العودة‭ ‬الاخيرة-د. فاروق الدباغ

عاد‭ ‬من‭ ‬لندن،

وفي‭ ‬جيبه‭ ‬تقرير‭ ‬طبي‭ ‬مختوم‭ ‬باسم

The Royal Marsden Hospital،

ذلك‭ ‬المستشفى‭ ‬الذي‭ ‬تعلّم‭ ‬كيف‭ ‬يقول‭ ‬الحقيقة‭ ‬بهدوءٍ‭ ‬بريطاني‭ ‬صارم‭:‬

سرطان‭ ‬في‭ ‬مرحلته‭ ‬الأخيرة.”

لم‭ ‬يخبر‭ ‬أحدًا‭.‬

لم‭ ‬يُرِد‭ ‬شفقةً‭ ‬ولا‭ ‬نصائح‭.‬

قال‭ ‬فقط‭ ‬لمن‭ ‬سأله‭:‬

اشتقت‭ ‬للموصل.”

عند‭ ‬دخوله‭ ‬المدينة،‭ ‬لم‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أقارب،

ولم‭ ‬يطلب‭ ‬عنوانًا‭ ‬محددًا‭.‬

استأجر‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬الشارع‭.‬

فتح‭ ‬الباب‭ ‬وجلس‭ ‬في‭ ‬الخلف،‭ ‬كأنما‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مقعدٍ‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭.‬

قال‭ ‬للسائق‭ ‬بهدوء‭:‬

أريدك‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬معي‭ ‬اليوم‭.‬

سأدفع‭ ‬لك‭.‬

خذني‭ ‬حيث‭ ‬أطلب‮…‬‭ ‬ولا‭ ‬تسأل‭ ‬الآن‭.‬”

نظر‭ ‬السائق‭ ‬في‭ ‬عينيه،‭ ‬ورأى‭ ‬شيئًا‭ ‬يشبه‭ ‬الوداع‭.‬

هزّ‭ ‬رأسه‭:‬

”على‭ ‬راحتك‭.‬”

أول‭ ‬محطة‭: ‬مدرسته‭ ‬الابتدائية‭.‬

توقفت‭ ‬السيارة‭ ‬أمام‭ ‬ساحة‭ ‬واسعة‭ ‬مزدحمة‭ ‬بالسيارات‭.‬

لوحة‭ ‬معدنية‭ ‬تعلن‭: ‬موقف‭ ‬سيارات‭ ‬خاص‭.‬

نزل‭ ‬ببطء‭.‬

مشى‭ ‬فوق‭ ‬الإسفلت‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬يمشي‭ ‬فوق‭ ‬ذاكرةٍ‭ ‬ملساء‭ ‬أزيلت‭ ‬عنها‭ ‬الكلمات‭.‬

”هنا‭ ‬كان‭ ‬الصف‭ ‬الرابع‮…‬

وهنا‭ ‬كنا‭ ‬نصطف‭ ‬صباحًا‮…‬

وهنا‭ ‬خبأتُ‭ ‬أول‭ ‬نص‭ ‬كتبته‭.‬”

أغمض‭ ‬عينيه‭.‬

سمع‭ ‬جرس‭ ‬المدرسة‭ ‬في‭ ‬داخله‭.‬

فتح‭ ‬عينيه‮…‬

لا‭ ‬جدران‭.‬

لا‭ ‬سبورة‭.‬

لا‭ ‬شجرة‭.‬

فقط‭ ‬إسفلت‭.‬

عاد‭ ‬إلى‭ ‬السيارة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتكلم‭.‬

المكان‭ ‬التالي‭.‬

المحطة‭ ‬الثانية‭: ‬البيت‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬بيتًا‭.‬

كان‭ ‬فجوة‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬وبقايا‭ ‬جدران‭ ‬مثقوبة‭.‬

قال‭ ‬له‭ ‬جار‭ ‬قديم‭:‬

قُصف‭ ‬أيام‭ ‬التحرير‮…‬‭ ‬مات‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يسكنه‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬بقي‭ ‬ليطالب‭ ‬بتعويض‭.‬

