الغربة والإغتراب في شعر مجيد الموسوي

520

بمناسبة الذكرى الأولى لوفاته

الغربة والإغتراب في شعر مجيد الموسوي

عـلاء لازم العيـسى

1

لقد كان لكشوفات علم النفس والتحليل النفسي في القرن العشرين والتي ظهرت على يد فرويد ويونغ وأدلر ، تأثير كبير في حرف مؤشّر بوصلة النقد الأدبي من المنهج ( المعياري ) إلى المنهج ( النفسي )، فبعد أن كان النقد المعياري يعتمد على قواعد محدّدة لا يمكن أن يحيد عنها ، كقاعدة نقاء الجنس الأدبي ، وضرورة وحدة الزمان والمكان ، وغيرهما ، ممّا كان سائدًا في أوروبا حينذاك ، اهتمّ المنهج النفسي بمضامين الأعمال الأدبيّة من دون أن يولي أهميّة كبيرة للعناصر الأخرى فيها.

   وبين هذا المنهج وذاك كان هنالك منهج ثالث ظهر تحديدًا في الفن التشكيلي ، ثمّ انتقل إلى النقد الأدبي ألا وهو المنهج ( الانطباعي ) أو التأثري ، وصار يعني التعبير عن التأثر والانطباع الذي يتركه النصّ الأدبي أو العمل الفنّي في المتلقّي ، ولهذا فهو يعتمد إلى حدّ كبير على العوامل الاجتماعيّة والثقافيّة والحس المرهف والذوق الرفيع للناقد ، ومدى ما يستثير من ذكريات وعواطف كامنة في ذاته، وهذا ما وجدناه في لغة النقّاد طه حسين والعقّاد من مصر ، والدكتور علي جواد الطاهر وعبدالإله أحمد من العراق  وهذا المنهج سيكون منهجي في قراءتي لديوان المرحوم الأستاذ مجيد الموسوي الذي سمّاه : (( لتأخذني أقدامي حيث تشاء ))، ط1 من اصدارات اتحاد الأدباء والكتّاب في البصرة ، لسنة 2014 وستكون البداية مع العنوان .

2

عتبة النصّ

يمثّل العنوان العتبة التي يجتازها المتلقّي إلى متن النص ، وهو يشكّلُ حضورًا نصيًّا مستقلًا ، ومفتاحًا دلاليًّا مهمًّا للدلالة على النص والإشارة لمحتواه الكلّي ، وفكّ بعض رموزه ، وقد حاول شاعرنا الموسوي منذ العنوان الرئيس لديوانه أن يلفت نظرنا إلى أنّه في رحلة ، بكلّ ما تعني الرحلات من رموز كعبور بحر الحياة ، أو الوصول إلى الكمال ، أو البحث عن الجنّة المفقودة ، أو اختيار أحد الممرّين الأيسر أو الأيمن ، أي الرفض أو القبول .

لكنه استخدم صورةً من المفارقةِ في المفهوم توحي بأنّ خطواتنا مرسومة ومحسوبة ، وهي التي تقودنا إلى مصائرنا ، شئنا أم أبينا ، فهي التي تشاء وليس نحن ، وهذا ما سيذكره بعد ذلك في واحدة من قصائد الديوان ، فيقول:

    (( للعالمِ ميقاتٌ

    لا يتقدّمُ أو يتأخّر:

    البذرةُ في الأرض

    تصيرُ نباتًا

    والآن

    يصيرُ الماضي

    والغدُ يغدو الآنَ

    ولكلٍّ ميقات لا يتغيّرُ

    في هذا الدورانْ

    لكن الوقت

    هو السيّد يرقبنا ، حذِرًا يتربّصُ بين كمائنه

    مثل الصيّاد )) ص41

   وهناك متربّصٌ آخر غير الوقت ، أنّها امرأة عمياء ، تختبئ خلف نافذة مغلقة:

    (( امرأةٌ عمياءٌ

       طاعنةٌ

       وموحِشةٌ

       تتربّص بالعابرين )) ص124

   وهذه مفارقة أخرى ربّما أراد بها الأيام أو الدنيا أو شيئًا آخر ، فالأعمى كيف يتربّص .

 ومنذ مفتتح الديوان ، وهي العتبة الثانية ، بدأ الشاعر يتوغل في الوحشة والحيرة نحو المجهول :

(( سأبدأ من الزمن الذي لا زمن له

وأعرف أنّي سأنتهي إلى منطقة مجهولة

 سأدخل غابة الأسئلة المحيّرة

 وليس في الفؤاد جواب ))

3

العناوين الفرعيّة

 وحينما أجريتُ إحصاءً لعناوين قصائد الديوان الفرعيّة والتي بلغتْ    ( 77 ) عنوانًا، وجدتُ أنّ أهمّ القسمات الوجوديّة والنفسيّة المميّزة لعالم شاعرنا الموسوي ، هي الشعور بالغربة والوحشة واللاجدوى من عالمنا ، والتفاهة التي خيّمت على واقعنا فصبغته بقتامة مقرفة .

