العيد في قرى بابل – عبد الهادي كاظم الحميري

263

زمان جديد

في‭ ‬أربعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تبدأ‭ ‬التحضيرات‭ ‬للعيد‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬المحيطة‭ ‬بالحلة‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬بيع‭ ‬التمور‭ ‬أو‭ ‬الخضر‭ ‬أيهما‭ ‬أقرب‭ ‬الى‭ ‬موعد‭ ‬العيد،‭ ‬إذ‭ ‬يقتطع‭ ‬القرويون‭ ‬من‭ ‬واردهم‭ ‬مبالغ‭ ‬تعادل‭ ‬قيمة‭ ‬ملابس‭ ‬العيد‭ ‬للعائلة‭ ‬ويودعونها‭ ‬عند‭ ‬البزّاز‭ ‬،وما‭ ‬أن‭ ‬يقترب‭ ‬الموعد‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬شراء‭ ‬القماش‭ ‬المناسب‭ ‬للدشاديش‭ ‬،وتبدأ‭ ‬زيارات‭ ‬ربة‭ ‬البيت‭ ‬الى‭ ‬الخياطة‭ ‬مع‭ ‬وجبات‭ ‬من‭ ‬إنتاجها‭ ‬من‭ ‬البنين‭ ‬والبنات‭ ‬للقياس‭.‬

ولعدم‭ ‬وجود‭ ‬الراديو‭ ‬والتلفون‭ ‬والماء‭ ‬الصافي‭ ‬والكهرباء‭ ‬آنذاك‭ ‬وندرة‭ ‬السيارات‭ ‬والدراجات‭ ‬الهوائية‭ ‬(البايسكلات)‭ ‬وعدم‭ ‬خروج‭ ‬عربات‭ ‬الخيول‭ ‬(الربلات)‭ ‬خارج‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬،كان‭ ‬تحديد‭ ‬حلول‭ ‬العيد‭ ‬يتقرّر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬سكان‭ ‬القرى‭ ‬أنفسهم‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تصلهم‭ ‬أخبار‭ ‬عيد‭ ‬الحكومة‭ ‬وعيد‭ ‬المراجع‭ ‬الشيعية‭ ‬والسنية‭ ‬ففي‭ ‬اليومين‭ ‬أو‭ ‬الثلاثة‭ ‬المحتملة‭ ‬لظهور‭ ‬الهلال‭ ‬يخرج‭  ‬مع‭ ‬غروب‭ ‬الشمس‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬كل‭ ‬قرية‭ ‬ومعهم‭ ‬بندقية‭ ‬الى‭  ‬المناطق‭ ‬المرتفعة‭ ‬كأكتاف‭ ‬الجداول‭ ‬والى‭ ‬المناطق‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬الأشجار‭  ‬يتفحّصون‭ ‬السماء‭ ‬بحثاً‭  ‬عن‭ ‬الهلال‭ ‬،وعندما‭ ‬يلوح‭ ‬لهم‭ ‬الهلال‭ ‬يبدأ‭ ‬حامل‭ ‬البندقية‭ ‬بالرمي‭ ‬تجاه‭ ‬الهلال‭ .  ‬وحيث‭ ‬انّ‭ ‬القرى‭ ‬الأخرى‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬فعلت‭ ‬الشيء‭ ‬ذاته‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬ثوان‭ ‬وتسمع‭ ‬صوت‭ ‬الإطلاقات‭ ‬تتجاوب‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬عبر‭ ‬القرى‭ ‬ولمسافات‭ ‬بعيدة‭ ‬وتعلو‭ ‬هلاهل‭ ‬(زغاريد)‭ ‬النساء‭ ‬على‭ ‬أدراج‭ ‬وسطوح‭ ‬المنازل‭ ‬وينفر‭ ‬الشباب‭ ‬والأطفال‭ ‬الى‭ ‬الفضاءات‭ ‬المحيطة‭ ‬بالقرى‭ ‬للرقص‭ ‬والنقر‭ ‬على‭ ‬الطبول‭ ‬ويحل‭ ‬العيد‭ ‬والفرح‭ ‬دون‭ ‬مكدّرات‭.‬