اقترب‭ ‬من‭ ‬الركام‭.‬

التقط‭ ‬حجرًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬ووضعه‭ ‬في‭ ‬جيبه‭.‬

”هنا‭ ‬كانت‭ ‬غرفة‭ ‬أمي‭.‬

وهنا‭ ‬كان‭ ‬أبي‭ ‬يقرأ‭.‬

وهنا‭ ‬حلمتُ‭ ‬أن‭ ‬أغادر‮…‬‭ ‬لأعود‭ ‬أقوى‭.‬”

جلس‭ ‬قليلًا‭.‬

بكى‭ ‬بصمت‭.‬

ليس‭ ‬على‭ ‬البيت،

بل‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬ينتظره‭.‬

المحطة‭ ‬الثالثة‭: ‬المقبرة‭.‬

الأمطار‭ ‬والسيول‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أزاحت‭ ‬أجزاءً‭ ‬من‭ ‬القبور‭.‬

شواهد‭ ‬مائلة‭.‬

أسماء‭ ‬نصفها‭ ‬مطموس‭.‬

وقف‭ ‬عند‭ ‬قبر‭ ‬أبيه‭.‬

مسح‭ ‬اسمه‭ ‬بيده‭. ‬”سامحني‭ ‬يا‭ ‬أبي‮…‬

ظننت‭ ‬أن‭ ‬الغربة‭ ‬تضحية‭ ‬مؤقتة‭.‬

لم‭ ‬أعرف‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تصير‭ ‬وداعًا‭ ‬طويلًا‭.‬”

ركع‭ ‬قليلًا‭.‬

ثم‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬السيارة‭.‬

المحطة‭ ‬الرابعة‭: ‬المقهى‭. ‬

لم‭ ‬يجد‭ ‬المقهى‭.‬

في‭ ‬مكانه‭ ‬سوبر‭ ‬ماركت‭ ‬صاخب‭.‬

عربات‭ ‬تسوق‭ ‬كبيرة‭.‬

أطفال‭ ‬يركضون‭.‬

وقف‭ ‬طويلًا‭ ‬عند‭ ‬المدخل‭.‬

”هنا‭ ‬كنا‭ ‬نلتقي‮…‬

لا‭ ‬إنترنت‮…‬‭ ‬لا‭ ‬فضائيات‮…‬‭ ‬كانت‭ ‬ممنوعة‭.‬

كانت‭ ‬المقاهي‭ ‬هي‭ ‬نادينا‭ ‬الاجتماعي‭.‬

زاوية‭ ‬المتقاعدين‭.‬

زاوية‭ ‬الشعراء‭.‬

زاوية‭ ‬الرياضيين‭.‬

وزاوية‭ ‬العاطلين‭ ‬الذين‭ ‬يلعبون‭ ‬الدومينو‭ ‬حتى‭ ‬المساء‭.‬”

ابتسم‭ ‬بحزن‭.‬

”كنا‭ ‬نختلف‮…‬‭ ‬لكننا‭ ‬كنا‭ ‬نرى‭ ‬بعضنا‭.‬”

دخل‭ ‬لحظة‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬خرج‭.‬

المحطة‭ ‬الخامسة‭: ‬متحف‭ ‬المدينة‭.‬

المكان‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬فيه‭ ‬سنوات‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة‭.‬

الآن‭ ‬بوابة‭ ‬حديدية‭ ‬وشعار‭ ‬حزب‭ ‬نافذ‭ ‬يعلو‭ ‬الواجهة‭.‬

حراسة‭ ‬عند‭ ‬المدخل‭.‬

سأل‭:‬

”أين‭ ‬المتحف؟”

أجابه‭ ‬الحارس‭:‬

”نُهبت‭ ‬آثاره‭. ‬قُصف‭ ‬مرات‭. ‬ثم‭ ‬أُعيد‭ ‬ترميم‭ ‬المبنى‮…‬‭ ‬وصار‭ ‬مقرًا‭ ‬رسميًا‭.‬”

وقف‭ ‬خلف‭ ‬البوابة‭.‬

تذكر‭ ‬التماثيل‭ ‬الآشورية‭.‬

المخطوطات‭.‬

الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬يشرح‭ ‬لهم‭ ‬معنى‭ ‬الحضارة‭.‬

