

نورهان شيراز
على أرصفة الحياة، اليوم وكل يوم، نتعرّض إلى الموت المجاني. كلٌّ يحمل شهادة وفاته أو إعدامه، كمغدورٍ في زمنٍ أغبر أدبر، أو بطعنة صديقٍ حمل حقائبه ورحل لأنه لم يعد يحتمل ما نتعرّض له. نقول له إنك حملت في حقيبتك قلوبنا، وإنك لا تهون علينا بل تزيد من شقائنا. ما أشقى الإنسان عندما يغادر قلباً كان له الأمن والأمان والآمال، من غدر الزمان. مجرد كلمة ترفع من إحساسنا المحبط، ولكن هيهات، أصبحوا هم وزماننا علينا.
إننا الشهداء بكل شيء، حتى لو بسكين مسؤول يذيحنا لأجل مطمعٍ شخصي، ولا يخشى في الله لومة لائم.
عندما يهاجر الوطن، لا يبقى للفرح مكان في قلب إنسان، ويصبح مجرد ذاكرة للنسيان. والوطن، أيّاً كان، قلب إنسان أو وطن نعيش فيه غرباء.
قاتل الله من قتل الحب والحياة فينا، وأحالنا إلى رماد وذكرى. قاتل الله من منع الدمع وجعلها متحجرة في العيون. همومنا قتلت جذوة الحياة فينا، ولم نعد قادرين على إعطاء بعضنا حتى قبلة للقاء أو فراق أو حب. كلٌّ حمل جرحه ونأى إلى جزيرة النعام التي لا نتمنى أن نوقظ منها، ليس لأننا متعبون، ولكن هموم الحياة أثقلتنا. ما أثقل الهم على حامله، رفقاً بنا، إننا نعيش على أرصفة الحياة.
إنه موت من نوع آخر، في وطنٍ ماتت فيه الحياة، ورضينا أن نعيش فيه على أرصفته.
شكراً لكل أنواع الموت المجاني، وأهلاً أيّاً كان شكلها أو عطاياها. نقول نحن نحب حتى من أعطانا ظهره وجفا، لأننا لا نحمل الكره، إننا قلوب أطفال لم يلوثها زماننا. نعم، ما زال قلبنا قلب طفل، حتى ولو نأى العالم عن حياتنا. كنا هكذا وسنبقى، رغم الأسى المتأصل من ميلاد النور في عيوننا وحتى انطفاء آخر ألق في جفوننا. لا نريد سوى الحياة لغيرنا، وله الاختيار. أما نحن، أطفال الحياة، سنبقى أطفالاً حتى لو ذُبحنا بسكين أعمى. إنه حب من نوع آخر، وموت من نوع آخر.



















