الفنان التشكيلي عضيد طارق: إستفدت من مدارس عدة وأميل نحو الواقعية

319

الفنان التشكيلي عضيد طارق: إستفدت من مدارس عدة وأميل نحو الواقعية

 عبد الجبار الجبوري

عضيد طارق يرسم اللوحة بأزميل الوطن،أنيق بلوحته،يحتضن تراث الموصل وتاريخها بكلتا يديه، وهو ابرز الفنانين الشباب الذي تركوا بصمتهم على جبين المشهد التشكيلي العراقي في الموصل، يحب التراث والفنون الشعبية والتاريخ الثر لمدينة نينوى وعواصمها الاشورية،هو إبن فنان رائد في التشكيل ،شكّل ابوه الفنان طارق عتو ركيزة الفن التشكيلي الرائد في الموصل منذ الستينيات مع رموز نينوى، الفنان الراحل نجيب يونس والراحل راكان دبدوب ووالراحل ضرارالقدو ،وفنان الطبيعة بشير طه، وعضيد طارق من جيل ثمانيني نشيط، ترعرع في وسط ثقافي وفني،وكان جيله يتسابق ليحجز له مقعدا في مشهد الفن التشكيلي في نينوى، فكان لوثر ايشو وليث عقراوي ومنهل الدباغ وسعد نجم وشاهين الظاهروخليف محمود وحامد الراشدي واخرين مبدعين ،شكّلوا لوحة تشكيلية عراقية في نينوى ومشهدا فنياً متألقاً، إلتقيت الفنان التشكيلي عضيد طارق،في هذا الحوار.

{ البدايات هي علامة فارقة في حياة اي مبدع ، كيف تصف لنا بداياتك ، وبمن تأثرت؟

 قد تكون البدايات ملتبسة وربما أجدني لا أرغب الحديث فيها وبذات الوقت لا استطيع القفز عليها ، وربما افضل الحديث في غالب اللقاءات عن النهايات لانها اكثر وقاراً ونضجاً واقل نزقاً والتباسات وضبابيات زمن مضى ، ومادام السؤال يتعلق بالالتماعات الاولى لسيرة ومسيرة تجربتي الفنية ، اجد  ان بداياتي تقاسمتها عدة محطات ، الاولى منها هي تأثيرات العامل الوراثي ، صبواتي الاولى كانت في الانحدار من سلالة فن تمثلت في والدي الفنان التشكيلي الرائد طارق عتو ، وهو من المجايلين للخط الاول من الريادات ممن رسمو ملامح مشهد الفن التشكيلي في نينوى في مراحله الاولى واقصد المرحوم نجيب يونس والمرحوم ضرار القدو وراكان دبدوب ورائد الخط العربي الخطاط الباحث  المرحوم يوسف ذنون ، كان ذلك في مدرسة العراقية الابتدائية في واحدة من احياء الموصل القديمة وتحديداً في منطقة باب الجديد ، ارتبطت البدايات بالاحساس اني امتلك موهبة التحديق في كل شيئ ، حتى لو كانت حصاة بالوانها واشكالها ، اجدها تستوقفني ، هذا الخيال الذي كنت احمله او يحملني لا فرق ، جعل شغفي ينصب على النبش في كل شيئ من تفاصيل الحياة وشظاياها الجارحة وكنت استشعر ان هناك ثمة بيت من الشعر تركه الخالق امامي دون قافية، وهنا وفي فضاء السؤال عن البدايات اقول ، ان كل طفل هو فنان بالضرورة ، المشكلة كيف يبقى فناناً عندما يكبر ، حسبما كان يقول بيكاسو ..

النشوة في المدرسة الواقعية

{ اي المدارس الفنية تفضلها وتمارسها في الرسم .