”كنا‭ ‬نحرس‭ ‬الذاكرة‭ ‬هنا‮…‬

والآن‭ ‬من‭ ‬يحرسها؟”

لم‭ ‬يُسمح‭ ‬له‭ ‬بالدخول‭.‬

لم‭ ‬يُجادل‭.‬

عاد‭ ‬إلى‭ ‬السيارة‭.‬

مع‭ ‬الغروب،‭ ‬قال‭ ‬للسائق‭:‬

”خذني‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭.‬”

توقف‭ ‬أمام‭ ‬إحدى‭ ‬المستشفيات‭ ‬الخاصه‭ ‬في‭ ‬الموصل‭.‬

التفت‭ ‬إلى‭ ‬السائق‭ ‬أخيرًا‭:‬

”الآن‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تسأل‭.‬”

قال‭ ‬بصوتٍ‭ ‬هادئ‭:‬

”أنا‭ ‬أحمل‭ ‬الجنسية‭ ‬البريطانية‭.‬

لديّ‭ ‬تأمين‭ ‬صحي‭ ‬بريطاني‭ ‬يغطي‭ ‬علاجي‭ ‬حتى‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬بريطانيا‭.‬

لم‭ ‬أرد‭ ‬أن‭ ‬أموت‭ ‬هناك‭.‬

أردت‭ ‬أن‭ ‬أودّع‭ ‬هنا‭.‬”

صمت‭ ‬لحظة‭.‬

”كل‭ ‬مكان‭ ‬أخذته‭ ‬إليه‭ ‬اليوم‮…‬‭ ‬كان‭ ‬جزءًا‭ ‬مني‭.‬

أردت‭ ‬أن‭ ‬أراه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭.‬”

دفع‭ ‬للسائق‭ ‬أجر‭ ‬يومٍ‭ ‬كامل‭.‬

”شكرًا‭ ‬لأنك‭ ‬بقيت‭.‬”

في‭ ‬الأيام‭ ‬التالية،‭ ‬كانت‭ ‬شركة‭ ‬التأمين‭ ‬البريطانية‭ ‬تتكفل‭ ‬بأجور‭ ‬علاجه‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬المال‭ ‬مشكلة‭.‬

كان‭ ‬الوقت‭ ‬هو‭ ‬المشكلة‭.‬

طلب‭ ‬فتح‭ ‬النافذة‭ ‬في‭ ‬غرفته‭.‬

”أريد‭ ‬أن‭ ‬أسمع‭ ‬المدينة‭.‬”

في‭ ‬الليلة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كان‭ ‬صوته‭ ‬خافتًا‭:‬

”قولوا‭ ‬للمهاجرين‮…‬

لا‭ ‬تؤجلوا‭ ‬العودة‭.‬

فالمدن‭ ‬تتغير‭.‬

والمتاحف‭ ‬تُنهب‭.‬

والبيوت‭ ‬تُهدم‭.‬

والمقاهي‭ ‬تُستبدل‭.‬

وأنتم‭ ‬تظنون‭ ‬أن‭ ‬الذكريات‭ ‬ستبقى‭ ‬محفوظة‭.‬”

رحل‭ ‬قبل‭ ‬الفجر‭.‬

تكفلت‭ ‬شركة‭ ‬التأمين‭ ‬البريطانية‭ ‬بمصاريف‭ ‬المستشفى‮…‬

ومراسيم‭ ‬الدفن‭ ‬أيضًا‭.‬

دُفن‭ ‬في‭ ‬الموصل،

وفي‭ ‬جيبه‭ ‬حجر‭ ‬صغير‭ ‬من‭ ‬ركام‭ ‬بيته‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،

كل‭ ‬سائق‭ ‬أجرة‭ ‬يتذكر‭ ‬رجلاً‭ ‬طلب‭ ‬منه‭:‬

”ابقَ‭ ‬معي‭ ‬اليوم‮…‬‭ ‬وسأدفع‭ ‬لك‭.‬”

لم‭ ‬يكن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬طريق‭.‬

كان‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬وداع‭.‬