الفجوة بين المثقّف وصاحب القرار – عبد الحسين شعبان

الفجوة بين المثقّف وصاحب القرار  – عبد الحسين شعبان

لا تستقيم السياسة إلاّ بأركانها الثلاثة الأساسية: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تغطي خريطة التغيير المنشود، الذي لن يتحقق دون أمن وأمان وبتعاون الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وذلك في سياق التوجّه نحو التنمية بجميع أبعادها. إن ذلك يتطلّب تلبية الحقوق الإنسانية كحاجة أساسية ولا غنى عنها للوصول إلى التقدم،  فالسياسة في نهاية المطاف هي التعبير المكثف للاقتصاد، وهذا الأخير يعكس درجة تطور المجتمع وعلاقاته الانتاجية وثقافته.

لقد شغل موضوع إعداد ميثاق اجتماعي واقتصادي وثقافي عربي، نخباً فكرية وأكاديمية وثقافية واجتماعية وسياسية حكومية سابقاً وغير حكومية بهدف استخلاص حلول ووضع معالجات لمشكلات قائمة وتبادل رأي بخصوص إشكاليات وتحدّيات كبيرة على المستوى العربي أو على مستوى كل بلد عربي. وكان اندلاع حركة الاحتجاج والتغيير التي شهدها العالم العربي منذ العام 2011 أن فتح باب النقاش والجدل على مصراعيهما.

في البداية طُرح مشروع ميثاق اجتماعي عربي كمسوّدة أولية، وتم مناقشتها بين عدد محدود، ثم توسّع النقاش ليشمل عدداً من الخبراء وأصحاب الاختصاص والشخصيات المهتمة ومن توجهات مختلفة، وبعد إقراره مبدئياً، تم عرضه على الهيئة العمومية لمنتدى الفكر العربي الذي أجرى نقاشاً موسعاً حوله واقترح إضافات وتعديلات ، وكان للشباب حصة كبيرة فيه حيث تم مناقشته في مؤتمر للشباب انعقد في عمان بعنوان ” المستقبل العربي في ضوء الحراك الشبابي”. وكانت مبادرة إطلاق الميثاق الاجتماعي العربي مهمة، لجهة المنظور الشامل للمشروع الحضاري النهضوي العربي، خصوصاً للتنوّع والتعددية الفكرية والسياسية لدى مناقشتها من جانب فئات مختلفة.

والميثاق هو أقرب إلى قواعد لعقد اجتماعي، يسعى للتمكين القانوني للفرد والمجتمع، تحقيقاً للكرامة الإنسانية والحياة الحرّة الكريمة وتحفيز روح المواطنة والوطنية في دولة تكفل الحريات والحقوق، وتسعى للرفاه والتقدم ومجتمع المعرفة. وقد أخذ هذا الميثاق الخصائص المتميّزة للمجتمعات العربية في مشتركاتها وفي تفرعاتها، لاسيّما جذورها وتاريخها وامتداداتها الحضارية، أي أنه عكس هوّيتها الجماعية الموحّدة من جهة، وحافظ على هوّياتها الفرعية وخصوصيتها من جهة ثانية، وقد كان في أساسه وتوجّهه يسعى إلى المشاركة في عملية التغيير، ولاسيّما من خلال خطاب جديد يستجيب لمتطلبات المرحلة من التحوّل الديمقراطي . ويمكن للميثاق بتوجهه العام أن يكون خلفية مرجعية لأي دستور عربي جديد أو مطروح للمناقشة.الميثاق اعتمد على التلازم بين الحرية والعدالة باعتبارهما قضيتين أساسيتين ذات قيمة إنسانية عضوية، حيث سعى إلى التأكيد على الحقوق المدنية والسياسية، مثل سعيه إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية انسجاماً مع شعارات حركات التغيير العربية التي دعت إلى الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

جدير بالذكر بأن الميثاق أرسل إلى الزعماء والرؤساء العرب والمؤسسات العربية الحكومية والمدنية، وهو بمثابة دعوة جديدة للحوار انطلاقاً من تعظيم الجوامع وتقليص الفوارق، خصوصاً ما يمثّله من ضوابط أخلاقية وقانونية تشكّل أساساً لتلبية الحاجات الإنسانية الأساسية، بربطه بين الدولة (كقطاع عام) وبين القطاع الخاص وثالثهما المجتمع المدني، وذلك لإدراكه أنه دون تعاونها ستبقى إحدى مقوّمات النهوض ناقصة، وعرجاء، وتلك إحدى دروس التجربة التاريخية.