كان‭ ‬قضاء‭ ‬أيام‭ ‬العيد‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬القرى‭ ‬وفق‭ ‬جدول‭ ‬ثابت‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬مخصص‭ ‬للإحتفال‭ ‬عند‭ ‬القرى‭ ‬الواقعة‭ ‬خلف‭ ‬محلة‭ ‬الوردية‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الصغير‭ ‬من‭ ‬الحلة‭ ‬عند‭ ‬مرقد‭ ‬الامام‭ ‬إبن‭ ‬الحسن‭ ‬سيرا‭ ‬على‭ ‬الاقدام‭ ‬حيث‭ ‬يتجمع‭ ‬القرويون‭ ‬هناك‭ ‬تحت‭ ‬أشجار‭ ‬النخيل‭ ‬ويشكل‭ ‬الشباب‭ ‬عادة‭ ‬حلقات‭ ‬رقص‭ ‬(الجوبي)‭ ‬ويصدح‭ ‬صوت‭ ‬المطبك‭ ‬(آلة‭ ‬موسيقية‭ ‬من‭ ‬أنابيب‭ ‬الخيزران)‭ ‬بمرافقة‭ ‬المغني‭ ‬(الكوال)‭.‬

وأما‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬مخصص‭ ‬للإحتفال‭ ‬عند‭ ‬مرقد‭ ‬الإمام‭ ‬عمران‭ ‬إبن‭ ‬علي‭ ‬قرب‭ ‬آثار‭ ‬بابل‭ ‬ويتم‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬هناك‭ ‬بالباصات‭ ‬الخشبية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬سيارات‭ ‬الحمل‭ ‬بعشرة‭ ‬فلوس‭ ‬للنفر‭ ‬ويتجمع‭ ‬الناس‭ ‬وتشكل‭ ‬حلقات‭ ‬الجوبي‭ ‬أيضاً‭. ‬وفي‭ ‬الصيف‭ ‬يكون‭ ‬الموقع‭ ‬حارا‭ ‬كالمقلاة‭ ‬ويصعب‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬المصممين‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بالعيد‭ ‬الصمود‭ ‬بسبب‭ ‬حرارة‭ ‬الشمس‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬أشجار‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬أمام‭ ‬المرقد‭ ‬ولملحية‭ ‬الأرض‭ ‬(سبخة)‭ ‬التي‭ ‬تتوهج‭ ‬عند‭ ‬الظهيرة‭.‬

اليوم‭ ‬الثالث‭ ‬مخصص‭ ‬للاحتفال‭ ‬عند‭ ‬مرقد‭ ‬النبي‭ ‬أيوب‭ ‬ويتم‭ ‬السفر‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬بالباصات‭ ‬الخشبية‭ ‬ولوريات‭ ‬الحمل‭ ‬بالعشرة‭ ‬فلوس‭ ‬ذاتها‭ ‬ويقع‭ ‬هذا‭ ‬المرقد‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬شط‭ ‬الحلة‭ ‬(الصوب‭ ‬الكبير)‭ ‬وعلى‭ ‬أطراف‭ ‬المدينة‭ ‬ووسط‭ ‬غابة‭ ‬من‭ ‬أشجار‭ ‬النخيل‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬الشط‭ ‬وبجانبه‭ ‬بئر‭ ‬قديم‭. ‬ويكون‭ ‬الإزدحام‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬الضليل‭ ‬كبيرا‭ ‬جدا‭ ‬مقارنة‭ ‬بالموقعين‭ ‬الآخرين‭ ‬وتنصب‭ ‬فيه‭ ‬أراجيح‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬جذوع‭ ‬النخل‭ ‬مربوطة‭ ‬بحبال‭ ‬بأشجار‭ ‬النخيل‭ ‬وتباع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬المشروبات‭ ‬الغازية‭ ‬المسماة‭ ‬بالسيفون‭ ‬والنامليت‭ ‬ويكون‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬أفضل‭ ‬الأيام‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأطفال‭ ‬حيث‭ ‬يتفرجون‭ ‬على‭ ‬حلقات‭ ‬الرقص‭ ‬المتعددة‭ ‬(الجوبي)‭ ‬ويركبون‭ ‬المراجيح‭ ‬وكذلك‭ ‬الشباب‭ ‬والشابات‭ ‬حيث‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬اليوم‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يمكنهم‭ ‬فيه‭ ‬عرض‭ ‬جمالهم‭ ‬على‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬بملابس‭ ‬العيد‭ ‬الجديدة‭ ‬وهو‭ ‬مسك‭ ‬الختام‭. ‬

ويبقى‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأطفال،‭ ‬فقد‭ ‬يسمح‭ ‬لهم‭ ‬الإستمرار‭ ‬في‭ ‬الإستمتاع‭ ‬بدشاديشهم‭ ‬الجديدة‭ ‬بعد‭ ‬إنتهاء‭ ‬العيد‭ ‬أو‭ ‬يطلب‭ ‬منهم‭ ‬نزعها،إذ‭ ‬يتم‭ ‬صبغها‭ ‬لمناسبة‭ ‬عاشوراء‭.‬

مشاركة