العيش تحت الأرض أو بين القبور.. قصص أغرب من الخيال لحياة النازحين في سوريا

339

تلتونة‭ ‬‭(‬سوريا‭),-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭)‬‭ ‬‭-‬‭ ‬بعد‭ ‬فراره‭ ‬من‭ ‬هجوم‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬سوريا،‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬درّة‭ ‬مكاناً‭ ‬يأويه‭ ‬إلا‭ ‬مغارة‭ ‬محفورة‭ ‬تحت‭ ‬الأرض،‭ ‬أما‭ ‬يسرى‭ ‬حرصوني‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬أمامها‭ ‬أي‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬السكن‭ ‬قرب‭ ‬مقبرة‭.‬

يتشارك‭ ‬شمس‭ ‬الدين،‭ ‬الشاب‭ ‬في‭ ‬الثلاثينات‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬مع‭ ‬أشقائه‭ ‬الثلاثة‭ ‬وعائلاتهم‭ ‬تلك‭ ‬المغارة،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أشبه‭ ‬بحفرة‭ ‬كبيرة،‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬تلتونة‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬محافظة‭ ‬إدلب،‭ ‬بعد‭ ‬أسبوعين‭ ‬على‭ ‬فرارهم‭ ‬من‭ ‬قريتهم‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬المحافظة‭ ‬الشرقي،‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬للقصف‭ ‬العنيف‭. ‬ويقول‭ ‬شمس‭ ‬الدين،‭ ‬الشاب‭ ‬الملتحي‭ ‬والوالد‭ ‬لثمانية‭ ‬أطفال،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس،‭ ‬‮«‬نقيم‭ ‬هنا‭ ‬رغماً‭ ‬عنا‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬‮«‬نزحنا‭ ‬تحت‭ ‬الغارات‭ ‬الجوية‭ ‬خرجنا‭ ‬بأرواحنا‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬معنا‮»‬،‭ ‬موضحاً‭ ‬‮«‬خرجنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬مأوى‭ ‬ولا‭ ‬خيم‭ ‬لدينا‭ ‬‭(‬‭…‬‭)‬‭ ‬بقينا‭ ‬في‭ ‬الجامع‭ ‬ليومين‭ ‬ثم‭ ‬وجدنا‭ ‬هذه‭ ‬المغارة،‭ ‬نظفناها‭ ‬ولجأنا‭ ‬اليها‭ ‬نحن‭ ‬أربع‭ ‬عائلات‮»‬‭. ‬غطى‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬وأخوته‭ ‬مدخل‭ ‬المغارة،‭ ‬التي‭ ‬حفرها‭ ‬أهالي‭ ‬القرية‭ ‬كملجأ‭ ‬لهم‭ ‬وسط‭ ‬حقل‭ ‬زراعي،‭ ‬بقطعة‭ ‬من‭ ‬القماش،‭ ‬ووضعوا‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭ ‬لوحاً‭ ‬للطاقة‭ ‬الشمسية‭.‬

في‭ ‬المغارة،‭ ‬وضعت‭ ‬العائلة‭ ‬سجادة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الارض‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الفرش‭ ‬والوسائد،‭ ‬وفي‭ ‬إحدى‭ ‬الزوايا‭ ‬تكدست‭ ‬الأغراض‭ ‬فوق‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬وعليها‭ ‬غطاء‭ ‬أحمر‭ ‬اللون‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬الغبار‭.‬

يحين‭ ‬موعد‭ ‬الطعام،‭ ‬يتجمع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أطفال‭ ‬العائلة‭ ‬حول‭ ‬صينية‭ ‬وُضعت‭ ‬عليها‭ ‬أطباق‭ ‬من‭ ‬اللبنة‭ ‬والزيتون‭ ‬والزعتر،‭ ‬يأكلون‭ ‬وسط‭ ‬العتمة‭ ‬في‭ ‬حفرة‭ ‬لا‭ ‬تصلها‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭. ‬ويقول‭ ‬شمس‭ ‬الدين‭ ‬‮«‬نعاني‭ ‬من‭ ‬الرطوبة،‭ ‬والأطفال‭ ‬يمرضون،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬الحشرات‮»‬‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬وبرغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬أمامهم‭ ‬سوى‭ ‬هذه‭ ‬المغارة‭. ‬ودفع‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬لقوات‭ ‬النظام‭ ‬وحليفتها‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬إدلب‭ ‬ومحيطها‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬نحو‭ ‬900‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬النزوح‭. ‬ويلجأ‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬النازحين‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬مكتظة‭ ‬أساساً‭ ‬بالمخيمات‭ ‬قرب‭ ‬الحدود‭ ‬التركية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬إدلب‭. ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬كثيرون‭ ‬منهم‭ ‬خيماً‭ ‬تؤويهم‭ ‬أو‭ ‬منازل‭ ‬للإيجار،‭ ‬فاضطروا‭ ‬إلى‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬العراء‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سياراتهم‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أبنية‭ ‬مهجورة‭ ‬قيد‭ ‬الإنشاء‭ ‬وفي‭ ‬المدارس‭ ‬والجوامع‭. ‬وباتت‭ ‬المخيمات‭ ‬مكتظة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭. ‬ولجأ‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬مخيمات‭ ‬عشوائية‭ ‬حيث‭ ‬ينصبون‭ ‬خيمهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توفّر‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬كالمراحيض،‭ ‬بحسب‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬يحرقون‭ ‬ما‭ ‬أمكنهم‭ ‬من‭ ‬ثيابهم‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مفروشاتهم‭ ‬بهدف‭ ‬التدفئة‭. ‬ويعيش‭ ‬نحو‭ ‬170‭ ‬ألفاً‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬النازحين‭ ‬‮«‬في‭ ‬العراء‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مبان‭ ‬قيد‭ ‬الإنشاء‮»‬،‭ ‬وفق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬دعت‭ ‬إلى‭ ‬تفادي‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬قصة‭ ‬رعب‭ ‬إنسانية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭. ‬يتشارك‭ ‬أبو‭ ‬محمد،‭ ‬النازح‭ ‬من‭ ‬غرب‭ ‬حلب‭ ‬حيث‭ ‬تركز‭ ‬قوات‭ ‬النظام‭ ‬هجومها‭ ‬مؤخراً،‭ ‬مغارة‭ ‬في‭ ‬تلتونة‭ ‬مع‭ ‬سبع‭ ‬عائلات‭ ‬أخرى‭. ‬ويقول‭ ‬أبو‭ ‬محمد‭ ‬‮«‬جئنا‭ ‬إلى‭ ‬المغارة‭ ‬الساعة‭ ‬الثانية‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل،‭ ‬وكانت‭ ‬متسخة‭ ‬وفيها‭ ‬براز‭ ‬حيوانات‮»‬‭. ‬وعلى‭ ‬مر‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية،‭ ‬شاهد‭ ‬مراسلون‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬إدلب‭ ‬سيارات‭ ‬مكتظة‭ ‬بالنازحين‭ ‬الفارين‭ ‬وسط‭ ‬الظلام‭ ‬برغم‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬المتدنية‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المغارة،‭ ‬وُضعت‭ ‬مراطبين‭ ‬المؤن‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬العائلات‭ ‬معها‭ ‬جانباً‭ ‬إضافة‭ ‬الى‭ ‬طناجر‭ ‬وآوان‭ ‬منزلية‭ ‬موضبة‭ ‬في‭ ‬أكياس‭. ‬تطهو‭ ‬سيدة‭ ‬على‭ ‬وابور‭ ‬غاز‭ ‬صغير‭ ‬قطع‭ ‬المرتديلا‭ ‬وتضيف‭ ‬اليها‭ ‬البندورة‭ ‬المهروسة‭ ‬وتقلبها‭ ‬على‭ ‬النار‭. ‬ويقول‭ ‬أبو‭ ‬محمد‭ ‬‮«‬أخبرنا‭ ‬سكان‭ ‬القرية‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أفاعي‭ ‬وعقارب‭ ‬في‭ ‬المغارة،‭ ‬لكننا‭ ‬أجبرنا‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬فيها،‭ ‬فلا‭ ‬بديل‭ ‬لدينا‮»‬‭.‬

