الفضائيات الطائفية.. لمصلحة من التسقيط والتحريض؟ –  عبد الأمير كاظم الجوراني

 

 

 

الفضائيات الطائفية.. لمصلحة من التسقيط والتحريض؟ –  عبد الأمير كاظم الجوراني

منذ العام 2003   وإلى يومنا, تمارس بعض الفضائيات الطائفية عملية مبرمجة وممنهجة لتسقيط الطائفة الشيعية, بخاصة التي في العراق.. ومن هذه الفضائيات من تختلف مع الشيعة في العقائد والفروع, ومنها فضائيات شيعية تعمل على ذلك, سواء أكانت لا تدري أم كانت متقصدة في ذلك, ومن خلفها أجندات معيّنة, فتلك الفضائية تحاول النيْل والانتقاص من العقائد الشيعية, وأخرى تعمل على تكريس القضايا الدخيلة على الطائفة, وعدّها من المسلّمات والمؤكدات العقائدية الشيعية, ويُخيّل للمتابع أو المشاهد أنَّ كِلا الطرفين يصبّان في بوتقة واحدة, وهي زعزعة أركان الوحدة الإسلامية بين أبناء الدين الإسلامي الواحد, ونشر الفرقة والحقد والكراهية بينهم, ولا سيما في المناطق التي تتكون من خليط ديموغرافي من شتى المذاهب الإسلامية, ولا سيما العراق.فقد فرضَ تغيير النظام في العراق في عام 2003 جملة من المتغيرات والتي حدثت في هذا البلد لأول مرة منذ مئات السنين, فقد تبوّأ السياسيون الشيعة المناصب العليا ومراكز القرار في هذا البلد, بعد أن كانت أغلبها حكراً على أبناء الطائفة السُنّية وغيرهم… وذلك لأسباب عديدة من أهمها خضوع البلد ولمئات السنين لسلسة من الاحتلالات, والتي كانت تعمل على زرع الفرقة بين أبنائه كشرط من شروط بقاء ودوام احتلالها, فضلاً عن أسباب أخرى تتعلق ببعض المرجعيات الشيعية والتي أصدرت فتاوى في ذلك الوقت تحرّم فيها العمل في وظائف الدولة؛ لأسباب عديدة تتعلق بما كان يمرّ به الشعب من ظروف الظلم والاضطهاد على أيدي دول الاحتلال.

مناصب عليا

المهم عندنا في ذلك, هو أنَّ تسنّم بعض رجالات الشيعة للمناصب العليا في البلد قد أثار العديد من رجال الدين ورجال السياسة في كثير من الدول القريبة أو البعيدة من العراق, وحتى التي تدين بالمذهب الشيعي نفسه, ولأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن, الأمر الذي دعا تلك الفعاليات السياسية والدينية إلى بذل الكثير من الأموال لتمويل بعض الفضائيات المشبوهة لتعمل على تشويه صورة المذهب الشيعي وزرع الفرقة بين أبنائه وبين أبناء المذاهب الأخرى, بل وحتى بين أبناء المذهب نفسه, فقد استوقفني موقف إحدى الفضائيات الشيعية المعروفة, خلال أيام تظاهرات تشرين والتي انطلقت في المحافظات الشيعية ضد الظلم والفساد الذي لحق بهم قبل غيرهم من أبناء المحافظات الأخرى, فهذه الفضائية الشيعية كانت تحرّض على قتل المتظاهرين الشيعة عبر تشويه صورتهم وإظهارهم بمظهر الفاسقين المفسدين!! على الرغم من أنَّ أغلبية هؤلاء المتظاهرين هم من الشباب العزّل الذين خرجوا للمطالبة بأبسط الحقوق الإنسانية التي حُرموا منها وأهمها الماء والكهرباء والوظيفة التي تؤمّن لقمة العيش لهم ولعوائلهم, علماً أنَّ هذه الفضائية وغيرها الكثير مموَّلة من دولة يقول نظامها أنه يتبع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)!!.

