الغســـــق – نصوص – نهى الخيرو
توقفت لحظات وعيناها تدمع وإلتفت إلى الخلف لتودع كل شيء،، قلبها ،، وحياتها أحلامها ،، تحاول جاهدة أن ترفع قدمها لتتقدم إلى الأمام لكنها لا تقوى على الحراك ،، كيف تترك كل ذكرياتها ،،طفولتها ،، وحبيبها الذي نزف دماءه هنا ، ولفظ أنفاسه الأخيرة هنا ،، وعلى هذه الأرض سقط حبيبها زوج المستقبل .. وقفت باكية مقتولة بقلبها كيف حدث ذلك ؟ كيف تبدد الفرح .. وقتل الأمل ،تذكرت وهي تودع الأنقاض التي تراها بعينها تلك اللحظات الجميلة ربما كانت أياماً وأسابيع ولكنها الآن تتذكرها لحظات بسيطة تمر أمامها بأكملها ، كيف كانت تخرج مسرعة من منزلها لتذهب إلى جامعتها ، وكان ( حسان ) إبن عمها يقف بإنتتظارها ليصحبها إلى الجامعة وبرفقتهم أخيها الصغير( أحمد) الذي يذهب إلى مدرسته برفقتهم … و كان كل صباح يصطحبها بحكم إنه إبن عمها ولأنه خطيبها منذ صغرهم ، وكبرت ( سارة ) وكبر حب (حسان ) معها وكانا ينتظران بفارغ الصبر تخرجها الذي أصبح وشيك ليتم زواجهما ،، بعد أن أقاما حفل خطوبة حضرهُ الأهل والأقارب ..فرحين مباركين هذا الزواج الذي أحبه الجميع … وكانت كأميرة بفستانها الزهري ،،!! الزهري… لون ( حسان ) المفضل اللون الذي اختاره لكل شيء يجلبه لها وفي تجهيزات بيتهم الجديد ( عش الزوجية السعيد) الذي ظنا بأنه سيكون فعلاً سعيداً عكس ما كتب القدر لهما ،، وتذكرت كيف ذهبت إلى الجامعة بعد يوم الخطبة وهي طائرة كحمامة من فرحها وتتباها بحبيبها وبخاتم الخطبة وكيف تخبر صديقاتها ( لقد خطبني رسمياً نعم ،، وعقدنا قراننا وأصبحت زوجته رسمياً اليوم تكلل حبي له بالزواج اليوم شعرت بأني له وإنه لي وحدي ) قالت كلماتها وهي مبتسمة والفرحة لا تسعها ،، لدرجة إنها بقيت سارحة في المحاضرة غير مبالية بكلمات الأستاذ والمادة التي يطرحها فلم تبال بالمادة القانونية التي بدأ بشرحها فكل عقلها وإحساسها بقانون الحب الذي طبق بموجبه خطبتها وعقد قرانها ،، ودرست القانون وأحبته لحبها (لحسان ) الذي يعمل محامياً.
وفي لحظة مفاجأة سحبتها والدتها من يدها (( حبيبتي .. سنقتل إن لم نسير سريعا هيا .. تقدمي معنا لنهرب وننجو بحياتنا .. )) كلمات والدتها أعادتها إلى الواقع المر الذي أصبح يطوقها ويخنقها .. ( إتركيني أمي أرجوك … لا أستطيع لا يمكنني تركه .. كيف أبتعد عنه وهو لم يتركني لحظة واحدة … كيف لي أن أتخلى عن حبيبي وزوجي .. كيف يمكن أن يرقد تحت التراب بمفرده ونحن تعاهدنا على أن لا نفترق حتى بعد الموت ،، وأن نبقى بجانب بعضنا البعض .. أمي نحن تعاهدنا وبنينا أحلاماً لا حدود لها وتخيلنا بيتنا وعائلتنا وأطفالنا وكيف سوف نربيهم .. أمي أستحلفك بالله إتركيني أرحلوا وتركوني لا أستطيع لا يمكنني تركه أرجوك أمي .. ) صرخت والدتها بصوت مرتفع لتوقظها مما تعيش فيه لتعيدها إلى واقع أليم إضطروا تقبله والرضوخ إليه ((إنهضي سارة .. لا يجدي ذلك نفعاً لن تغيري شيئاً الله كتب علينا مايحدث إستغفري الله وإتركيه يرقد بسلام .. نحن لا نعلم هل سندفن أم ستترك جثثنا تنهشها الحيوانات وكيف ستقتلنا عصابات داعش التي إستباحت أرضنا وحياتنا ،، وأستباحوا أحلامنا وفرحتنا .. حسبنا الله ونعم الوكيل تحركي بالله عليك سنقتل جميعنا ) .. شدتها والدتها مستعينة بوالدها الذي لم يستطع الكلام فدموعه كانت تنهمر حزناً على إبنته وعلى إبن أخيه وعائلته الذين قتلوا باللإرهاب المسمى دولة داعش ،، الإرهاب الذي أحرق كل شيء وقتل ولم يبق ،، سحبها ليوقفها .. ( تحركي يا إبنتي أرجوكِ فقلبي يحترق ألماً ولا أريد أن تضيعي أنتِ أيضاً .. حبيبتي نحن نرحل خوفاً عيكِ أنتِ وأخيكِ ولسنا خائفين على أنفسنا..) أجهشت بالبكاء وهي تحمل نفسها المثقلة بالآلام لترحل .. لتبتعد … وتتركه بمفرده ( وداعاً حبيبي .. وداعاً ياحباً سيعيش ما حييت بقلبي وتذكر بعد الموتي سألقاك وأحكي لك عن عذابي بفراقك وإستعجالك الرحيل وتركي بمفردي ) قالتها في سرها بعيداً عن مسامع أهلها لتخصه وحده بهذه العبارات وسارت برفقة والديها وأخيها ومن تبقى معهم من أقارب .. ساروا مطولاً دون معرفة لما سيحدث لهم سيصلون أم سيقتلون بالطريق الطويل الذي لا آخر له .
