الفنان فخري فاضل يتحدث لـ الزمان عن فن موصلي يستمد موروثه من أصالة الزمن

483

الفنان فخري فاضل يتحدث لـ الزمان عن فن موصلي يستمد موروثه من أصالة الزمن
تحديث المقام يعني الإخلال بمعاييره
سامر الياس سعيد
تميز الفنان فخري فاضل بصوت عذب استمد عذوبته من حلاوة نهر دجلة واكتسى صوته الذي تناول الفلكلور الموصلي المعبق برائحة الموروث حلاوة خاصة عطرت أرجاء البيوتات الموصلية المتلاصقة وفسحة الأزقة الضيقة التي تمتد أمام كل بيت حيث غنى لها فاضل وأبدع متألقا كعادته عندما يتحدث عن العلاقات الإنسانية والوشائج الجميلة التي تربط عائلة بأخرى في محاليل الموصل القديمة التي لازالت شاخصة الى يومنا هذا والحديث مع هذا الفنان أيضا يمتلك نكهة جميلة تستمد حلاوتها من ريادته بفن المقام العراقي وحرصه على بقاء هذا الفن ثابتا أمام محاولات التغيير والعبث بأصالته لكن حوارنا استهل بداياته من نقطة انطلاق الفنان فخري فاضل الذي قال
ــ ترقى بداياتي مع الفن الى سني دراستي الابتدائية ففيها كنت ضمن طلاب فرقة الكشافة في مدرسة أم الربيعين ومازالت ذاكرتي تحتفظ بمكانة مهمة لمعلم الموسيقى والنشيد في تلك المدرسة وهو الأستاذ أكرم اسطيفان الذي له دور كبير بتشجيعي والأخذ بيدي فضلا عن زميلي في المدرسة التلميذ الذي أصبح فيما بعد سفير الأغنية العراقية الا وهو الفنان المتألق كاظم الساهر وكانت إدارة المدرسة تولي اهتماما بالأنشطة الموسيقية حيث كان مدير المدرسة في ذلك الوقت المربي الفاضل محمود الملاح لكنني مازلت اذكر إنني كنت طفلا ذو خمسة أعوام أقلد المطربين حيث كانت والدتي تذكر لي بأنني كنت شديد الانتباه للراديو الموجود في منزلنا وكنت انتبه للاغاني التي يبثها هذا الراديو..
و ماذا عن أول مواجهة أمام المايكرفون وكيف تصف تلك اللحظات وأنت تؤدي مقاطع غنائية لمطربين وفنانين؟
ــ أول تماس مع المايكرفون اذكر أنها كانت في منتصف سبيعينيات القرن المنصرم حيث قصدت نادي العمال والقريب من منزلي حيث راقبت فرقة موسيقية فيها عدد كبير من الفنانين والمنشدين وهم يؤدون فقراتهم فضلا عن احتواء تلك الفرقة لعناصر نسوية ممن نفتقد حضورها في هذا الزمن بالتأكيد وقمت بتادية بعض الفقرات التي كانت عبارة عن تقليد لفنانين كانوا مشهورين في تلك الحقبة اذكر منهم الفنان الكبير وديع الصافي حتى لقبوني به دائما فضلا عن فنان القدود الحلبية الفنان صباح فخري وبدأت منذ تلك الفترة بالظهور في حفلات ذات صبغة رسمية كانت تقام في المدينة حيث اعتبر فترة السبيعينيات بأنها من الفترات الذهبية بالنسبة للمتابعين في المجال الفني في المدينة فضلا عن مجالات أخرى فقد كان الدعم مهم وكبير من المؤسسات التيس تهتم بالمجال الفني أو الرياضي أو الفنون التشكيلية وكنا في تلك الفترة مقبلين على نهضة ثقافية بالإضافة الى ان المدينة في تلك الفترة كانت تحوي مستمعين ومتذوقين على درجة كبيرة من الإدراك والثقافة الموسيقية حيث اعد نفسي محظوظا بملاقاة التشجيع المناسب والذي لاقيته أيضا من قبل رواد الفن الموصلي حيث كانت المدينة تضم نخب من إعلام المقام العراقي اذكر منهم الفنان إسماعيل الفحام ويونس الكني واخرون منهم محمد حسين مرعي الذي حقيقة إنني تأثرت به كثيرا حيث لم يبخل معي في تقديم النصيحة والتشجيع المطلوب واعتره بصراحة أستاذي الأول..
