الفنان باسل العبيدي يراهن على الالتزام ويتحدث لـ الزمان عن تجربة البحث التشكيل

316

الفنان باسل العبيدي يراهن على الالتزام ويتحدث لـ الزمان عن تجربة البحث التشكيل
لوحاتي تمتلك مخالب تخربش فكر المشاهد
سامر الياس سعيد
لساعتين من الزمن استغرقت باحثا في أغوار عوالم الفنان باسل العبيدي عبر رحلة امتدت بين لوحاته التي أطلق على كل منها اسما مميزا يعبر عنها ويفصح عما يبتغيه العبيدي لإيصاله الى المتلقي عبرها وكانت رحلتي زاخرة بالالاف الصور والأفكار التي وجد العبيدي نفسه ملتزما بقيمة اللون المعبر عنها فضلا عن التاريخية التي يعتمدها في اللوحة خالية من الشوائب خصوصا وإنني استخلصت عبر هذه الرحلة الزمنية ان العبيدي لايكتفي بتقديم لوحات فنية مدهشة الى المتابع فحسب لابل يعمد الى التفرد من خلال البحث والتنقيب للوصول الى لوحات تشكل أبحاثا توثق محطات من حياة الإنسان العراقي وتستنطق حضارات عبر همسات الحجر وخدوش الزمن وغيرها من أسماء المعارض الشخصية التي عبرت بصدق والتزام عما يعتري إنسان اليوم وقبل ان أتعرف على هذا الفنان شدتني لوحة مهمة أبدعها لتحكي عما تتعرض له أثارنا وشواخصنا الحضارية لذلك كانت البداية من اللوحات التي تزينت بالحضارة الاشورية وانعكاسها عما تشهده اليوم من محاولات للتشويه والتعدي فتحدث العبيدي عن شغفه بالحضارة الاشورية قائلا
مكلل بالعطاء
من واقع امتلاك هذه المدينة لأعظم حضارة وجدت منذ التاريخ وهي أقدم من الحضارة الفرعونية وهي أيضا حضارة سيف بالإضافة الى أنها حضارة زاخرة بالثقافة والعلوم وقد توزعت على جزئين فالأول نشا في كالح منذ 7 الاف سنة والأخر الذي تلاها حيث برز في تل قوينجق بعد تلك الأعوام بألفي عام وقد أبرزت تلك الحقبات الانسان الاشوري المكلل بالعطاء حيث جذبتني غزارة علومهم التي قادتهم لاكتشاف أمراض مستعصية والبحث عن دواء شاف لها بالإضافة الى ما اكتشف ليعبر عن عمق ثقافاتهم من خلال الكم الكبير من القصص والروايات ولعل تمثال الثور المجنح يضاف الى ما تتمتع به تلك الحضارة من فهم للفن والحكمة التي كانت تميزهم عن الاخرين فلذلك هم ممثلو حضارات لايمكن ان يمروا مرور الكرام أمام أحفادهم الذين تتوجب علينا مسؤولية تسليط الضوء على ما قدموه للإنسانية رغم ما تواجه هذه العملية من معوقات فقصور الثقافة باتت تشكل إهمالا لتلك الشواخص الحضارية وتنعتها بكومة احجار لكنها بالنسبة لي تعني الكثير بأهمية الحضارة التي تتحدث عنها خصوصا إذا ما تأملنا فنجد ان تلك الأقوام كانت تستخدم حركات الفتح والضم في نصوصها منذ تلك الأعوام الغابرة..
وهل للفنان من لعب ادوار أخرى غير ما تتكلم به لوحاته أي بمعنى أدق هل يلعب الفنان دور المؤرخ والموثق لتلك الحقب؟
يفترض بكل فنان هذا الأمر ان يسعى من خلال البحث للوصول الى جوهر الحقيقة وان ينزل الى قيمة المادة لكي ينقيها من الشوائب والتزييف الذي يلحق بها فيكتشف قيمة الجوهر الذي تمتلكه لان لحظة صدق تكمن وراء الكثير من الحقائق المكتشفة وانا مع المفهوم القائل إذ لم تكن صادقا مع نفسك فلا تحقق الصدق مع الاخرين ويؤلمني توجه الكثير من الفنانين لرسم أمور انطباعية كطبيعة أو خيول دون ان يمتلكوا زمام الحقيقة لكي يغنوا لحظاتهم بالتوثيق وعلى الفنان ان يلتزم خياله فهو الأداة الأساسية في خلق الابداع وانا بطبيعة الحال التزم البحث والتنقيب قبل الشروع بالاعداد لأي معرض حيث ادرس الفكرة من كل جوانبها واشرع بالبحث عن المصادر التي تغني لوحاتي وعندما اشعر بأنني أشبعت الموضوع بحثا ودراسة أقوم بحالة التفريغ عبر عكسها على اللوحة البيضاء لأجدها زاخرة بما كنت قد خططت له ولعل لمعرض همسات حجر نقطة شروع تمثلت بأنني وزوجتي كنا نسير في مساء احد الأيام بالقرب من شواخص اثارية اندثرت أجزاء كبيرة منها ولم تلقى الاهتمام المطلوب وبعد ان اقتربنا من شارع تجاري وجدنا ان بعض محال الأحذية النسائية يعتني بمعروضاته بشكل يفوق الوصف فأحدثت مقارنة بين الاثار التي بكونها هويتنا تعاني ما تعاني وعن تلك المحلات التي تعطر منتوجاتها وتبذل الكثير لجذب الزبائن فوجدت إننا نمسك معاول لنهدم حضارة أسلافنا بأيدينا فجاءت همسات الحجر كرسالة لابد ان تسمع من له السلطة بالاهتمام بتلك الشواخص الاثارية..
لكل فنان أسلوبه ولكن في بداية مشواره لابد له ان يجرب كل المدارس الفنية للوصول الى بصمته الخاصة فهل سلكت مثل تلك المحطات في مشوارك الفني؟
أقمت معرضي الشخصي الأول عام 1987 ومن مميزاته إنني سلكت تجارب كل المدارس الفنية لكن مع المعرض الرابع الذي حمل عنوان رؤى وانسان وأقيم في عام 1995 وجدت نفسي أمام محطة شخصية للكشف عما تعتريه أفكاري من رؤى تختص بمحور الحياة وسر الكون وقد كنت منعزلا عن العالم أعيش إرهاصات معينة قبل ان تتبلور فكرة هذا المعرض لذلك شكلت عودتي للفن عبر هذا المعرض الذي استطاع ان يترجم حصيلة 7 أشهر قضيتها وانا بعيد عن التلامس مع الحياة اليومية لاستطيع ان انقل عبر المعرض تفاصيل غير مألوفة تكسر قواعد اللوحة التقليدية بإطارها المعتاد فشكلت الأعمال التي بلغ عددها 17 عملا بانوراما وكل لوحة تجاوز قياسها الـ 3 امتار .
من هذا المعرض بدأت حكايتك مع التفرد في أسلوبية اللوحة فضلا عن الأفكار التي تنقلها فهل استمريت بهذا التفرد؟
بالطبع فبعد هذا المعرض الذي أقيم منتصف التسعينات انتقلت للعيش في محافظة البصرة وفيها سعيت لإقامة معرض شخصي كان الخامس بالنسبة لي حيث أقيم عام 2005 وأسميته فتافيت ملونة لأنني وصلت الى حقيقة بان كل شيء في الحياة عبارة عن قصاصة ورق متناثرة في الهواء ولكنني وددت ان اعكس ذلك على الواقع برؤى مغايرة فكان المعرض المذكور ابتعادا عن المباشرة من خلال التزام الغرائبية في طرح الفكرة والترميز بأمور خيالية تواكب فنتازيا الخروج عن المألوف .
