الفاتيكان في ضيافة النجف – علي الشكري

745

الفاتيكان في ضيافة النجف – علي الشكري

يقيناً أن زيارة بابا الفاتيكان الأولى الى العراق حدث تاريخي ليس للعراق حسب ولكن للفاتيكان أيضاً ، بلحاظ زعيم طائفة دينية يزور زعيم طائفة هو الأبرز بعد التغيير وربما  الأهم بتاريخ العراق المعاصر ، زعيم لازم بيت قديم في زقاق ضيق في محلة قديمة ضاربة جذورها في عمق التاريخ ، نعم لقد تشدق السيد المرجع الأعلى بأستار بيت كان ولما يزل مستأجر ، بيت لا يقتنع به بسطاء الناس ، بيت احتضن العلم والحكمة والزهد والوسطية والتواضع والرفعة كلها ، فتشرف البيت بقاطنه ، كما تشرفت المحلة والشارع والنطاق به ، فقد اضحى شارع الرسول هو الأبرز بين شوارع العالم ، وراحت الأنظار تشخص اليه ، لا لتاريخه وجذوره الضاربة في عمق التاريخ ، ولا لكونه واقع ضمن نطاق السور على حد المصطلح النجفي ، ولكن لأن الكبير سكنه وأقام فيه ولازمه في وقت الشدة والرخاء ، في وقت الإقامة الجبرية والرقابة والتتبع ، وفي زمن حكم من انتمى للطائفة وادعى الانتصار لمظلوميتها ، فظلمها واساء اليها ، حتى أصبحت صفة رجالها والمتصدي منهم في ميدان الحكم فاشلين فاسدين ، وهم ليسوا فاشلين ولا فاسدين ، لكن بعض من تقدم وثُنيت له الوسادة كي يكون في مقدمة الركب هو الفاشل الفاسد .

لقد راح البعض يطرح التساؤل لماذا  الفاتيكان يأتي قاصداً النجف وليس غيرها ، أليس في العراق كبير الا الكبير الذي حمى بحكمته ، وعدل بوسطيته ، وأطعم  بزهده ، وجمع بوسطيته ، وعبر بالوطن بأبويته ، فدخل تاريخ المرجعية من اوسع ابوابها ، فكان الأشهر بين الجميع ، ويقيناً أن في العراق الكبير والحكيم والمعتدل والوسطي والراعي والحامي ، لكن بعض الظواهر لا تتكرر ، ومن بينها النجف وزعيمها الروحي الديني ، فهل من ارض غير النجف تشرفت بعلي وجسده الطاهر ؟

وهل غيرها ضمت رفات ادام ونوح ، وهود وصالح ؟ وهل من مدرسة امتد تاريخها لألف سنة ونيف وستبقى قائمة حتى يشاء الله ؟ وهل من ارض غيرها سيخرج منها من سيملء الأرض عدلاً وقسط بعد أن امتلئت ظلماً وجوراً ؟

وهل يعلم من راح يثير  التساؤل وربما يشاغب بتساؤله عن الحكمة من زيارة النجف ، أن النجف ملك سيدنا إبراهيم عليه السلام يوم كانت تسمى ” بانيقيا” ، عظيمة في مقامك النجف ، في ملكك كبيرة ، وفي علمك شامخة ، وبرجالك الأعظم بلا منازل ، تخّرج من مدرستك اسماء راحت راسخة في ذاكرة الأجيال وفي قواميس العظماء واحتفظ علم الرجال باسماء ولدت وترعرت وسمت في النجف ، ويسألونك عن السر في النجف ، نعم لقد تعرضت النجف ولما تزل لحملات ارادت النيل منها ، لكنها حاضرة محمية ، شاءت الإرادة الإلهية أن تكون كبيرة ، ومن حاباه الله بهذا المقام لن ينال منه متقول حاقد ، ويسألونك عن زيارة البابا للنجف ، وهل اطهر منها رقعة في بقاع الأرض ؟

النجف ارض الغري ، في النجف مقبرة السلام ، في النجف المدرسة والإمام والوصي والولي والنبي ، في النجف العالم والفقيه والأديب والشاعر ، في النجف حاضرة التشييع ، النجف العاصمة التي ما توج حاكم في العراق الا بمباركتها ، ومن لم تباركه ظل حكمه قلق ، النجف العصية على كل الطاغات من الأولين والآخرين ، النجف تنتج وغيرها يقطف ، النجف الحامية والحافظة ، النجف تطلع لها الأولون والمتأخرون ، النجف العصية على المحتل ، اليها شخصت الإبصار ، ومن مرجعيتها أُسمع من به صمم ، في النجف أرغم المحتل على كتاب اول دستور دائم بأيدٍ عراقية بعد أن استقتل المحتل على كتابته بيده كي يُثّبت ما ينفع ويمنع ما يُقصّر عمره ويُفرق ويُشّتت ، من النجف خرجت فتوى الانتخابات النيابية الأولى ، ومنها خرجت فتوى الانتخابات المبكرة الأخيرة ، من النجف خرج شعار الوحدة ” هم أنفسنا ” بعد أن راحت رياح التفرقة تعصف بوحدة الشمل ، من النجف خرجت فتوى حرمت الدم العراقي ، ومنها صدح صوت ضبط النفس بعد أن تعرضت مراقد المعصومين في سامراء للعدوان الإرهابي ، وهل سينسى تاريخ المتقدمين والمتأخرين فتوى العصر التي كتبت للعراق عمر جديد بعد أن اصبح قاب قوسين أو ادنى من السقوط محـــــــــتلاً من اقصاه الى اقصاه ، وقائمة الكرامات تطول ، ويسألونك عن شرفية النجف ومقامها ، والسر المستودع فيها ، هي النجف ، هي العاصمة ، هي الملجأ والمعتصم ، هي المثوى وإليها المنتهى ، هي الـــــــشرف ، هي الغيرة ، هي الحكمة ، هي الشهرة ، هي الأولى قبل كل مُقدّم ، هي الثورة ، هي التصحيح ، هي الماضي ، هي الحاضر ، هي القادم ، ويسألونك عن النجف ، وهل اشرف منها ارض تُقصد ، بها يتـــــــــشرف القاصد ، ومنها يستزيد القادم ، وإليها ينتهي المصري ، على الجاهل بشأن النجف أن يقرأ تاريخ النجـــــف ويستحضر حاضرها قبل السؤال بخبث عن السر في تقديم النجف ، لكن الحاضرة لن يُضيرها نُعاق الغربان ، التي ما خُلقت الا سوداء مبغوضة كصوتها .

مشاركة