عثمان الموصلي
و الاتجد ان هنالك تباينا بين واقع المدينة الذي مازال يرى في الفن واقعا لايتناسب مع طابع المدينة المحافظ؟
ــ بالنسبة للغناء في مدينة الموصل فالغناء الصوفي المتمثل بإبداعات الملا عثمان الموصلي والمقام الموصلي المتجذر في أعماق التاريخ منذ العهد العباسي حيث إنني اعتقد بان الفن الموصلي يستمد أصالته من تلك الحقبة التي كانت زاخرة بإبداعات لإبراهيم الموصلي وإسحاق الموصلي وانتهاءا بالسيد احمد المعروف بـ ابن الكفغ وهو من القراء الملمين بكافة المقامات العراقية الشهيرة فضلا عن الموروث الشعبي الموصلي المتمثل بالأغنية الموصلية ومن هذا الواقع أنجبت المدينة عددا كبيرا من الفنانين والموسيقيين الذي اعد البعض منهم كبارا من خلال ما قدموه واذكر منهم زكي إبراهيم وسمير كلو وعبد الستار العاصي وملحنين كبار مثل إدريس ستاوي وخالد فتحي وأكرم حبيب وخالد محمد علي..
وهنالك بعض الحالات التي تعمد لإحداث تغييرات في أساليب تقديم الفن العراقي ممثلا بالمقام، ما هو رأيك إزاء ما يجري؟
ــ تلك المحاولات لاتبغي الابتعاد عن الموروث الذي يقدمه المقام فضلا عن ان المقام لايستقبل التجديد لأنه بطبيعة الحال ثابت بقطعه وأوصاله ولايتغير نعم انا اجد ان هنالك محاولات لكتابة المقام من قبل قسم من المعنيين بالموسيقى لكن تلك المحاولات لم تأخذ نصيبها من التحديث لان المقام يختلف عما هو موجود في الموسيقى الشرقية بكثرة المقامات المتفرعة من المقامات الأصلية ويمكن ان اتخذ أنموذجا من خلال مقام الرست الذي يتفرع منه أكثر من سبعة مقامات وهكذا فالمقام العراقي هو المنبع الخصب للطرب العربي الأصيل فضلا عن ان المقام العراقي يمتلك أصولا عربية فلذلك سمي بالمقام العراقي الذي يعد الأعلى شانا والدليل على ذلك ان المقام يغنى بالشعر العربي الفصيح بالإضافة الى الكلمات الشعبية النابعة من الشعر الشعبي وهنالك بعض الحركات في الغناء كالأمان وما شابه ذلك من فارسية واعجميةفيعود ذلك لتأثر هذا الفن بتداخلات اجتماعية نتيجة قرب بعض المدن وخصوصا مدينتنا التي تأثرت من الفنون الموجود في تركيا وسوريا لذلك نرى ان المقام الموصلي يمتاز ببعض الاختلافات التي تعنى بطريقة الأداء والنكهة الموصلية لكن المقام كما ذكرت فهو ثابت وواحد..
و هنالك محاولات جادة لنشر المقام العراقي وتعريفه للشعوب الأخرى خصوصا الأوربية ،مارايك بتلك المحاولات وما مدى اتساعها؟
ــ نشر المقام العراقي سواء على المستوى الوطن العربي وكذلك الدولي تعود لعملية التحديث فمثلا ان المقام ولنقل الرست كان يحرر بزمن قدره 20 دقيقة لكن أصبح اليوم مختصر فالمستمع بات لايتحمل ان يسمع سوى لثلث ساعة ونفس المقام يكرر بخمس دقائق مع نفس الانتقالات ونفس القطع حيث نجد ان الفنان الكبير سيد احمد قد اختصرها في تنزيلاته القديمة أيام التسجيلات بواسطة بيضافون وما شابه ذلك.. التحديث الذي يجري في الوقت الحالي يختصر الزمن مع المحافظة على الانتقالات مع كتابة القصائد والبستات التي تعرف بالأغاني المنسجمة مع روح العصر واجد ان تجربة الفنانة فريدة جيدة لان الساحة الفنية والمقامية بالذات تفتقد لصوت نسائي والأصوات النسائية هي اقرب وسيلة لتقديم مثل هذه الأعمال..

