
الـ (أكو) والـ (جـا)
إرث أصيل للصابئة المندائيين
قيس سعدي
نعم، المفردتان من العامية العراقية، وما العامية إلا خليط لغة العراقيين الأوائل مع العربية الوافدة. فاللسان العراقي أول ألسنة اللغات، حفظت جانبا كبيرا من مفرداته الكتابات المسمارية بسومريتها، ومنها للأكدية الثرية أم الآرامية التي وصلت الهند والصين وتفرعت شرقية وغربية وشمالية وجنوبية. ونصيب بلاد ما بين النهرين الآرامية الشرقية ولهجة جنوبها البابلية التي حفظتها اللغة المندائية بأمانة لأن المندائية لم تتأثر بلغات الشعوب المحيطة فلم تدخل مفرداتهم إليها بحكم عدم إختلاط المندائيين مع غيرهم. هكذا ظلت لغتهم أمينة على الآرامية الشرقية بفرعها الجنوبي خاصة. ويشير اللغويون لمن يريد أن يقف على اللغة البابلية وعلى لغة التلمود، فإن عليه تعلم المندائية.
واللغة المندائية شأن عموم عائلة اللغات السامية تكتب من اليمين إلى اليسار ولها أبجديتها الخاصة وتتكون من 22 حرفا أصليا ويكمل العدد فلكيا ليصبح 24 حرفا بإضافة أدا التعريف (اد) لتكون حرفا وإعادة حرف الألف الذي تبدأ به ليكون آخر حرف أيضا إنطلاقا من فلسفة أن كل شيء في منتهاه يعود إلى مبتداه. وتكتب الحروف متصلة من اليمين واليسار عدا خمسة أحرف تتصل من اليمين فقط.
والعامية العراقية تتضمن مئات كثيرة من المفردات غير العربية. وبعد عزل المفردات الفارسية والتركية والمغولية والإنكليزية يبقى المئات منها أيضا. وقد سعى عدد من الباحثين والمعنيين في متابعة ذلك محاولة في فك العجمة وإعادة تأصيل هذه المفردات وذهب البعض في هذا مذاهب قدر إستطاعته أمثال الأب أنساس الكرملي والشيخ جلال الحنفي. وقد وجدنا في بحثنا ومتابعتنا أن جذور وأصول هذه المفردات متأت من لغة العراقيين الأولى سواء كان أكديا أو من الوريث الآرامي، وعملت عليه عوامل الزمن في عدم متابعة الأصل أو تأثره بالنحت والتداخل وتغير اللفظ. وفي ضوء معرفتنا باللغة المندائية فقد سعينا لمتابعة ذلك ووقفنا بفرح على الكم الكثير من هذا التأصيل الذي يعود لهذه اللغة بحسب قاموس مفرداتها كونها لغة بابل وجنوب العراق، وإن إنحسرت فإنها ظلت محفوظة في كتبهم وآدابهم ولهم بذلك شرف إرث رافديني عراقي مؤشرا لوجودهم الأصيل في هذا الوطن الحبيب.
ومن هذه المفردات ما هوشائع، بل ويعد سمة للعامية العراقية كما في مفردة ( أكو/ ماكو) و (جـا) وهما من القاموس الفصيح للغة المندائية. فمفردة (أكو) هي في المندائية (أكا) وتعني المعنى نفسه (يوجد) وهذه المفردة أساس الشهادة المندائية التي تبدأ: أكا هيي بمعنى الحي (الله) موجود. ولاشك أن نفيها بـ (ما) يعني لا يوجد فانطلق التعبير الشائع (أكو/ماكو).
وأما مفردة (جـا) فقد خب فيها البعض وذهب مذاهب شتى حتى وقفنا على تأصيلها في فعل (شا: ش، ا، ا) في اللغة المندائية والذي يعني: قل، أذكر، تحدث. وحيث أن قلب الشين إلى جيم ثلاثية النقاط بلفظها معهود في المنطقة، فقد تحول الـ (شا إلى جـا) وبالمعنى نفسه، ولذلك تكون صيغة إستخدام الـ (جـا) لتعقب بالسؤال فيقال: جـا وين؟ جـا شلون؟ جـا شمالك؟ جـا إنت ما تدري؟ … وهكذا
وحيث أن مفردة (أكو) عامة في اللسان العراقي من شماله إلى جنوبه بل وحتى في عامية بعض دول الخليج، فإن الـ (جـا) صارت مقترنة بعامية الجنوب العراقي، وهذا طبيعي لأن هذه هي بيئة هذه المفردة الأولى، ويعتمد مقابل الـ (جـا) في بغداد خاصة مفردة (لعد). وقد يتبغدد البعض بالـ (لعد) على أهل الـ (جـا) ويدافع أهل الـ (جـا) عن (جـائهم) فيقول أحدهم للآخر في بيت الدرامي الذي قلناه:
جـا وشحلات الـجـا، جـا لعدك إنت؟ جـا والحـجـي بلا جـا، جـا شنهي لذته!
ومع ذلك فإننا وجدنا أن تأصيل مفردة (لعد) هو من (لا) أداة نفي و(آد) التي ترد في قاموس اللغة المندائية بمعنى (فإن، إذن، إلى حين، حتى) وبالتالي فإن مفردة (لعد) تفيد معنى (من أجل ما) وبهذا فهي تلتقي مع الـ (جـا) تماما وكلاهما مفردتان فصيحتان مندائيا. مثل هذا الكثير الذي قمت بتوثيقه وتأصيله في كتابي (معجم المفردات المندائية في العامية العراقية) الذي عرضت فيه حوالي 1300 مفردة من أمثال ما ذكرت وأخرى مثل: جـوبي، أبو خريان، يمعود، موليتين، جِرش، دللول، واهلية، زعطوط، جـلاق، طركاعة، يطنكر، يشوّر، جغده، أبو الهلس، عكروكة…



