انفعالات الانسان
تفردك في طرح الأفكار يولد من خلال التزام أمور منها البحث والدراسة وطرح مواضيع مركزة ، فضلا عن أمور أخرى هل تحدثنا عنها؟
انا شخصيا اعتبر الأول في التعبير عن جسم الانسان بعضلاته وهذا التفرد نابع من خلال علمي بالية التشريح التي تعد مادة أكاديمية تلقن لطلاب الدراسات الأكاديمية ممن يتلقون تعليمهم في أكاديمية الفنون الجميلة وأحاول ان أركز من خلال عملي في تجسيد الانسان العاري على إبراز عضلاته الـ 362 عضلة وهو ما عبر عنه بدقة المعرض الشخصي السادس لي حيث أقيم في مدينة الموصل عام 2009 والذي حمل عنوان خدوش الزمن فهو جسد الانسان بانفعالاته وهذا يقودنا الى ان نصل لحقيقة المام الفنان بإرهاصات الانسان لكي ينقلها عبر اللوحة ويجسدها ومازلت أجد نفسي هاويا في بحث جوهر الحقيقة..
هل فنك متاح للجميع ام لك متابعين يتصفون بالنخبة من خلال إجادتهم قراءة لوحاتك والبحث عما تخفيه تلك اللوحات من سطور ناطقة؟
يسعدني جدا ان يتمكن المتابع من قراءة لوحاتي فانا أحبذ تدعيم تلك اللوحات بمخالب لتخربش المتابع وتدعوه لقراءتها والتمعن بالأفكار التي حاولت إرسالها عبرها وأعود لأقول بان لوحتي تعتمد الواقعية والخيال في ان واحد لذلك فأنني اشكر الله لأنه منحني مخيلة الفكر حيث أزاوج بين الرمز والفنتازيا..
والألوان ، هل تحاول ان تستخدمها كأداة لتدعيم تلك الأفكار حينما تعتمد على ترميز كل لون وهويته الداعمة لكل حقيقة في الحياة؟
نحن من نبتدع الألوان وإذا ما دعمنا تفكيرنا فحينها ستتلاشى تلك الرموز اللونية التي حاولنا تسقيطها فإذ كنا نقرن الازرق على سبيل المثال بالموت فما هو التفرد الذي نبغيه في هذا الأمر.. لذلك فلكل لون عالمه الخاص به..
المشهد الفني الموصلي زاخر بالكثير من الاسماء الرائدة فهل نهل الفنان باسل العبيدي من تلك الاسماء ما أثرى تجربته الفنية؟
انا بطبعي عصامي لكنني ادين بالفضل لأساتذتي واذكر منهم منهل الدباغ وحازم جياد وماهر حربي ونزار يونس وناطق عزيز ودريد خليل فهم اسماء لاعلام الفن الموصلي ولكنني أقول بان شخصية الفنان الحقيقية لايمكن ان تبلورها دراسات أكاديمية في المعهد أو الأكاديمية على حد سواء لكن هنالك أمور أخرى أهم تثري ذائقة الفنان وهي البحث والمطالعة حتى مشاهدة الأخبار من على شاشة الفضائيات من الممكن ان تدعم إمكانيات أي فنان وهنا تبدو القيمة الخاصة بأي فنان حينما يبدأ بعكس الواقع على لوحاته..
في هذه الحالة تبدو اللوحة حالها حال أي مرآة تعكس الواقع دون ان تقدم حلا او رؤية معينة للموضوع؟
اللوحة أسمى بالنسبة لفكر الفنان من فكرة نقل الحدث بشكل فوتغرافي فاللوحة تعتمد الرؤية البصرية والفكرية التي تسمو بواقع الحال على التقليدية التي تعتمدها الصورة الفوتغرافية..
هل للنقاد دور في دفع عجلة الفنان باسل العبيدي الى فضاءات أهم من خلال ما يتركونه من انطباعات ورؤى على مجمل أعمالك؟
انا متفاءل بالحركة النقدية التي تشهدها المدينة فمنها أحاول استنباط استفزاز نقد معين لأحاول ان اتحاشاه ما وقعت فيه عبر لوحة تالية ويسعدني ان يسعى النقاد لفهم الشخصيات التي تتخذ من لوحاتي مكانا وفضاءا لها رغم إنني أحوال إثارة الجدل عبر تلك اللوحات لأنني مجبول منذ الصغر على حقيقة ان التميز لاياتي بالهين لذلك تراني اعتمد الفكر في أكثر أعمالي لأنني أحاول الوصول عبر الفكر الى عوالم فكرية تجعلني أنفذ بسهولة للنفس البشرية لاستكهان خباياها وإرهاصاتها خصوصا عندما احصل على مجسم لجمجمة لإنسان فأنني أحاول الوصول الى ما يقارب الـ 85 من شكل صاحبها قبل ان تتحول الى جمجمة..