للتبادل والالتقاء
و تحرص المؤسسات على تنظيم مهرجانات لترسيخ هذه الفنون خصوصا مع ما يقدم لتكريم مطربي المقام العراقي فما هو رأيك بمثل تلك المحاولات؟
ــ المهرجانات تلتزم أهمية كبيرة في المحافظة على الموروث الشعبي في البلد فضلا عن محاولات أخرى ترسخ للتبادل والالتقاء بين الدول والحضارات فهذه مهمة جدا وتعود بالفائدة ونحن بحاجة الى كثير من هذه المهرجانات التي تمتاز بالكثير من الفوائد التي اذكر منها محافظتنا على الموروث المقامي والموسيقي فضلا عن تعرفنا على إمكانيات الفرق المشاركة من حيث محافظتها على الاصالة والفلكلور..
و اديت العديد من الاغاني فضلا عن اجادتك للمقام وما بين تلك الالوان الفنية اين تجد نفسك؟
ــ غنيت المقام الموصلي فضلا عن العراقي وأديت أيضا الأغنية الموصلية ووجدت نفسي أغوص في بحر الفن الموصلي الأصيل واكتشفت من خلال ذلك كم نحن بحاجة الى الالتفاتة لهذا اللون الغنائي الأصيل وخصوصا باللهجة الموصلية التي تقع على عاتقنا نحن كفنانين مهمة نشرها على مستوى البلد والوطن العربي وافتخر بأنني أول مطرب موصلي يؤدي الموال باللهجة الموصلية والحمد لله اجد نفسي بهذا اللون ومستمر به فضلا عن غنائي للمقام العراقي..
ولكن اللهجة الموصلية تعد صعبة بالنسبة الى من لم يتكلم فيها فضلا عن احتوائها لمفردات تبدو غير مفهومة للاخرين فكيف ستتجاوزن ذلك؟
ــ الحقيقة انا اتفق معك بوجود بعض المفردات التي يصعب نطقها وفهمها من قبل أبناء المحافظات الأخرى لكن الأكثر شيوعا بان اللهجة الموصلية تبدو الأقرب الى الفصحى بالإضافة الى هنالك دول عربية يتكلم أبنائها بلهجات اقرب الى اللهجة الموصلية مثلما نجد في بعض المدن التونسية بالإضافة الى مدن سورية ولبنانية ولهذا السبب نجد ان انتشار الأغنية الموصلية باتت تنتشر في تلك الدول وانا أجد ان هنالك تقاربا باللهجة في مدينة سوسة التونسية حيث هنالك بعض الكلمات المتشابهة بالإضافة لمدينة اللاذقية في سوريا لكننا نفتقر الى شعراء وكتاب يجيدون الكتابة باللهجة الموصلية لرفد الساحة الغنائية.. وذكرت ان الساحة تفتقر لشعراء وكتاب من اجل توسيع المساحة الفنية للأغنية الموصلية ، بالإضافة الى هذا المعوق ما مدى مساهمة الفضائيات في نشر هذه الأغنية؟
ــ من المفروض ان الفضائيات التي تعمل في المدينة تعمل بخصوصية موصلية فاللهجة الموصلية دور كبير في دعم كل ما هو موصلي قد يكون شعرا أو غناءا أو أدبا لذلك نتمنى من الفضائيات توسيع دعم اللهجة الموصلية من خلال تلك المجالات التي ذكرتها..