في فترة الدراسة انفتحنا على كل المدارس الفنية المتاحة ، وعلى تجارب الفنانين العالمين والرواد العراقيين ، لأتأثر بالواقعية وهو تأثر حتمي وطبيعي فالمتلقي يريد ماهو قريب الى ذاته وفهمه ومحيطه بصرياً ومفاهيمياً ، الآن اجد نفسي متأثراً ومتعاطياً مع غالبية المذاهب والمدارس الفنية ، لا ارغب في التطواف واستبطان أغوار مدرسة فنية بذاتها . وهذه الفكرة لا اجدها تتوافق مع توقي المستمر في البحث عن منثور الجمال اينما التمع له بريق ، وفي أياً من مدارس الفن كان ، القلق المستمر هو السمة الغالبة لي بحثاً عن النتيجة التي تبهرني ، وفي الغالب اجد نفسي منشغل مؤرق وشغوف بالغوص بحثاً عن لؤلؤ الدهشة والإبهار في غالبية المواضيع التي اتناولها فوجدت  نفسي منفلتاً من الدوران في فلك مدرسة فنية بذاتها ومتمرداً على اطواقها ، واحيانا ًانجز عمل فني واربط فيه ماهو تقني وفكري وهذا يمنحني مسافة لتطويع اللوحة الى درجة الكشف عما تريده دوني ، ويصبح لها استقلالها الشكلي والفكري بعيداً عني . لكن تبقى المدرسة الواقعية هي التي تأخذني الى ضفاف الاحساس بالنشوة والمتعة ، ويخطئ من يعتقد ان العمل الفني الواقعي فناً مباشراً ، الواقعية فناً سحرياً يمارس حضوره الدائم في استثارة المتلقي والسفر معه الى وجدانيات من الاحساس بالمتعة والتعالق والتواشج الروحي ، الواقعية والاتقان فيها هي مسطرة قياس للموهبة دائماً .

{ .من يتابع لوحات الفنان التشكيلي عضيد طارق وسيرته الفنية يرى ان هناك تحولات مفصلية ، كيف ولماذا يحدث هذا عند الفنان.

التحولات تأتي من خلال هزات ارتدادية في مجمل مسيرة الفنان وخصوصاً عندما يتنقل في فضاءات اكثر من جنس ابداعي ، مبدأياً انا اتنفس من خلال الرسم والتشكيل وكما تعلم انني امارس الصحافة والمقال النقدي واهتماماتي جعلت مني البعض في الكل فانا فرد في صيغة جمع ، ارتب كل شيئ بدقة واجعل لكل مقام مقال ، عندما يتعبني التشكيل اذهب للقراءة او الكتابة او العمل الجمعي في قيادة مشهد تشكيلي ، كل ذلك جعلني اشعر بحسرة الاحساس بالانتماء للاختصاص الذي ولدت موهبتي في كنفه . لتأتي ظروف الحجر المنزلي وتداعيات جائحةكورونا وقيود الحجر الصحي الذي رافقها ، لاجد وبشكل بديهي ان القيود تدفعنا دائماً لكسرها . لنصبح فجأة سجناء فرضت علينا قيود التباعد الاجتماعي والاغلاق الابداعي ، والقيود هنا كانت قد فعلت العكس تماماً معي لتدفعني باتجاه تحقيق مشاريع فن تشكيلي مؤجلة ، هنا حدث التحول في الإمعان والاستغراق في تنفيذ اعمال فنية تحاور الوجدان وتشتغل على الاتقان في الإبهار فكانت عدد من الانتقالات المحسوبة والمخطط لها بما يتماهى مع الذائقة الجمعية التي لا زالت تنتصر للوحة الواقعية .

{ هل شاركت بمعارض فنية ، حدثنا عن مشاركاتك .

التشكيل من الفنون التي يمكن ان يقال عنها جماهيرية ، ففي كل مكان التشكيل يواجهنا ، فقط يلزمنا ان نربي اعيننا على المشاهدة الجيدة والإبصار في عمق الاشياء المحيطة بنا ، ولذلك على الفنان ان يقترب من نبض الجمهور وينصت لتطلعات مجتمعه ، المعارض تحقق لنا  فرصة الانتماء الى صيرورة نبض تدفع بنا الى مزيد من التلاقح الفني والخبري المنتج . غالبية المعارض المهمة التي كان الجمهور المتذوق يحج اليها في نقابة الفنانين المركز العام والجهات المعنية بالشأن التشكيلي كنت اشارك في دعواتها ولاسيما قبل الاحتلال واحداث عام 2003 . وكذا الحال بالنسبة للمعارض التي تنضمها المؤسسات الجهوية التي تعنى بالفن والتشكيل الرصين ، وقد انحسرت هذه المشاركات لاسباب منها ماهو معلن وآخر مطمور واسباب اخرى تتعلق بالارادة التي خططت لاجتثاث الذاكرة الفنية سبيلاً الى محو الهوية الفنية الثقافية والابداعية والتي كانت قد جعلت من العراق مركز فني وفكري عالي التأثير ، ولا اذيع لك سراً اذا قلت ان مدينة الموصل ونينوى الاشوريين مدينة الالف الخامس قبل الميلاد . لا تمتلك قاعة رسمية حكومية ( كلري ) لعرض فنونها التشكيلية لحد الآن .

{ .بمن تأثر الفنان عضيد من الفنانين العراقيين وفناني نينوى ، وهل انعكس ذلك على لوحاتك .

