
د. جاسم خلف الياس
تجتهد هذه الدراسة من مقاربة موضوعاتية تسعى إلى الكشف عن تمثّلات العنف والطغيان في رواية (قيظ) القصيرة لحكم ناطق الكاتب، الصادرة عن مكتبة حسام الدين للنشر والتوزيع 2026، بوصفهما موضوعين مركزيين يحكمان مسار السرد ويوجّهان دلالاته العامة، وتجربتين معيشتين تُعاد صياغتهما سرديا عبر المنظور السردي، والفضاء السردي، بما يجعل النص فضاء مكثّفا لتجسيد القهر السلطوي وآثاره النفسية والوجودية.
إنّ اختزال الأحداث، وانحباس المكان، وضغط الزمن، جميعها عناصر تسهم في إنتاج إحساس عام بالاختناق والتسلط، ليغدو العنف جزءا من آلية اشتغال السرد، فضلا عن فعل تمارسه الشخصيات. ومن هذا المنظور، يتسرب كل من العنف والطغيان إلى بنية الخطاب عبر محدودية المنظور السردي، وتقييد حركة الشخصيات، وتوتر العلاقة بين الراوي والمعرفة. فالسرد يتيح للقارئ أفقا واسعا للفهم أو التنبؤ، ويخضعه – في الوقت ذاته- لاقتصاد معلوماتي صارم، يحاكي منطق السلطة القامعة. وهنا يتجليّان بوصفهما مهيمنتان نصيّتان يضبطان الحِراك السردي، ويعيدان توزيع السلطة داخل النص بين القول/ الصمت، والحضور/ الغياب، عبر كيفية قول كل منهما؛ والطريقة التي يتحولان فيها إلى توجيه الرؤية، وتنظيم الزمن، وتوظيف المكان. وبهذا المعنى، تغدو (النوفيلا) كما أطلق عليها الروائي هذه التسمية، فضاء خطابيا مغلقا نسبيا، تعاد داخله إنتاج آليات القمع على مستوى السرد ذاته، فيتحول النص إلى بنية تجسد الطغيان بدل الاكتفاء بتمثيله، وبما يجعله مثالا دالا على تداخل الجمالي بالسلطوي، وقدرة الخطاب الأدبي على محاكاة أنساق القمع عبر أدواته الداخلية، فما الآليات التي تسهم في تحويل العنف من فعل حكائي إلى اشتغال منظم للخطاب؟ وكيف توظف محدودية المنظور السردي واقتصاد المعرفة في إنتاج الطغيان داخل النص؟ وبأي معنى يسهم التكثيف والاختزال في تعميق أثر العنف على مستوى السرد؟ وكيف يعاد توزيع السلطة داخل الخطاب بين الراوي، والشخصيات، والقارئ، في ضوء حضور العنف والطغيان؟ وغيرها من الأسئلة.
تُظهر الرواية أنّ العنف يتخذ أشكالا متعددة، منها الإذلال، والانتظار القسري، ومصادرة الصوت، وتعليق المصير، في حين يتجلّى الطغيان في منظومة شاملة تُحكم السيطرة على الجسد والوعي معا. وتقرأ هذه المنظومة على أساس التمثيلات الدلالية لحالة الاختناق التي تفرضها السلطة على الأفراد، إذ يغدو العنف حاضرا في تفاصيل اليومي، ومندمجا في آليات الحياة نفسها. وتكمن أهميتها في أنّها تضع القارئ داخل تجربة العنف ذاتها، عبر تتبّع وعي شخصيات محاصَرة، لا تملك سوى الامتثال، أو الانتظار، أو الخوف من الخطأ. فالعنف – كما هو متعارف عليه- فعل طارئ يتفجّر عند احتدام الصراع، في حين يغدو الطغيان مناخا عاما يهيمن على العلاقات واللغة وطرائق الإدراك. من هذا المنطلق، تستمر الدراسة في تتبّع تجلياتهما في الرواية عبر التشكيل والتدليل، ونحن نقارب المنظور والفضاء السرديين.