الخالق والمخلوق
هل استطاع الفن ان يوصل الى الرأي العام ما واجه شعبنا من ظروف قاسية ابتدأت بسلسلة من الحروب؟
لابد للفنان الحقيقي من ان ينزل الى مستوى الحدث ليوثق برؤيته الفنية تلك الأحداث وينقلها للأجيال وهذا المفهوم يسعى الكثير من الفنانين الى تأسيس مفهوم واسع حوله وقديما وجدت مقولة تشير الى ان الفنان هو مزيج بين الخالق والمخلوق..
الواقع الفني الموصلي بالتحديد هل وجد ذاته ام مازال يبحث عن هوية وسط العديد من التجارب والمدارس الإبداعية؟
ما يؤلمني هنا في مدينة الموصل أنها تمتلك فنانين كبار لكنهم لم يمتلكوا الفرصة الحقيقية بالتعبير عن فنهم للوصول الى فضاءات العالمية حيث لم تسنح لهم تلك الفرصة بالشكل الذي يبرز عشرات التجارب التي تبحث عن ذاتها..
الخطوط الحمراء التي تثير الجدل حينما تفصح الذائقة الإبداعية عن واحد منها ، هل تتحاشاها في عملك؟
انا بطبيعتي ضد تلك الخطوط التي يسموها بالحمراء لأنني فنان جريء استمد جرأتي من خلال ما أثيره في اللوحة لأنقل للمتابع ما يجول بفكري فحينما أجد ان احد المتابعين يشير الى لوحة كنت قد رسمتها قبل 15 عاما ويقارنها بما ارسمه اليوم اشعر بالسعادة لان هنالك من يتابع بناءا على ما تحتله الذاكرة من اقتران باللوحة والعيش معها طيلة هذا الكم الزمني المشبع بالأحداث..
ثمة مشكلة مزمنة يعاني منها الواقع الفني في الموصل وهو ان المدينة تفتقر الى غاليري يستمد روحيته من اللوحات التي يجسدها فنانون من الموصل ،هل تتفق معي في هذا الأمر؟
انا أجد ان عرض اللوحات لايتحدد بموقع او مكان حيث ان تلك اللوحات تجسد المتعة للمتابع فلماذا لا اكسر هذا المفهوم وانقل لوحاتي في أي مكان حتى وان كان بالهواء الطلق مثلما حدث عام 1992 حينما عرضت لوحاتي على احد جسور مدينة الموصل ومادامت اللوحة تستمد روحيتها من روح المكان فلماذا لااسعى الى تكوين ثقافة فنية بالبحث عن أمكنة أخرى غير ان أتحدد بغاليري او مكان عرض..
تنشا عبر توالي الأعوام عدة جماعات يبدو قاسمها المشترك الفن لكن بطرح مواضيع بأساليب تتفرد عن الأخر فهل لك تجارب مع جماعة فنية وما الذي خرجت منه كمحصلة من هذه المشاركة؟
انا من مؤسسي جماعة فنية عرفت باسم جماعة ابسو التي شكلت من قبل مجموعة من الفنانين التشكيليين في البصرة وعلى فكرة فان كلمة ابسو لفظة اشورية تعني المياه العذبة وقد كانت تلك الجماعة ذات أساليب متعددة في طرح مواضيعها ولوحاتها وانا أجدها حالة صحية لأنها تضم رؤى تشكيلية منوعة وتعمل على تلاقح التجارب والاستفادة من كل تجربة لفنان هو عضو في الجماعة..
هل تطمح للوصول الى العالمية من خلال نقل لوحاتك وعرضها في غاليريات العالم؟
كل فنان يطمح بذلك رغم وجود حالات استطعت الوقوف عليها من خلال نقل لوحاتي في معارض في سويسرا وايطاليا وهذا الأمر يتأت عبر الاندفاع والبحث عن أفكار جديدة تدعم فني..
/6/2012 Issue 4228 – Date 18 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4228 التاريخ 18»6»2012
AZP09

مشاركة