الغموض يحيط بنظرية الفيزياء الكمومية بعد مئة عام على وضعها

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬تفسير‭ ‬النظرية‭ ‬الكمومية‭ ‬التي‭ ‬أحدثت‭ ‬تطبيقاتها‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬تصفه‭ ‬يبقى‭ ‬غامضا،‭ ‬يثير‭ ‬انقسام‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬بعد‭ ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬وضعها،‭ ‬بحسب‭ ‬دراسة‭.‬

توضح‭ ‬عبارة‭ “‬اصمت‭ ‬واحسب‭!” ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬الكمومية،‭ ‬وهو‭ ‬مجال‭ ‬حاز‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬جوائز‭ ‬نوبل،‭ ‬التناقض‭ ‬الذي‭ ‬يواجهه‭ ‬هؤلاء‭ ‬الباحثون‭.‬

تصف‭ ‬المعادلات‭ ‬التي‭ ‬يستخدمونها‭ ‬بدقة‭ ‬فائقة‭ ‬سلوك‭ ‬الأجسام‭ ‬في‭ ‬الصغر‭ ‬المتناهي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ليست‭ ‬الظواهر‭ ‬الفيزيائية‭ ‬الكامنة‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الرياضيات‭ ‬مفهومة‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭.‬

بدأ‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬عندما‭ ‬لاحظ‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ ‬المبادئ‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬للفيزياء‭ ‬لا‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الذري‭.‬

تتفاعل‭ ‬الفوتونات‭ ‬والإلكترونات‭ ‬كجسيمات‭ ‬وموجات،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬مواقع‭ ‬أو‭ ‬سرعات‭ ‬أو‭ ‬مستويات‭ ‬طاقة‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬آن‭.‬

في‭ ‬العام‭ ‬1925،‭ ‬ابتكر‭ ‬النمسوي‭ ‬إروين‭ ‬شرودنغر‭ ‬والألماني‭ ‬فيرنر‭ ‬هايزنبرغ‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬الرياضية‭ ‬المعقدة‭ ‬التي‭ ‬تصف‭ ‬نظاما‭ ‬كموميا‭ ‬وتطوّرَه‭ ‬باستخدام‭ ‬الاحتمالات‭. ‬تُمكّن‭ ‬هذه‭ “‬الدالة‭ ‬الموجية‭” ‬من‭ ‬التنبؤ‭ ‬بنتائج‭ ‬القياسات‭ ‬التي‭ ‬تُجرى‭ ‬على‭ ‬جسيم‭.‬

تزخر‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬بالاختراعات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحسابات،‭ ‬كالليزر،‭ ‬ومصابيح‭ ‬الليد،‭ ‬والترانزستورات‭ ‬في‭ ‬هواتفنا‭ ‬المحمولة‭.‬

لكن‭ ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬اللامتناهي‭ ‬الصغر؟

بينما‭ ‬يجتمع‭ ‬أبرز‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬هيليغولاند‭ (‬ألمانيا‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬كتب‭ ‬هايزنبرغ‭ ‬معادلاته‭ ‬التأسيسية‭ ‬قبل‭ ‬مئة‭ ‬عام،‭ ‬طرحت‭ ‬مجلة‭ “‬نيتشر‭” ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬على‭ ‬1100‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬الجسيمات‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬الاستطلاع‭ ‬الواسع،‭ ‬لاحظت‭ ‬المجلة‭ “‬غيابا‭ ‬ملحوظا‭ ‬للإجماع‭” ‬حول‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬النظرية‭ ‬الكمومية‭ “‬حقا‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭”.‬