و ذكرت في بداية حوارنا انك كنت من المجايلين للفنان المتألق كاظم الساهر فما الذي تحمله ذاكرتك حول بدايات هذا الفنان الذي انطلق من مدينة الموصل؟
ــ نعم فالساهر كان معي في ذات المدرسة التي كانت أتلقى فيها تعليمي الأولي وبعد تلك الفترة غادر الساهر على حد علمي الى بغداد وبعد 15 عاما عاد مرة أخرى الى المدينة حيث تعين معلما ومارس اختصاصه في مديرية النشاط المدرسي والتقينا في فرقة كانت تعود لأحد المنظمات في المدينة حيث كان وقتها يعزف على الة الكيتار بالإضافة الى غنائه في مناسبات عديدة حيث كنت من المتابعين له وتوقعت ان يواصل مشواره بعد ان ابرز إمكانياته كمطرب متمكن حيث كان في تلك الفترة يقوم بتلحين الأغاني وتقديمه للاعمال الفنية كما انه كان يتحدث عن حلمه بمواصلة المشوار الفني حيث كان الساهر يمتاز بذكائه في اختيار الأغاني واذكر إننا عملنا في مناسبات عديدة منها مهرجان الربيع الذي يقام في مدينة الموصل فضلا عن المهرجانات التي كانت تقام في العاصمة..
و وهل أخذت فرصتك كمطرب مثلما نالها الساهر امن هنالك مقولة تنطبق عليك في ان مطرب المحافظات يبقى مرهونا بنطاق محافظته؟
ــ انا شخصيا من الفنانين الذين لم يحظوا بفرصتهم وهنالك عدة اسباب وراء ذلك منها اعتراضات العائلة حول رغبتي والنابع من الطابع للمحافظ للمدينة فضلا عن ان الفنان الموصلي يأبى ترك مدينته من اجل العمل في الفن ولذلك تجده ملتزم بمحليته ويبتعد بناءا على ذلك عن نقطة الانتشار التي تتخذ من العاصمة مركزا لها كما ان هنالك أسباب أخر منها قدرة الفنان على تمتين علاقاته مع الملحنين والشعراء الكبار للاخذ بيده وايجادفرصته السانحة بالإضافة الى ما للعلاقات مع الوسط الفني من تأثير ملموس واتاسف عن افتقار المدينة لجهات تلتزم الموهوبين اصحاب الإمكانيات الفنية للاخذ بيدهم فالمدينة تفتقر لمنتجين ومكاتب تسجيل للاعمال الفنية وهو ما يجعل الفنان الموصلي فقيرا من كل النواحي..
الاماسي الفنية
وما هي الأعمال الفنية التي قدمتها وتعتبرها نقطة انطلاقك الى عالم الأغنية الموصلية؟
ــ أهم الأعمال هي أعمال الفلكلور الموصلي فضلا عن اتقاني للموال الذي أجده قد ترك بصمة بالنسبة الى من يسمع هذا اللون من الغناء.
و وماذا بشان بيت المقام العراقي الذي تديره في مدينة الموصل وماهي الأنشطة التي تضطلعون بإقامتها في إطار هذه الحاضرة الفنية؟
ــ بالنسبة لبيت المقام العراقي الذي أديره حاليا ويحوي أيضا أعضاء هم فنانين يعدون من كبار قراء المقام وبالإضافة الى ذلك فلدينا موسيقيين بارعين ونضطلع حاليا بإقامة الاماسي الفنية التي نعمل من خلالها على استقطاب الشباب كما نسعى لنقل تلك الاماسي لشاشات الفضائيات من خلال اقامة سهرات فنية رغم ان الظروف في الوقت الحالي لاتشجع كثيرا لكنني متفائل باخذ الشباب دورهم في هذا الفن الذي اعده رسالة نوصلها للأجيال القادمة وقد بدأنا بفرقة الإنشاد والتي سيكون لها دور مميز في قوادم الايام فهي حالة اعتبرها صحية وجيدة من اجل المحافظة على الموروث الشعبي في الموصل وبيت المقام يتبع في الوقت الحاضر دائرة الفنون الموسيقية التابعة لوزارة الثقافة ورغم الدعم المحدود وقلة الكادر الذي يعمل بمعيتنا فنحن جادون في رسالتنا التي تعمل من اجل المحافظة على الموروث الموصلي وهي ليست مهمتنا فحسب لكنها مهمة المسؤولين في المحافظة من اجل النهوض بالمستوى الفني وهنالك نخب مهمة قدمت دعمها لبيت المقام ووفرت دعما لتأهيل هذا البيت وترميمه بالشكل الذي يناسب قيمه الثقافية والإبداعية..
/5/2012 Issue 4213 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4213 التاريخ 30»5»2012
AZP09