الفساد‭ ‬وراء‭ ‬إيقاف‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مد‭ ‬انبوب‭ ‬النفط‭ ‬العراقي‭ ‬نحو‭ ‬الاردن‭ ‬

755

بغداد‭ – ‬الزمان‭ – (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬

انتكس‭ ‬اكبر‭ ‬مشروع‭ ‬اقتصادي‭ ‬عراقفي‭ ‬اردني‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الانبوب‭ ‬النفطي‭ ‬العراقي‭ ‬المار‭ ‬بالاردن‭ ‬،‭ ‬بعد‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬التكلفة‭ ‬بسبب‭ ‬عمولات‭ ‬الفساد‭ ‬وتدخل‭ ‬حيتان‭ ‬الفساد‭ ‬الكبار‭ ‬،‭ ‬المسيطرون‭ ‬على‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬وبحسب‭ ‬مصدر‭ ‬في‭ ‬النزاهة‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬الحيتان‭ ‬الوسخين‭ ‬طليقة‭ ‬تمص‭ ‬دم‭ ‬الشعب‭ . ‬ورغم‭ ‬الغليان‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬الذي‭ ‬أنتج‭ ‬احتجاجات‭ ‬مطلبية‭ ‬مناهضة‭ ‬للفساد‭ ‬أودت‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬مئة‭ ‬شخص،‭ ‬لم‭ ‬ترتق‭ ‬الإجراءات‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الأزمة،‭ ‬إذ‭ ‬أنها‭ ‬تطال‭ ‬صغار‭ ‬الفاسدين‭ ‬ولم‭ ‬تقترب‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬حيتان‭ ‬المال،‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬البلدان‭ ‬فساداً‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ويرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي،‭ ‬المستقل‭ ‬غير‭ ‬المدعوم‭ ‬حزبياً‭ ‬أو‭ ‬شعبياً،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬رهينة‭ ‬زعماء‭ ‬الأحزاب‭ ‬التي‭ ‬أتت‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬التي‭ ‬يدينها‭ ‬المحتجون‭ ‬بعدم‭ ‬توفير‭ ‬وظائف‭ ‬وخدمات،‭ ‬وبملء‭ ‬جيوب‭ ‬المسؤولين‭ ‬بأموال‭ ‬الفساد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سبب‭ ‬تبخّر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬450‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬عاماً،‭ ‬بحسب‭ ‬أرقام‭ ‬رسمية‭.‬

اتخذت‭ ‬الحكومة‭ ‬مجموعة‭ ‬قرارات‭ ‬لمكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬أبرزها‭ ‬إحالة‭ ‬ألف‭ ‬موظف‭ ‬إلى‭ ‬القضاء،‭ ‬وحل‭ ‬مكاتب‭ ‬المفتشين‭ ‬العموميين‭.‬

يقول‭ ‬مصدر‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬النزاهة‭ ‬الحكومية‭ ‬لمكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬«قضية‭ ‬الفساد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬دون‭ ‬جدية‭ ‬ونية‭ ‬صادقة»‭.‬

‭ ‬«الكل‭ ‬مشترك‭ ‬بالفساد»‭ ‬

ويضيف‭ ‬المصدر‭ ‬الذي‭ ‬طلب‭ ‬عدم‭ ‬كشف‭ ‬هويته‭ ‬لحساسية‭ ‬الملف‭ ‬أن‭ ‬«رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬لأنه‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الكل‭ ‬مشترك‭ ‬بالفساد،‭ ‬وحتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬معهم»‭ ‬حين‭ ‬استلم‭ ‬منصبه‭ ‬قبل‭ ‬عام‭.‬

ويرى‭ ‬المصدر،‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬يحتل‭ ‬المرتبة‭ ‬12‭ ‬في‭ ‬لائحة‭ ‬البلدان‭ ‬الأكثر‭ ‬فساداً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بحسب‭ ‬منظمة‭ ‬الشفافية‭ ‬الدولية،‭ ‬أن‭ ‬الفساد‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملفات‭.‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الملفات‭ ‬هي‭ ‬«المنافذ‭ ‬الحدودية،‭ ‬وتهريب‭ ‬النفط،‭ ‬وعقارات‭ ‬الدولة‭. ‬إذا‭ ‬قضي‭ ‬عليها‭ ‬ينخفض‭ ‬حجم‭ ‬الفساد‭ ‬كثيراً»‭.‬

ويلفت‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬لجنة‭ ‬للمفتشين‭ ‬العموميين‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬النفط‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اللجنة‭ ‬التي‭ ‬جمدت‭ ‬أعمالها،‭ ‬أوقفت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬الفساد‭.‬

ويقول‭ ‬طالباً‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭ ‬إن‭ ‬«لجنة‭ ‬المفتشين‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬النفط‭ ‬أوقفت‭ ‬مد‭ ‬أنبوب‭ ‬النفط‭ ‬العراقي‭ ‬إلى‭ ‬الأردن‭ ‬الذي‭ ‬كاد‭ ‬أن‭ ‬يكلف‭ ‬مليون‭ ‬ونصف‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬لكل‭ ‬كيلومتر‭ ‬(وهو‭ ‬رقم‭ ‬ضخم)،‭ ‬كما‭ ‬ضربت‭ ‬مصالح‭ ‬مهربي‭ ‬النفط‭ ‬والناقلات‭ ‬العملاقة‭ ‬وعقوداً‭ ‬أخرى‭ ‬كانت‭ ‬تشرف‭ ‬عليها‭ ‬مافيات‭ ‬الأحزاب‭ ‬الفاسدة»‭.‬

وتلك‭ ‬اللجان‭ ‬التي‭ ‬تتواجد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وزارات‭ ‬الدولة‭ ‬وإداراتها‭ ‬العامة،‭ ‬منوطة‭ ‬بالمراقبة‭ ‬باسم‭ ‬الوزارة‭ ‬التابعة‭ ‬لها‭.‬

وتجميد‭ ‬عملها‭ ‬«لم‭ ‬يضف‭ ‬رغيف‭ ‬خبز‭ ‬للفقراء‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين،‭ ‬إنما‭ ‬أثلج‭ ‬صدور‭ ‬الفاسدين»،‭ ‬بحسب‭ ‬المسؤول‭ ‬العاطل‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬تقنياً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭.‬

وبحسب‭ ‬المصدر‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬النزاهة،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬مثل‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬التدابير‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬الحكومة‭ ‬مؤخراً،‭ ‬«عزل‭ ‬الموظفين‭ ‬الصغار،‭ ‬فيما‭ ‬مافيات‭ ‬الأحزاب‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تسيطر»‭.‬

وقبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أسبوع،‭ ‬أعلن‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬وجهه‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬أنه‭ ‬سلم‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬«لائحة‭ ‬بأسماء‭ ‬ألف‭ ‬موظف»‭ ‬متهمين‭ ‬بالفساد،‭ ‬متعهداً‭ ‬بتقديم‭ ‬لائحة‭ ‬أولية‭ ‬بأسماء‭ ‬مسؤولين‭ ‬كبار‭ ‬«خلال‭ ‬ساعات»‭.‬

‭ ‬موعد‭ ‬مقبل‭ ‬مع‭ ‬الشارع‭ ‬

وأكد‭ ‬مكتب‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬حينها،‭ ‬أن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬وزراء‭ ‬سابقين،‭ ‬ومسؤولين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬في‭ ‬مناصبهم‭. ‬ولكن،‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬الإعلان‭ ‬رسمياً‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬اسم‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬رغم‭ ‬صدور‭ ‬أحكام‭ ‬بالسجن‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بحق‭ ‬وزيري‭ ‬تجارة‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬بتهم‭ ‬فساد‭. ‬ولكن‭ ‬حين‭ ‬صدور‭ ‬الأحكام،‭ ‬كانا‭ ‬قد‭ ‬غادرا‭ ‬البلاد‭.‬

وصارت‭ ‬التظاهرات‭ ‬ضد‭ ‬الفساد،‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬لكن‭ ‬خلال‭ ‬ستة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول/أكتوبر،‭ ‬وشابتها‭ ‬أعمال‭ ‬عنف‭ ‬دامية،‭ ‬لقي‭ ‬مئة‭ ‬وعشرة‭ ‬أشخاص‭ ‬حتفهم،‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬المتظاهرين‭ ‬الذين‭ ‬سقطوا‭ ‬بالرصاص‭ ‬الحي،‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬الشارع‭.‬

وترى‭ ‬هدى‭ ‬سجاد،‭ ‬النائبة‭ ‬في‭ ‬ائتلاف‭ ‬«النصر»‭ ‬الذي‭ ‬يتزعمه‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬السابق‭ ‬حيدر‭ ‬العبادي،‭ ‬المعارض‭ ‬حالياً،‭ ‬أن‭ ‬«كل‭ ‬إجراءات‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬ليست‭ ‬بالمستوى‭ ‬المطلوب»‭.‬

واعتبرت‭ ‬أن‭ ‬«المشكلة‭ ‬الأساسية‭ ‬أن‭ ‬الفساد‭ ‬هو‭ ‬تكريس‭ ‬المحاصصة‭ ‬الحزبية»‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬الشارع‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬المقبلة،‭ ‬واضح‭ ‬الآن،‭ ‬مع‭ ‬دعوة‭ ‬الزعيم‭ ‬الشيعي‭ ‬النافذ‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬زيارة‭ ‬أربعينية‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬في‭ ‬كربلاء،‭ ‬إلى‭ ‬تظاهرة‭ ‬ضد‭ ‬الفساد‭.‬

وعلى‭ ‬مقلب‭ ‬آخر،‭ ‬يلوح‭ ‬المحتجون‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول/أكتوبر‭ ‬الحالي،‭ ‬الذي‭ ‬يصادف‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬تولي‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬منصبه‭.‬

مشاركة