الفنان هاشم حنون.. طقس دافىء ونظرة تأملية

366

الفنان هاشم حنون.. طقس دافىء ونظرة تأملية
نص تشكيلي يقترب من لحظة الإجهاض
احسان وفيق السامرائي
يمكن تقسيم فن هاشم حنون وفق رؤيتنا لمرحلتين هما التسعينيات من القرن الماضي حيث التراكم واليأس والخوف و بدايات القرن الواحد والعشرين وما تقيأته من عنف وتعصب ودم وانقلاب على المفاهيم والقيم والخروج من هذا يتطلب حقيقة موضوعية في دراسة لخواص البشرية و تأثير اللون وانعكاساته على الشكل في طبيعة الفنان.
فكان ما احتاجه هاشم طقس دافىء و ووجود نظرة تأملية حرة ومجردة لاعماله لان الناقد في حالتي الحب والحقد يفقد قدرته على الصدق وكلاهما يزيفان الحقيقة. ومثل هذا يتطلب وجود مثالية في التنفيذ وتفاوت ظاهر في واقعية الشكل والمعنى ضمن صيغ رمزية لفضائية المكان والزمان .
زخارف وتداخلات
ومع كثافة هاشم في الانتاج كانت رقعتة مليئة بالمشاهد التي طرحها كتابه تحولات الواقعية الشيئية الصادر في الاردن بما احتوى من زخارف وتداخلات وانماط شكلانية ليست غريبة على النمط الذي احتوته نماذج راكان دبدوب وكاظم حيدر ورافع الناصري وهاشم تايه الا انها شكلت بمجموعها رحلة منهجية خرجت على المالوف في الشهيد والاسير و الاحتجاج عندما حملت مؤشرات ممسوخة للجسد البشري وتكوراتة التي مّثلت الفراغ الذي يتخبط فيه الانسان ، وفيها نجح لاقترابه من لون الموميأت المتمازجة بين الشحوب وارضية المسلخ المغطى بقشرة الدم ورائحته الرطبة المميتة المختلطة ببعض اثار الحفر والتطبيع التي تظهر فيها غلبة الالوان الصناعية التي حولت من الجسد الى صباغ ودم ، فكان فيها يوازي مرتسمات عبد الملك عاشور المتفاوتة بين انطباعية اللون وتحولاته المكانية المتعددة، الا اننا عند هذذا الاحتواء والتحليل نجد تفاوتا في نقل التجربة العراقية التي عاشتها البصرة أكثر ما عاشها العراقي عندما ظل مزروعا وسط ثلاثة فيالق جرارة وعدو مستميت بالدفاع عن وجوده كما فرض الواقع تحولا اصاب النخلة وجعلها في الحرب شمعة ذائبة فيها اصبح الانسان ساترا دفاعيا من الورق اما العامل وربة البيت والتلميذ فظلوا يواجهون الموت المجاني أكثر ما كان يواجهه المقاتل المستتر في موضعه لانهم كانوا يعيشون الحرب لحظة بلحظة.
فالدوى المشاغب وتفتت الابرياء وتمزق الارض وقد بعثرتها الشظابا والاحشاء والدم والاوراق ودفاتر المدرسة والعباءات المشقوقة.. كانت ملموسات لم يعشها غير سكان البصرة
وكنا نامل من الفنان هاشم ان يعّبر باللون لا بالصور الافتراضية او الموضوعية التي اغرقت بالانماط والدلالات الا ان تفاوتا موقعيا ظل ظاهرا لغياب الاشياء المنظورة فلم يطرق تلك المماشي الدامية لتعلقه بمدنه الترابية المختلقة وهو ما يجعلنا نحس الاغتراب لكونه لم يعش القصف الجنوني للبصرة كما عاشه الفنان الفقيد ناصر الزبيدي الذي حاول بمنحوتاته الخشبية ان يحول من مجزرة شارع الكويت الى لقائط واقعية مدمرة مثل مشهد الحبلى التي واجهت الاجهاض لحظة الانفجار والعمال المصريين الهاربين من الفندق المشتعل وقد صعقهم العمود المكهرب فالقت طريقة العرض وتكييف اللون به الى وسط بعثرته الاشكال و الالوان المشتعلة دون تحديد فجاءت مفرداته لاحقة بفعل التخّيل والغربة والخوف.. ترابية.. لوثتها شمس بدائية غطت منمنماته ومفرداته فاغفلت المعنى ولم تعكس ماهية الحدث كما اختارها ّ في الشهيد وتسع نساء واحتجاج وطفولة ومدن منسية وذاكرة الجنوب
وكشاهد في ذلك نحس بشيء من التفاوت والغربة عن النحات محمد غني الذي هرب من المباشرة ليتخذ من مبدا مفارقة الطبيعة لا ممالاتها عنصرا توفيقيا flctice لرص كيان من الجموع البشرية كما هو اعتقاد الفنان شاكر حسن ال سعيد، لان الموضوع دائما هو منطلق الاسلوب التجريدي لتحقيق الرؤيا.