لم تكتفِ النخبة المبادرة إلى إطلاق الميثاق الاجتماعي العربي، بل عملت وبإشراف الأمير الحسن بن طلال إلى التوجه صوب ميثاق اقتصادي عربي قام بإعداده  مشروعه الأولي جواد العناني وابراهيم بدران، وذلك من خلال تقديم رؤية عربية للنهوض الشامل والاعتماد على الذات وطنياً وعربياً ولتكوين كتلة اقتصادية قوية تتألف من لبنات صلبة وحيوية، هي الاقتصاد الوطني لكل بلد عربي، ذلك أن اللبنات الضعيفة لا تصنع بنياناً قوياً، على أمل أن تكون الأقطار العربية في مجموعها أو بثقلها الأساسي قادرة على المنافسة مع الكتل الاقتصادية الدولية التي راحت تغطّي القارات جميعها، كما جاء في المقدمة. وإذا كان العالم العربي يمتلك ثروات طبيعية كبيرة، فالعبرة ليست بامتلاكها كمادة خام، بل بتصنيعها ورفع قيمتها المضافة وتوظيفها لتكون أساساً لصناعات متعددة، الأمر الذي يتطلب رؤية شاملة ومشتركة لإحداث التغيير الاقتصادي والاجتماعي المنشود.

وكما هو معروف فالاقتصادات العربية لا تزال اقتصادات ما قبل صناعية وتعتمد على الزراعة والخدمات والتجارة، وتشكّل الثروات الطبيعية، مثل النفط والغاز، التي تباع بدون تصنيع، أساس اقتصادات وموارد الكثير من البلدان العربية، وهو ما يطلق عليها “الدولة الريعية”، التي تقوم على مجتمعات استهلاكية واقتصادات تجارية وسيطة، وهذا قاد إلى تفاقم الفجوة بين المتخمين والمحرومين، وبين الأغنياء والفقراء، واتسعت جيوب الفقر وتقلصت الطبقة الوسطى، مثلما أصبحت  البطالة ظاهرة مستفحلة وأدى ذلك إلى بطء معدلات النمو وانخفاض مستوى التعليم والتدريب والتأهيل، يضاف لها مشاكل التصحّر والبيئة وانخفاض منسوب المياه .

إن التغييرات التي انطلقت في العالم العربي تتطلب مواجهة التحدّيات المستقبلية، خصوصاً بجانبيها الاجتماعي والاقتصادي لرسم ستراتيجية بعيدة المدى تقوم على التعاون والعمل المشترك، فلم يعد بالإمكان التصدي لها دون شراكة القطاع الخاص والمجتمع المدني، خصوصاً وأن موجة الاحتجاجات جاءت تعبيراً عن شحّ الحريات والنقص الفادح في العدالة الاجتماعية.

ولعلّ من أهم ما يقتضي التركيز عليه هو الدولة الوطنية التي تحتاج إلى استعادة هيبتها وتجاوز الاخفاقات التي واجهتها طيلة العقود الخمسة الماضية، مثلما يحتاج الأمر إلى تحويل العلاقة مع دول الجوار العربي، من التوتر والنزاع المحتمل إلى الصداقة الدائمة القائمة على المصالح الاقتصادية والتعاون المبني على تكافؤ الفرص وتبادل المنافع والرغبة في حياة أفضل. واستكمالاً للميثاق الاجتماعي العربي، فإن الميثاق الاقتصادي العربي يذهب إلى الحديث عن  حقوق عديدة مثل اللغة والتأليف والترجمة ودور المرأة وأهمية تأهيل القوى العاملة وتطوير البحث العلمي والتطوير التكنولوجي  والاهتمام بالشباب  والإبداع والطاقة والمياه والبيئة والنقل في إطار دينامية جديدة، مع تهيئة مستلزمات بُنية تحتية وحركية مجتمعية جديدة وتجارة بينية والاهتمام بالزراعة والأمن الغذائي.

