العُقَد الكبيرة للصغار – بهاء زهير أحمد القيسي

بهاء زهير أحمد القيسي
كرونوس، إله الزمن في الميثولوجيا الإغريقية، أحد جبابرة التايتن الذين وُلدوا من أورانوس (إله السماء) وغايا (إلهة الأرض). اشتهر بحكايته القاتمة حين راح يبتلع أبناءه فور ولادتهم، خوفًا من أن ينقلبوا عليه كما فعل هو بأبيه. لكن زوجته “ريا” أنقذت أصغرهم، زيوس، الذي سيعود لاحقًا ليقود تمردًا حرر فيه إخوته وأسقط أباهم.

من هذه الأسطورة خرج مصطلح نفسي يُعرف بـ”عُقدة كرونوس”، ويصف أصحاب السلطة الذين ترتعد قلوبهم أمام الأجيال الصاعدة، فيعمدون إلى كبح تطورها وتطويق أحلامها.

يقول المثل البغدادي: “إحنا ولد الگريّة، كل منّا يعرف أخيه”. لا أسرار تُخفى، ولا سلوك يُغلف. والمرحلة الراهنة، كما كانت، ستبقى مطبوعة على الجباه مثل ختم لا يُمحى، ولن يعرق لها جبينٌ خجلاً.

لكن المختلف هذه المرة، أن الطغاة ليسوا الكبار بل “الصغار”. أولئك الذين تسللوا إلى مناصب تخولهم ممارسة القمع على من هم دونهم، وغالبًا ما يكونون حفاةً في الفكر، وضامري العقل، غارقين في الشعوذة حتى في تفاصيلهم الصغيرة. تراهم بأجساد ديناصورات، لكن بعقول ديكة رومية، خاوية من المنطق، ومجردة من الذوق والمعرفة والثقافة، وإن امتلكوا دهاءً قاسيًا في إيقاع الأذى على غيرهم.

هؤلاء، كما يرى فرويد، أسرى غريزة طفولية عدوانية، تشتعل فيهم منذ النشأة. ميلٌ فطري، لا مكتسب، يجعل الإنسان في حرب دائمة مع الإنسان. ومهمة المجتمع، كما يُفترض، أن يهذب هذه النزعة ويكبح جماحها.

يقول فرويد إن العدوان يظهر في الرغبة بتكسير الأشياء، بإيذاء الآخرين، وبث الصراعات. ليست الحروب – من منظوره – سوى تعبير فجّ عن هذا السلوك المتجذر. وما إن ترى دكتاتورًا صغيرًا يولد، حتى تعرف أن نهايته محتومة، تراجيدية، بل وساخرة.

وغالبًا ما تبدأ نهايتهم من مجرد حادث عابر، أو زلة لسان مشتعلة، تأخذ منحى كوميديًا فجًّا، سرعان ما يتحول إلى سلسلة من الانحدارات. يترنحون بسُكر السلطة، ويضعهم الجمهور في مرمى النقد، ثم في قفص المعارضة، ويُسقطهم في دوامة سخرية لا تنتهي، حتى يستقروا في زاوية السخط العام.

ما يجعل من هذه “العُقَد الصغيرة” جراحًا دامية، هو عمق معاناتهم السابقة. طحنتهم آلة التهميش، وعاشوا اختلالًا في الوزن النفسي والمجتمعي، فخرجوا بعقدهم ينتقمون لا يُصلحون. ويصبّون انتقامهم على الفقراء، المسالمين، المتمسكين بمبادئهم. يرون فيهم ضعفًا، بينما هم في الحقيقة مرآة لِما كان يمكن أن يكونوا عليه، لولا أن اختاروا طريقًا آخر.

تقول هيرتا مولر، الفائزة بجائزة نوبل عام 2009:
“السلوكيات المتغطرسة هي دومًا علامات ما قبل السقوط.”

السلطة حين تكون غطاءً هشًا لنفسٍ مشوهة، تتحول إلى أداة انتقام لا إصلاح. يمكنك أن ترمي سهامك من أعلى برج بابل، لكنك أبدًا… لن تصيب الله.