التأثر الفني لمجرد الأتكاء الدراسي لا بد منه في ايام صبوات الدراسة واجد ان الانغماس في التأثر لا يحقق اياً من التميز على المدى البعيد على المستوى الشخصي ، هناك اسماء لامعة كانت في دائرة اضاءة انتباهاتي ، فكثيراً ماتأملت ذلك الرواء المسفوح من الالوان على منبسط قماشة اللوحة للفنان المرحوم نجيب يونس بتراكيب الوانه المشرقة التي تحاكي اقصى طاقة تعبيرية للون وكذلك تقنية الفنان المرحوم راكان دبدوب وخطابه الجمالي الحديث وطريقة معالجة سطوح لوحاته وازقة الفنان المرحوم ضرار القدو وسحر وجمال الفنان حازم جياد في لوحاته ، هذه كانت محطات التأثير الاولى وماقبلها لوحات والدي الفنان طارق عتو ورسوم الطبيعة للفنان بشير طه . وبعدها حرصت ان اكون نسيج وحدي اتنقل كالفراشات بحثاً عن واحات النور الخاصة بي والتي تقربني من سر التشكيل والتشكل الشخصي الصرف .

{ .حركة الفن التشكيلي في نينوى زاخرة بالاسماء الكبيرة وهي ظاهرة فنية ايجابية ، كيف تنظر اليها

نينوى كانت مركزاً فنياً حضارياً ثقافياً على مر تاريخها وبعد الانحدار المرير ابان فترة احتلالها من اعداء الجمال وكائنات القبح كانت قد عانت الشحوب والافول ، واليوم تعود لتزهر من جديد من خلال حراك فني ثقافي ابداعي بمختلف الاتجاهات وقد اذهل الجميع ، وانا اتابع مجاميع شبابية بدأت تتلمس لها خطاب جمالي يؤثث لمرحلة انتعاش تشكيلي مقبل لاتخطئه العين المدركة ، ومشكلتنا الان هي في قيادات هذه المؤسسات الثقافية المركزية والتي تعاني من أمية المعرفة بالدور الذي يضطلع فيه الفن في بناء الانسان بعد النكبات وظروف الحروب ، فلا زال هناك مسؤولون يتعاملون بهستيريا مع من يخالفهم الرأي وهم معذورون لانهم يفتقدون الخيال وان امتلكوه فهو محدود ، وللاسف اغلب من يتسيدون قرار المشهد الثقافي في مستويات المسؤولية الاعلى في العراق هم حفنة من التماسيح على الأنهر الجارية جاءت بهم مصادفات عمياء ، في العموم اعد هذا التراكم من الحراك الفردي والجماعي التشكيلي الشبابي هو ظاهرة ايجابية كما تفضلت ، والمتغير الكمي يؤدي بالنتيجة الى متغير نوعي فيما بعد حتماً

كان لظروف الحجر المنزلي في جائحة كورونا دورها في استثارة اذهان الفنانين والمبدعين  والتحفيز لتقديم  ابداعات جديدة . بماذا استثمرت الوقت في هذه المرحلة .

اثراء العصر

 في ظروف الحجر المنزلي والتي رافقها واجب الالتزام بالتواجد بالبيت بعيداً عن الاختلاط ، حاولت تقليص الاحساس بالفشل واللاجدوى للحد الادنى من الخسائر في ممارسة طقوسي الفنية ، وقد نفذت عدة اعمال فنية كانت مؤجلة البعض منها يبحث في موضوع الوجع العراقي من جراء الظروف طيلة سنوات طويلة خلت بضمنها موضوع النزوح من جراء احتلال مدينة الموصل من اعداء الانسانية والجمال وما تعرضو له من تهميش ومستقبل ذبيح ، ليذوقوا  مر الهوان ومنهم من استشهد بأعين مفتوحة وفم لا يكف عن الصراخ . كل هذه الموضوعات استأثرت باهتمامي وكانت مادة دسمة لمضامين اعمالي بضمنها ايضاً الطفولة التي عانت الفقر والامتهان ايضاً بعد ان رأيت بام العين اطفالاً يتضورون جوعاً وتأكد لي ان هناك في العراق من يموت من التخمة وهناك من يموت من اطفال العراق من الجوع ، وفي المقابل كان هناك العديد من الاعمال الفنية الجمالية  ولوحات متفائلة تؤكد حقيقة من ( الالم يولد الامل ) والحث على ضرورة الاحساس بجمال ماحولنا ايضاً بعيداً عن المواضيع القاتمة

مشاركة