وأيّد‭ ‬ثلث‭ (‬36%)‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬الذين‭ ‬شملهم‭ ‬الاستطلاع‭ “‬تفسير‭ ‬كوبنهاغن‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬الرأي‭ ‬السائد‭. ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬لكل‭ ‬جسم‭ ‬خصائص‭ (‬السرعة،‭ ‬الموقع‭…)‬‭ ‬بقيم‭ ‬محددة‭ ‬جيدا،‭ ‬سواء‭ ‬أكنا‭ ‬نلاحظها‭ ‬أم‭ ‬لا‭. ‬يختلف‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الكمومي،‭ ‬بحسب‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬وضعه‭ ‬هايزنبرغ‭ ‬والدنماركي‭ ‬نيلز‭ ‬بور‭ ‬في‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يتفاعل‭ ‬المراقب‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الجسم‭ ‬ليقيسه،‭ ‬فـ‭”‬يختار‭” ‬الجسم‭ ‬حالة‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الحالات‭ ‬الممكنة‭ ‬التي‭ ‬تصفها‭ ‬دالة‭ ‬الموجة‭. ‬ويقال‭ ‬إن‭ ‬دالة‭ ‬الموجة‭ “‬تنهار‭”.‬

يقول‭ ‬ديسيو‭ ‬كراوس‭ ‬من‭ ‬الجامعة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬في‭ ‬ريو‭ ‬دي‭ ‬جانيرو،‭ ‬في‭ ‬الاستطلاع‭ ‬الذي‭ ‬أجرته‭ ‬مجلة‭ “‬نيتشر‭”‬،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ “‬أبسط‭ ‬تفسير‭ ‬لدينا‭”‬،‭ ‬ويضيف‭ ‬انّ‭ ‬البدائل‭ ‬تطرح‭ “‬مشاكل‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬أسوأ‭ ‬برأيي‭”. ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬يدعم‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬مقاربات‭ ‬أخرى‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬نهج‭ ‬العوالم‭ ‬المتعددة‭ (‬15%‭) ‬الذي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬دالة‭ ‬الموجة‭ ‬لا‭ ‬تنهار،‭ ‬بل‭ ‬تتفرع‭ ‬إلى‭ ‬أكوان‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬المحتملة‭.‬

عندما‭ ‬يُجري‭ ‬الراصد‭ ‬قياسا،‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬نتيجة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬معين،‭ ‬مما‭ ‬يفترض‭ ‬وجود‭ ‬أكوان‭ ‬متوازية‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭. ‬يقول‭ ‬شون‭ ‬كارول‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ “‬جونز‭ ‬هوبكنز‭” ‬في‭ ‬الاستطلاع‭ “‬إنّ‭ ‬ذلك‭ ‬يتطلّب‭ ‬تعديلا‭ ‬جذريا‭ ‬في‭ ‬حدسنا‭ ‬تجاه‭ ‬العالم،‭ ‬ولكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬هذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬توقّعه‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬أساسية‭ ‬للواقع‭”.‬

هل‭ ‬هناك‭ ‬حدود‭ ‬فاصلة‭ ‬بين‭ ‬العالم‭ ‬الكمومي‭ ‬والعالم‭ ‬العياني،‭ ‬حيث‭ ‬تتغير‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬فجأة؟‭ ‬تنقسم‭ ‬الأوساط‭ ‬العلمية‭ ‬أيضا‭ ‬هنا،‭ ‬إذ‭ ‬أجاب‭ ‬45%‭ ‬من‭ ‬الفيزيائيين‭ ‬الذين‭ ‬شملهم‭ ‬الاستطلاع‭ ‬بـ‭”‬نعم‭” ‬فيما‭ ‬أجاب‭ ‬العدد‭ ‬نفسه‭ ‬بـ‭”‬لا‭”.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬أعرب‭ ‬24%‭ ‬منهم‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬ثقتهم‭ ‬بأن‭ ‬التفسير‭ ‬الذي‭ ‬يفضلونه‭ ‬هو‭ ‬التفسير‭ ‬الصحيح‭. ‬و75%‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬النظرية‭ ‬ستُستبدل‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬بأخرى‭ ‬أكثر‭ ‬شمولا‭.‬

وسيواصل‭ ‬آلاف‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬على‭ ‬الحواسيب‭ ‬الكمومية‭ ‬أو‭ ‬التشفير‭ ‬الكمومي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬تطبيق‭ ‬شعار‭ “‬اصمت‭ ‬واحسب‭!”.‬