ان هاشم مع تغربه عن الارض لم يحاول المشي على نمط محمد غني والبحث عما بعد الموضوع لانغماره في تكوينات الالوان والالتواءات و الدوائر والمربعات والتكعيبات الهرمية القابلة للتسطيح والتشبيه وقد تناثرت في سياحة تجريبية دعته لاختزال المتراكمات نقل الحجم و المادة والقالب الشكلي الى السطح
وباخنفاء المقاييس القائمة على الطبيعة اصبح العمل الفني عنده تعبيرا مقصورا على موثراته الخاصة لافراطه في رموز جاوزت الحدود التي يكرر فيها الانسان نفسه.
وعند تاملنا فواصل لوحاته نشعر بان الشهيد كانت اكثر اقترابا من لوحة الفنان كاطم حيدر رغم المدى الزمني الذي تعامد لاكثر من نصف قرن بين ملحمية التركيب المتناثرة الالوان وبين اختلاط الارجل الرمزية الظاهرة، مع ان كاظم حيدر كان قد افرغ من وسطه اكداسا من التراكم الطفولي والاساطير والتمائم,
فالقطع الحاد يبن كاظم حيدر وبينه كان زمانيا لان كلاهما ولدا بنفس الطريقة والواقع،
اما الموقف المعاصر عند هاشم فلم يقترب من لحظة الاجهاض التي التقطها الزبيدي في منحوتاته. عندما بدد التازم ونثره في رمزيات شكلانية اعطاها الوان الانهار الراكدة فلم تجد غير التفسير الكيفي المجامل من البعض لاجبار المشاهد على الانقياد وقبول التفسيرات ورص مرشحات شكلية لتكوين ظل غائيا عن المعنى ،وما خلا من ذلك كانت قراءتنا تسجلية مكررة ويعود السبب في حقيقته الى ان الفنان العراقي لم يخرج عن التقليد اذ بقى يعرض انتاجه اسوة ببقية الفنانين العراقيين الذين كانوا يعرضون بين مدينتين
اما بداية القرن الواحد والعشرين وهي فترة التغيير والاحتلال والتغرب الاختياري فكانت رحلة استرجاع وتاكيد للمعاني والمفاهيم غير المقيدة وقد ابقت عند الفنان هاشم الحس الشكلاني كصورة ازدادت انتشارا ولم يكن بحاجة الى واقعية شيئية كما افترص العنوان.
الانسلاخ من الموجو
فرجعت مرئياته تظهر بالوان تسح منها الدماء عبر تجميع الظواهر والانسلاخ من الموجود، الا انه لم يخف النوايا الرمزية التي غطت سماء التحول والطبيعة الانقلابية للانسان بما احتوت من ودائع كاذبة تحدثت عن ربيع الارهاب والقتل المجاني و الفوضى التي ظل يضخها اعلام امبريالي وضعها في الذاكرة وابقاها مع الرهائن.
ان فن هاشم حنون قد ابقى المسافة محدودة الاطوال لان رؤيته الحرة لم تسقطه في التجريب لانه عاش ويعيش خارج حدود الالتزام وهي الصفة الخلاقة التي تهبه حرية التنفيذ اما الحاويات الفكرية فهي التي اثارت الطرق على الماضي فكان للدوائر الهندسية ان اقتربت من الرؤوس المقطوعة و اقترب التنقيط من شظايا المفخخات كما سحت الوان لها حرارة البارود المشتعل لتكوين المعنى.
ان الفيض المتناثر من التشكيلات صارت ثوابت مميزة في فنه.. تقعد على فضاء انساني اعطاه ميزة ثابتة ترفض أي مساس بالواقعية المجردة لان المبدأ الانطروبولجي لمادية الانسان قد حدده كارل ماركس في واجهتين الحاجة ومستوى الحساسية فغدت الواقعية متخثرة لاستمراريتها في الترديد حتى بدت لنا ولكثير من الفنانين طواف حول النفس فكيف تكون الواقعية شكلا والفنان دون معاناة.؟
ان التحول الفكري يصب دائما في النهر الذي يسقي به الفنان حقوله اما التغير والانقلاب في الوجود والشكل فهما رهينا التجربة مثلما راينا في الحركات الفنية والادبية لان الموضوعية هي الشيء الملموس.
ان تجربة الفنان هاشم حنون التاملية كانت عملية خلق لاسلوب متفرد تلمسه في دورته الحياتية و ان تذكيرنا بتلك التجربة ان هو الا البدء باستعراض كلي لاعماله.
/4/2012 Issue 4187 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4187 التاريخ 30»4»2012
AZP09