الفساد المالي والإداري في العراق وليد تناقض النظامين السياسي والإقتصادي

121

الفساد المالي والإداري في العراق وليد تناقض النظامين السياسي والإقتصادي

همام الشماع

قد تتطلب الموضوعية والمدخل العلمي لتناول الفساد في العراق الابتعاد عن الأنفعال والتخندق الذي يقلل من القدره على وضع الحلول الناجعة والفعالة لهذه المشكلة التي جعلت نسبة 23  بالمئة من الشعب العراقي أي ما يقارب الثمانية ملايين انسان يعيشون بفقر مدقع بعضهم يتسول ويعيش على فضلات القمامة بحسب المركز الوطني لحقوق الانسان وفق تقرير صادر في آب 2013. ليس كل الفساد المالي والأداري وليد ما بعد 2003 بل ان قسماً منه موروث من عهد الحصار عندما جار الحاكم على الموظفين برواتب دون حد الكفاف بحيث اصبح الراتب الشهري للموظف اقل من دولارين شهريا فأعتادوا باغين ان يفرضوا الأتاوات على بعضهم البعض وعلى عموم الشعب العراقي الذي اكتوى ولا يزال بنار الرشوة. هذا النوع من الفساد ليس بالأخطر من بين انواع الفساد بل ان بقاءه وديمومته في ظل النظام الديمقراطي لما بعد 2003 رهين بمعالجة الفساد المؤسسي وهو الأخطر. هذا النوع من الفساد المالي والأداري هو النتيجة الحتمية للتناقض بين البنية التحتية (النظام الاقتصادي) والبنية الفوقية (النظام السياسي). فبعد العام 2003 اصبح لدينا نظام سياسي “ديمقراطي” يسود فيه الأعلام الحر وأحيانا الأعلام غير المنضبط بأصول المهنة الأعلامية بعد ان كان لدينا اعلام موحد. اصبح لدينا نظام يمكن للجميع ان يعقدوا مؤتمرات صحفية يفضحون من خلالها بعضهم البعض الأخر ويبتزون بعضهم البعض الآخر بعد أن كان شخص واحد يحق له الظهور على شاشات التلفزيون، اصبح لدينا نظام سياسي لا يخشى فيه احد من احد بعد ان كان الكل يخشى شخص واحد، اصبح لدينا  القادة العاجزين عن الحسم بعد ان كان يسوقنا قائد واحد يحسم امرنا بكلمة واحدة،. باختصار اصبح لدينا نظام سياسي يقابله نظام اقتصادي لم تتغير طبيعته منذ 2003 نظام يقوم على دور مركزي للدولة في ظل لم تستوعب أو لا تريد ان تسوعب حقيقة ان لكل نظام سياسي نظام اقتصادي يجب ان يتوافق معه من حيث الآلية التي تحكمه. ففي ظل الحرية السياسية يجب ان تسود الحرية الأقتصادية التي يقودها القطاع الخاص. وبالعكس في ظل التسلطية السياسية لا يمكن للقطاع الخاص ان يزدهر ويقود التطور لسبب بسيط هو أنه سيصبح مركز قوة تهدد التسلطية أو الدكتاتورية السياسية. ولنستذكر تجربة الليندي في تشيلي في العقد الماضي عندما حاول ان يجمع نقيضين وهما النظام الأقتصادي المدار مركزيا مع نظام سياسي قائم على الحرية والتعددية فكانت النتيجة ان اسقطت الحرية السياسية النظام الاقتصادي المدار مركزيا. في عراق اليوم نواجه تجربة معاكسة ، فنظامنا السياسي التعددي للغاية يتناقض مع نظامنا الاقتصادي المركزي للغاية أيضا. فاقتصاديا كل شيء يعتمد على الحكومة والدولة…..أبتداءً من “المشريع التنموية” مرورا بالوظائف ،الدخول، الطعام، الكهرباء، الماء، الخدمات، وأنتهاءً بالزيارات الدينية التي اصبحت بتمويل حكومي. هذا من جانب الأنفاق أما من جانب الأنتاج والإيرادات ، فان أكثر من 80 بالمئة من الناتج المحلي الأجمالي العراقي يتأتى من القطاع العام النفطي والتعديني والصناعي كما ان 97 بالمئة من الإيرادات الحكومية من موارد النفط. ثروات هائلة بيد حكومة تجعل كبار “قادتها” وهم كثر يتصارعون،على الأقل، من اجل تجديد الفوز بدورة حكم أو هيمنة جديدة على مقدرات العراق هذا إذا لم نقل من أجل المزيد من نهب الثروات السائبة. في ظل نظام تعددي لا يوجد فيه رأس حاسمة وتوجد فيه ثروات مركزة بين ايدي ورؤس عدة متصارعة كل يقبض على جزء بصلاحية اختصاص منصبه، فأن من الطبيعي ان تتبخر هذه الثروات وتبتلع من حيتان السياسة. في ظل التعددية السياسية لا تفلح ولا تنجح المركزية الأقتصادية.

والتناقض بين النظام الاقتصادي المركزي الذي تهيمن عليه الدولة والنظام السياسي التعددي وخصوصا حديث التحول نحو الديمقراطية حيث الأنفلات والفوضى العارمة، فأن من الطبيعي ان ينتهي الأمر إلى أنهيار احدهما. والسؤال الذي تجدر الأجابة عليه هو من الذي سينهار اولا هل النظام الأقتصادي أم النظام السياسي؟ لا شك انه في حالة بقاء النظام الاقتصادي مركزيا تقوده وتنهبه رؤوس متعددة ،فأن النتيجة الحتمية ستكون انهيار النظام السياسي وما يسمى “بالعملية السياسية” بأكملها.

الأصلاح الاقتصادي باتجاه تحرير الاقتصاد العراقي هو السبيل الوحيد لكف يد الدولة وما ينبثق عنها من فاسدين آمنين للعقاب في ظل غياب الرأس الحاسمة. والعراق بما حباه الله من موارد نفطية ومعدنية هائلة لن تستقيم فيه الأمور السياسية والمالية ويترفه شعبه، ما لم يبثق نظام اقتصادي تكون فيه الإدارة الأساسية للأقتصاد بيد اصحاب الثروة الحقيقيين وليس بيد الحكام السياسيين وسنتناول في المقال القادم التحول نحو الاقتصاد الحر.

مشاركة