خوف‭ ‬من‭ ‬الموت

في‭ ‬مدينة‭ ‬سرمدا‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬إدلب‭ ‬الشمالي،‭ ‬تكتظ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬عائلة‭ ‬في‭ ‬مصلى‭ ‬تابع‭ ‬لمقبرة‭ ‬المدينة‭.‬

في‭ ‬الصباح،‭ ‬يلهو‭ ‬الأطفال‭ ‬بين‭ ‬شواهد‭ ‬القبور،‭ ‬ويجلس‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬على‭ ‬العشب‭ ‬الأخضر‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬كراسي‭ ‬بلاستيكية‭ ‬يتبادلون‭ ‬الأحاديث‭.‬

أما‭ ‬قاعة‭ ‬المصلى‭ ‬فقٌسمت‭ ‬إلى‭ ‬جزئين،‭ ‬واحد‭ ‬مخصص‭ ‬للنساء‭ ‬وآخر‭ ‬للرجال‭. ‬يعلو‭ ‬صراخ‭ ‬الأطفال‭ ‬ويختلط‭ ‬بالأحاديث‭ ‬الجانبية‭ ‬بين‭ ‬أهاليهم‭.‬

في‭ ‬زوايا‭ ‬القاعة،‭ ‬تراكمت‭ ‬الحاجيات‭ ‬من‭ ‬فرش‭ ‬وأغطية‭ ‬وغيرها،‭ ‬وعُلقت‭ ‬حبال‭ ‬غسيل‭ ‬نُشرت‭ ‬عليها‭ ‬ثياب‭ ‬الأطفال‭. ‬وتقول‭ ‬يسرى‭ ‬حرصوني،‭ ‬الفارة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬أريحا‭ ‬جنوب‭ ‬إدلب‭ ‬أثناء‭ ‬جلوسها‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬القبور،‭ ‬‮«‬هناك‭ ‬عائلات‭ ‬كثيرة‭ ‬داخل‭ ‬المصلى‭ ‬‭(‬‭…‬‭)‬‭ ‬البعض‭ ‬منها‭ ‬يخاف‭ ‬السكن‭ ‬قرب‭ ‬القبور‮»‬‭.‬

وتروي‭ ‬حادثة‭ ‬حصلت‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬حين‭ ‬استيقظ‭ ‬طفل‭ ‬مذعوراً‭ ‬وهو‭ ‬يصرخ‭ ‬جراء‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬السكن‭ ‬قرب‭ ‬القبور،‭ ‬حتى‭ ‬ظنّ‭ ‬أهله‭ ‬أن‭ ‬‮«‬لبسه‭ ‬الجن‭ ‬‭(‬‭..‬‭)‬‭ ‬وأتى‭ ‬شيخ‭ ‬قرأ‭ ‬له‭ ‬القرآن‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬يسرى‭ ‬التي‭ ‬انتقلت‭ ‬مع‭ ‬عائلة‭ ‬ابنها‭ ‬إلى‭ ‬المصلى،‭ ‬اعتادت‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬قرب‭ ‬القبور‭ ‬بعد‭ ‬قضاء‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬المكان‭.‬

وتقول‭ ‬يسرى‭ ‬‮«‬السكن‭ ‬بين‭ ‬القبور‭ ‬يثير‭ ‬الخوف‭ ‬والخشية‭ ‬من‭ ‬الموت‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تضيف‭ ‬‮«‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يجبرك‭ ‬على‭ ‬المُر‭ ‬سوى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أكثرة‭ ‬مرارة‭ ‬منه‮»‬‭.‬

مشاركة