان الهدف منها تحرير العراق من حكم الورثة الى حكم الشعب والذي تحول بعد ذلك الى حكم العسكر وتوالت بعده الحكومات التي تغيرت بفعل الانقلابات الدموية ، ظل الوطن يدفع ثمن تلك المتغيرات والتحولات من ثرواته ودماء أبنائه ومستقبل أجياله ، هو تأريخ من الدم والخوف والحروب العبثية والحصارات الضارية والتحجيم والعزل ثم جاء موت أخر من نوع جديد موت الهجرة  وأختلاف الهوية ومواجهة شراذم من أدعياء الدين  والباحثين عن السلطة والمال والذين أحتلوا ثلث الوطن في غفلة من الزمن ، وكان العراقي أمام أمرين أما هروب الى الداخل حيث الفوضى والغربة أو الهروب الى الخارج حيث الغربة داخل الذات أقسى من الغربة داخل الوطن ، أحال الاحتلال حلم الحرية الى فوضى خلاقة من نوع جديد حيث تم فتح السماوات السبع أمام الجميع ليصبح الواحد منا مكشوفا أمام الجميع وضاعت الخصوصية وحق الاختيار ، وبرغم وجود الشخصيات السلبية في هذا الفندق المكتظ بالقهر والفضيحة ألا أن وجود الشخصيات الايجابية كان المعادل الموضوعي الذي يبث شفرات الامل بغد قادم أفضل قادر على ردم الهوة وجمع الفرقة وبناء ما تهدم من الروح الانسانية قبل البيوت والشوارع والجامعات …. تحية أحترام لكادر العمل الكبار و الكبار محمود أبو العباس ، عزيز خيون ، سناء عبد الرحمن ،  سامي قفطان ، هناء محمد ، عزيز كريم ،  وهم يتقمصون أدوارهم بدراية العارف والمقتدر حد التماهي ، ولمجموعة الشباب الرائعين الذين أكدوا لنا أن العراق ولود بالمبدعين وأنهم قادرون على النهوض بالفكر الانساني من خلال الفن النبيل ، والشكرللمبدع  حامد المالكي الذي أراد أن يحول المأساة الى وهم لكنه وهم معاش وحي ، وللكبير حسن حسني الذي كان يدير فريق العمل بخبرة  القائد المتمكن  في الاشتغال مع الممثل وأدارة الكاميرا وخلق الايقاع بما تتطلبه الحالات وتحولها ، الفندق وطن لن نتخلى عنه لانه ارثنا وملك اجيالنا الذي لابد من حمايته  رغم جراحاتنا وجراحه .

{ مخرجة وكاتبة مسرحية

مشاركة