   فالمدينة لم يذكرها في عناوينه سوى مرةً واحدة وكان يُشيرُ إلى مدينة مجهولة ، أو ( مدينة أخرى ) غير المدينة التي ولد فيها ، فمدينته بنقاوتها ودهشتها وجماليتها أمست مجرّد وهم ، سار نحو مدينة أخرى لوحده بلا أنيس وبدون توقّع منه ولا من أصدقائه ، بعد أن ترك البيتَ والأهل والكتب الثمينة ، وبالرغم من كلّ ما لاقى من نصب وارهاق لكنه لم يبلغ المدينة التي ظلّ يحلم بها أيضًا ، فقال :

   (( كم مشيتُ هنالك

      أعوامًا وأعوامًا

      وأعوامًا سألتُ ، إلى أن بتُّ شيخًا

      طاعنًا ، حَرَضًا

      ولمّا أبلغنَّ

      مدينتي

      الأخرى )) ص24

   وقد ظهرت هذه الوحشة، بل هذه المأساة بشكل واضح حينما جعل اللون الأسود يحاصر كلّ شيء في الحاضر حتى طغى على كلّ الألوان ، اللون الأسود بكلّ ما يحمل من رموز سلبيّة كالحداد ، والقنوط ، والتخلّي ، وظلمة الروح ، والخراب:

    (( السواد

      يملأ كلّ شيء

      ويلوّن الكائنات

    ويتغلغلُ في مساحات الروح )) ص123

    إنّ هذا الشعور بالغربة والوحشة عند الشاعر الموسوي ، جعل من الغياب والاضمحلال والتلاشي المهيمنة الرئيسة على كثير من المفردات والأشياء :

    (( وتضمحلّ الأشياء التي نُحبّها

     بعيدًا

     بعيدًا

     وتتلاشى

     مثل ظلال غاربة ؟ )) ص126

    وفي قصيدة أخرى قال :

   (( لا شيء في الكف

      لا شيء في الفؤاد

      وما نتذكّره الآن

      ننساه غدًا )) ص114

4

  لقد كانت شعرية المرحوم مجيد الموسوي مظلّلةٌ بسماء مكتظةٌ بقلقٍ غير محدود وبأصوات الألم واللوعة في الحاضر ، وبخوفٍ من المستقبل وضبابيتهِ ، ولهذا فقد اكتظّت عناوين القصائد بكلمات موجعة ، مثل :     ( تلاشي ، وبكاء ، وعزلة ، ووحشة ، واغتراب ، وخيبة ، ومتاهة )، وحتى المساءات الجميلة عند غيره أمست موحشة وحزينة عنده ، ففي قصيدته ( مساء ممطر ) ، يستيقظ منتصف الليل يبكي أيّامه مرتعبًا ، مأخوذًا بهواجس لا يعرف مصدرها .

   وفي قصيدته الأخرى ( مساء آخر ) ، قال :

    (( الليلةُ أسهرُ وحدي مأخوذًا

      وأفكّر بالأمواتْ

      ما أوحش هذا الليلَ

      وما أوحش روحي

      ما أوحشني )) ص32

5

وكما كان للأحزان والوحشة مساحة كبيرة في عناوين الديوان الفرعيّة ، كان للرمز حضور لا بأس به ، فكان : ( يوم سنمار ، وثور آشور ، وتاج زنوبيا ، وطعنة بروتس ، وشهريار ، والبراق ، وابن سيرين ، وعباءة عروة بن الورد ).

    أخيرًا ، فإنّ ديوان (( لتأخذني أقدامي حيث تشاء )) للشاعر مجيد الموسوي ، قدّم عرضًا موفّقًا لأحاسيسٍ وأعراضٍ نفسيّة واجتماعيّة متأزمة يمرّ بها المثقّف بصورة عامة، كما كان شاهد عيان لاحتضار القيم النبيلة في مجتمعنا ، لقد مات شاعرنا الموسوي ومات معه حلمه بمدينة فاضلة ، ولهذا سأخاطبه بما خاطب به نفسه :

    (( أيّها الشيخ

       الذي يبحث عن لؤلؤة الخلد

       صباحًا ومساء

     عبثًا

     تنتظر الوعد )) ص107

    …………………….

    * ولد الشاعر مجيد سلمان الموسوي في البصرة سنة 1945 تخرّج في جامعة بغداد قسم اللغة العربية سنة 1967  عمل في التدريس ، نشر شعرًا في الصحف والمجلات العراقية ، أصدر أكثر من مجموعة شعرية ، منها : مخاطبات العشب 2000  يقظة متأخرة 2002 دموع الأرض  2013لتأخذني أقدامي حيث تشاء 2014 .

توفي صباح يوم 27 / 1 / 2018 .

مشاركة