ساروا مطولاً متسللين للهروب حتى أحل الظلام وبدأ القمر ينير السماء ويضيء لهم الطريق ليقف معهم ويساندهم ولا يتركهم للظلماء المرعبة والمخيفة …. وكل خطوة تسير بها ( سارة ) تستذكر حياتها السابقة كيف سارت مع ( حسان) كيف كانوا يضحكان ويمرحان كيف وكيف ؟؟ لتعـــــود تسأل نفسها لماذا القـــــدر أختار ( حسان ) ولكنها تتعوذ من الشيطان ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم … ربي هذي أول ليلة لحبيبي في القرب إرحمه وأغفر له ربي لا ذنب له إلا إنه رفض الإرهاب والقتل ربي أتوسلك أن تخفف عنه )وهي تحاور نفسها سمعت صوت سيارة قريب .. فنهض والدها ليرى فأحس بأنها من سيارات الإرهابيين تطارد من يحاول الرحيل والهرب فأسرع لينادي على الجميع للإختباء ومرت السيارة دون أن يروهم وبعد ذهابها بعيدة سارعوا إلى السير سريعاً للإبتعاد حتى وصلوا لمناطق أشبه بالصحراوية التي إنقطع فيها كل شيء إلا ضوء القمر الذي بقي يرافقهم لينير لهم الطريق ويخفف عنهم حدة الظلام …. فساروا حتى بدأ الفجر بالظهور ليأخذ مكان القمر في إنارة الطريق إليهم وبدأ صبح جديد على المدينة التي أثقلها القتل والتخريب يوم آخر يقتل فيه الناس بلا ذنب ذنبهم إنهم مسلمين أم إنهم في بلاد يتحمل ويصبر ،،، في بلد دار السلام التي ضاع فيها السلام … وساروا وقد نفذ منهم الطعام والماء ولكنهم لن يحاولوا التراجع والإستسلام .. وجلسوا للإستراحة وهم على آخر الطريق ولم يبق سوى كيلو مترات قليلة للوصول والخلاص من الخوف والرعب .. وهم جالسين أخرجت ( سارة ) كتاب القرآن الصغير الذي أهداها إياه (حسان) لتبدأ بقراءة القرآن على روحه الطاهرة وهي منهمكة وفجأة صرخت بصوت مرتفع ليتفاجأ الجميع .. وهرعت والدتها مسرعة (سارة .. سارة ماذا بك يا إبنتي ماذا حدث ) وهي تصرخ قدمي أمي قدمي تألمني فسارع والدها ليجد عقرب بجانبها لدغتها في قدمها وقتلها بسرعة ،،، إلا إنها لازالت تتألم …. وحاولوا إسعافها ولكنها بقيت تتألم ولا تقوى على الحراك .. وبقيت مستلقية وعيناها تدمعان من الألم وهي صابرة وصامته (ربما كان هذا قدر من الله كي لا أفارقك لأنتقل إلى جوارك ولا نفترق .. حبيبي هل سأعيش وأبتعد أم ستنتهي حياتي وأبقى بجانبك ) تمتمت تلك الكلمات في سرها وهي تنظر إلى كل من حولها وهم حزينون متألمون لما أحل بها .. وفي لحظة مدت يداها لتمسك بيد والدها الذي كان غارق في دموعه ( أبي لا تحزن فكل الذي يقدره الله هو خير لنا .. أحبك أبي كثيراً سأفتقدكم) ،، وجاءت والدتها في هذه الأثناء بعد أن كانت تحاول تمزق بعض القماش لتربط به قدم ( سارة) وهي تبكي بلا توقف ( أمي أحبك كثيراً) .. ( صرخت والدتها لا لا تقولي هذه الكلمات ستعيشين وسنمضي بعيداً ) كانت تمسك بيد سارة بقوة وهي تكلمها بحب وعاطفة مفرطة ،، حتى أحست بيد سارة تثقل وتبدأ بالإنزلاق من بين يديها فنظرت إليها (سارة .. سارة ) ولكن بلا جدوى لفظت أنفاسها الأخيرة في صمت وعيناها مفتوحتان لتودع كل من حولها ،، وكأنها تخبرهم بأنها لم تمت ولكنها ذهبت لجوار حبيبها الذي ينتظرها .. ماتت ومات معها ذلك الحلم الجميل الذي عاش والدها لأجل تحقيقه ،، حلما أن تصبح محامية بفستانها الأبيض وهما يحتضناها ليسلماها لزوجها الذي يصونها ،، ولم يفكرا بأنها سيحتضناها بكفنها ويودعانها مع زوجها الذي أخذها بعيداً عنهما ليستقرا في حياة أخرى بعيدة عن حياة القتل والسفك والإنتهاكات بعيداً عن الدموع واللآلام ..
ماتت وإنتهت حياة عائلتين بأكملها بسبب الإرهاب وما يسمى بدولة العراق الإسلامية الزائفة .


