إذن فالذي يتبيّن لنا من خلال أجندات بعض الفضائيات السُنية أو الشيعية التي تبث سموم التسقيط والفرقة, أنها مرتبطة بأجندات سياسية لا يعلم مداها ومبتغاها سوى الله تعالى, وإنها لا تهدف من وراء برامجها وحلقاتها النقاشية أنها تهدف إلى تقويم عقيدة الناس من الانحراف أو الزلل, وإنما هدفها الرئيس هو تعميق الهوّة والفرقة والتناحر بين أبناء الدين الواحد, علماً إنَّ الاختلاف ليس عيباً أو شيناً إذا كان حاصلاً بين أتباع الدين الواحد, فالنبي الأكرم (صلوات الله عليه وسلامه عليه وعلى آله) يقول: اختلاف أمّتي نعمة, ومن قبله أشار إلى هذا الأمر الله –جَلَّ وعلا- في محكم كتابه المجيد, حينما قال وقوله الحق: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) الحجرات/18, أي بمعنى أنَّ الاختلاف يمثّل حالة صحية, فمن خلاله تتلاقح الأفكار والآراء والنظريات للوصول إلى الهدف المنشود وهو رضا الله سبحانه وتعالى, وما يتخلل ذلك من تنشيط للعقول والأفكار وإحياء للعلوم, لا أنْ يتحوَّل هذا الاختلاف إلى نقمة تجرّ وراءها الآلام والآهات والمصائب كما حصلَ ويحصل في العراق منذ عام 2003 من عمليات التفخيخ والذبح والقتل والتي كان النصيب الأوفر منها من حصة أبناء الطائفة الشيعية من الناس الأبرياء البسطاء, الذين لا ناقة لهم ولا جمل في ما يحاك في الدهاليز والغرف المظلمة, والذين يعتبرون المسلمين السُنّة أو غيره من الطوائف والديانات إخوتهم في الدين أو الوطن, فتصاهروا معهم منذ مئات السنين, ولم يعرفوا معنىً للطائفية أو المذهبية, ولكنها السياسة اللعينة وحب المال وما تخلّفانه من ويلات ومصائب وتناحر وسفك للدماء.. علماً أنَّ هذا الأمر ليس وليد اليوم, ولا إنه عند المسلمين فحسب, بل عانت منه الديانات الأخرى, فكلنا سمع وقرأ عن المذابح المروّعة التي حصلت بين أبناء الطوائف المسيحية الثلاث (الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذوكس) في القرون الماضية, وما حصدته من أرواح مئات الآلاف من الأبرياء, فلا نكاد نجد ديانة من الديانات السماوية تخلو من الاختلافات في الآراء والأفكار بين أتباعها, وليس الخلل في الديانة السماوية نفسها (معاذ الله), وإنما قد يحصل الخلل والاختلاف في فهم الدليل أو الحكم في هذه المسألة أو تلك, وهو أمر قد قَبِلَهُ الله تعالى وأنبياؤه المرسلون وأشاروا إليه على أنه حالة طبيعية لا تدعو إلى التصادم والتقاتل والتناحر, فالأمر متروك إلى الله (عز وجل) فهو الذي يحكم ويفصل بين خلقه يوم القيامة, خاصة إذا ما كانت هذه الأفكار والآراء الدينية غايتها وهدفها واحداً, وهو نيل رضا الله تعالى, ولكن أنْ  يتخذ البعض من رجالات الدين والسياسة هذه الأمور المختلف عليها كمادة أو سُلّم للوصول والحصول على المناصب السياسية والمغانم والمكاسب المادية, على حساب أرواح الناس الأبرياء, فعند ذلك لا بدّ من وقفة جادة من قبل المتصدّين للأمور الدينية والسياسية في هذه الأمة؛ ليقطعوا دابرها ويمنعوها من التمادي في غيّها وأهدافها وأجنداتها الخبيثة.. فمن مجمل ما نراه اليوم من تلك الفضائيات التسقيطية المسمومة, نجد أنها في الأعمّ الأغلب تنقسم إلى قسمين: فقسمٌ منها يتبع الجمهورية الإسلامية الشيعية في إيران, والقسم الآخر يتبع المملكة العربية السعودية التي تدين بالمذهب الوهابي, إذ نجد أنَّ التسابق قد وصل أوجّه بين هاتين الفئتين من القنوات الفضائية في النيل من وحدة المسلمين وزرع الفتنة والضغينة بينهم, من خلال استغلال حوادث أو حالات حصلت في وقت مبكر من ظهور الإسلام, وقد أكلَ الدهر عليها وشرِب, وليس للمسلمين من الأجيال اللاحقة يد أو ذنب فيها وفي حدوثها, ولكنها استُغلّت من قبل القائمين على تلك الفضائيات لغرض إثارة الفتنة بين الناس, فكم من موضوع عقائدي خلافي قديم أو خبر ملفّق, تسبّب في حصول عمليات إرهابية هنا أو هناك من بقاع المسلمين, حصدت أرواح العشرات من الأبرياء المساكين, ناهيك عمّا سبّبته تلك العمليات الإرهابية من إعطاء الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى صورة سوداء قاتمة عن الدين الإسلامي الحنيف, مما أعطى المبرر لبعض الموتورين منهم بالإساءة إلى خير البشر وسيّد الأنام نبينا الأكرم محمد (ص), صاحب أكرم وأنبل خلق, الذي تحمّلَ أذىً لم يتحمّله نبي من قبله, من أجل هذه الرسالة السماوية المباركة السمحة, ومن ثمَّ ليأتي من بعده مِن شذاذ الآفاق ليخرّبوا هذا البناء العظيم الذي تعمَّدَ بتضحياته وصبره وصموده بوجه طغاة قريش مدّة ثلاثة وعشرين سنة, وليحوّلوا كل هذه التضحيات إلى وسيلة للانتفاع والارتزاق على حساب أرواح وأمن الناس الأبرياء, وليأتِي من يأتي ممن يتصيّدوا بالماء العكر, ليتّهموا نبيّنا صلوات الله عليه وسلامه بأنه هو مَن سَنَّ الإرهاب وقتل المخالفين وترويعهم!!.

دور حقيقي

لذا, فهذه دعوة للمتصدّين من كبار رجال الدين والعلم من مختلف طوائف المسلمين أن يؤدوا دورهم الحقيقي في حماية الإسلام والمسلمين وغير المسلمين من شرور هؤلاء المرتزقة المأجورين من الذين يشرفون على تلك الفضائيات المليئة بالسم والحقد والكراهية, والتي تقوم بنبش حوادث الماضي السحيق لكي تجعلها مادة لتفريق المسلمين وزرع الشحناء والبغضاء بينهم, وما يُترجم عن ذلك من سفك لدماء الأبرياء في أصقاع العالم.. ويجب أنْ لا يقفوا متفرجين ومكتوفي الأيدي أمام هذه الظاهرة, ولا أن يصدروا بين الفينة والأخرى بيانات الشجب والاستنكار التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع, أما هذا المد الفضائي والإلكتروني الهائل الذي بات متاحاً بيد كل الناس على وجه المعمورة, وبمختلف أعمارهم وأجناسهم وأعراقهم ومذاهبهم ودياناتهم.. كما إنَّ على الحكومات المعنية بالأمر أن تترك خلافاتها جانباً, وأن تعمل على إيقاف بث هذه السموم القاتلة للناس, إنْ كانت حقّاً كما تدّعي أنها تتبع هذا الدين الحنيف, وأنْ تكثّف جهودها الدبلوماسية لمفاتحة بعض الدول الأجنبية التي اتخذها هؤلاء مقرّاً لهم في بث تلك السموم الطائفية, والعمل على حثّ تلك الفضائيات وغيرها على بث البرامج التي من شأنها محو الصورة السيئة التي رسمها بعض الحاقدين والمأجورين عن الإسلام والمسلمين, وبيان الصورة الحقيقية الناصعة لديننا الحنيف.. دين الرحمة والإنسانية.. الدين الذي ضحّى من أجله النبي (ص) أيما تضحيات, ومن بعده سبطه الإمام الحسين (ع) الذي قال قولته الشهيرة في ذلك اليوم الصعب الرهيب الذي عزم فيه الطغاة على سفك دمه الطاهر النقي, إذ قال (ع): (إنْ كان دين محمد لم يستقم إلّا بقتلي, فيا سيوف ويا رماح خذيني).. ألهذا الذي يحصل اليوم ضحّى الإمام الحسين (ع) بدمه وبأهل بيته, بل وحتى بأطفاله الرضّع!؟ ألمثل هذا الذي نراه اليوم من تشويه وتضليل وتزييف للمبادئ والأهداف الإلهية الإسلامية المحمدية الحسينيةّ!؟..كلّا, وألف كّلا.. فالذي نراه اليوم ليس اعتباطياً أو عفوياً.. قطعاً أنَّ من وراء هؤلاء أيادٍ إجرامية خبيثة, تريد أن تحوّل هذا الدين الحنيف إلى ألعوبة وأضحوكة بأعين الناس.. وبالتالي يحصل النفور منه, ومن ثم الوصول إلى محوِهِ نهائياً من الوجود.. وحاشى لله أنْ ينال هؤلاء ومن ورائهم مرادهم, ما دام هناك مسلمون حقيقيون واعون, يعرفون الكُنْه الحقيقي للرسالة السماوية المحمدية الأصيلة.. ولكن شديد خوفنا هو من السذج البسطاء الذين ينعقون مع كل ناعق, وينجرفون مع أدنى تيار.. فالله الله بالدين ووحدته.. الله الله بالوطن ووحدته.. الله الله بالشعوب الإسلامية ووحدتها.

والله من وراء القصد..

مشاركة