وإذا كان إصلاح المؤسسات العربية المشتركة ومجالسها النوعية أمرٌ لا غنى عنه لبناء ستراتيجيات عربية، فلا بدّ من أخذ المستجدات والتغييرات بنظر الاعتبار، وذلك بهدف الخروج من الاقتصاد الريعي كطموح مستقبلي عن طريق تشجيع الريادية والشركات والاستثمار الخاص والتعاونيات والشركات المشتركة ودعم المبادرات الفردية والمجتمعية، وإقامة شراكات لا طلب مساعدات في إطار إقليم حضاري صناعي حديث، يقوم اقتصاده على المعرفة، وهذا يتطلب رؤية جديدة للعمل العربي المشترك وللتعاون العربي، فالشراكة تفتح آفاقاً لحقول وجوانب لا تزال حديثة وجديدة، مثلما يمكن أن تشكل سوقاً واسعة ومتنوّعة، ذلك إن الشراكة بين الدول والمستثمرين تؤدي الى تعزيز بناء الاقتصاد الوطني.

وإذا كانت الحقيقة الراهنة التي لا بدّ من إدراكها وتلمس معانيها ودلالاتها، وهي حقيقة وجود الكتل الكبيرة اقتصادياً وتجربة الاتحاد الأوربي أمامنا، فإن وجود كتلة اقتصادية عربية سيؤدي إلى دعم كل عضو فيها، خصوصاً ما يربطها برّاً وبحراً وجوّاً، ناهيكم عن اللغة والدين والتاريخ المشترك والثقافة المشتركة.

لقد تمت مناقشة الميثاق الاجتماعي العربي على نطاق واسع، وشكّل أساساً للميثاق الاقتصادي العربي، ويحتاج الأمر  الآن إلى حوار معرفي وثقافي متنوّع ومتعدد الجوانب لإقراره كجزء من برنامج عربي، يمكن أن يغتني بميثاق ثقافي عربي، يأخذ بنظر الاعتبار مسألة التنوّع والتعدّدية، مثلما يذهب إلى تأكيد الالتزام بالحقوق والتمايزات الثقافية، الدينية والإثنية واللغوية والسلالية والاجتماعية في العالم العربي كهوّيات فرعية في إطار الهوّية الوطنية العامة والجامعة، على أساس المواطنة المتساوية  وتكافؤ الفرص ومنع التمييز لأي سبب كان، سواءً في تولّي الوظائف العليا في الدولة أو في المجتمع، مع تأكيد مبدأ حكم القانون واستقلال القضاء وإشاعة الحرّيات.

ولا شكّ أن ميثاق ثقافي عربي، لا بدّ أن يصب جهوده على تمكين المرأة ومساواتها مع الرجل وتأكيد دورها القيادي بعيداً عن التمييز، سواءً بسبب الجنس أو اللون أو الدين ألو العرق أو الأصل الاجتماعي ولأي سبب كان.

إن ميثاقاً عربياً بمثابة عقد اجتماعي جديد يمكن أن يكون مادة للحوار بين أصحاب القرار وبين المثقفين لتجسير الفجوة، فضلاً عن الدور الذي يمكن أن يقوم به المجتمع المدني، كشريك وقوة اقتراح، ولعلّ ذلك يشكّل رد اعتبار للرأي العام ومؤسساته وإعلامه الحر ونقاباته ومنظماته في إطار رحب من الحرية والعدالة، أساسا حركة التغيير العربية التي يتوخّاها المشروع النهضوي العربي وحركة التنوير العربية.

{ باحث ومفكر عربي

مشاركة