المنظور السردي
ينطلق هذا المحور من فرضية مفادها أن المنظور السردي في رواية (قيظ) القصيرة يشكل أحد أهم تجليات العنف والطغيان داخل الخطاب، فطريقة توزيع الرؤية السردية، وحدود ما يكشف وما يحجب من معلومات، تعمل بوصفها آلية ضبط تحاكي منطق السلطة القامعة، وتعيد إنتاجه داخل بنية السرد. ويتجلى ذلك في اقتصاد المعرفة السردية، إذ لا يمنح القارئ موقع العارف الكلي، ولا تتاح له إمكانية الإحاطة الشاملة بمسارات الأحداث أو دوافع الشخصيات؛ لأنّ المعرفة هنا مجزأة ومؤجلة، ومحكومة بإيقاع قسري، الأمر الذي ينتج توترا دائما في التلقي، ويدخل القارئ في تجربة قرائية تتسم بالقلق وعدم الاستقرار. بهذا المعنى، يتحول السرد إلى فضاء تمارس فيه السلطة حضورها عبر التحكم بالمعلومة لتنتج العنف، إذ يسهم تقييد المنظور في تكريس شعور الاختناق النصي، فتروى الأحداث من زاوية محدودة لا تسمح بتعدد الأصوات أو بتوازن الرؤى. ويقرأ هذا التقييد بوصفه استراتيجية اشتغال، تعي إسهامها في تحويل العنف إلى ممارسة رمزية في الوعي، سواء وعي الشخصيات أو وعي القارئ، وتكمن أهمية هذه الآلية في قانون اشتغال الخطاب الذي يحكم القول.
إنّ اختيار منظور سردي محدود، واقتصاد صارم في توزيع المعرفة، يفضيان إلى إنتاج بنية نصية مغلقة نسبيا، تحاكي في انتظامها الداخلي منطق الطغيان، فيعاد تشكيل العلاقة بين الراوي والقارئ على أساس الفروق المعرفية، بما يجعل القراءة نفسها تجربة خضوع جزئي لقانون النص. ونتوصل أخيرا إلى أنّ الدراسة تكشف عن أن التكثيف والاختزال، يشاركان في إنتاج العنف عبر ضغط الحدث، وتقييد المنظور، وحصر إمكانات التأويل. بهذا المعنى، تدفع الرواية القارئ إلى تجربة تلقي مشدودة، وتحاكي في بنيتها الداخلية منطق القمع القائم على التحكم بالمعلومة، وإرجاء الفهم، وإدامة التوتر، فتفتح الرواية أفقا نقديا لقراءة السرد بوصفه فضاء تتقاطع فيه الجماليات مع أنساق السلطة.
اعتمد الراوي في الاستهلال على منظور ذاتي بضمير الجمع المتكلم:
“لم تكن الشمس في ذلك اليوم مجرد نجم يضيء السماء، بل كانت جلادا سماويا يمسك بسوط من نار يلهب به ظهورنا نحن الواقفين في العراء بلا رحمة”. (الرواية: 9).
وهنا يقدّم الراوي ذاته بوصفه جزءا من كتلة بشرية مصادَرة الهوية، وهو ما يتوافق مع العنف والطغيان حين يصادران الصوت الفردي، إذ يذوب ضمير الجمع ذوبانا قسريا في الكل، فتتحول الذات إلى رقم، والإنسان إلى تمثال، والصوت إلى صمت منضبط. حينها لا يعرف الراوي أكثر مما يُسمح له أن يعرف، ولا يرى إلا ما تراه العين المقهورة الواقفة في الصف. حتى وصول الضيف لم يُرو بوصفه حدثا سياسيا، وإنما ذريعة زمنية للعقاب الجسدي والانتظار. هكذا يتحول المنظور السردي إلى آلية قمع معرفي، لا يتيح أي أفق للانفلات أو التفسير، ويُدخل القارئ في التجربة ذاتها: معرفة محدودة، رؤية محاصرة، وتوتر دائم. ويتجلى العنف في تحوّل اللغة ذاتها إلى أداة ضبط: الأوامر القصيرة، الصراخ، الجمل الآمرة، مقابل الجمل الوصفية الطويلة التي تُقال داخليا:
“كان يمر بنا واحدا تلو الآخر، يتفحص الوجوه والياقات بحثا عن ضحية، وكان يصرخ بصوت أجش يشبه صوت حك الحجر بالحجر: انضباط! النفس ممنوع، الحركة خيانة، ويل لمن ترمش عينه”. (الرواية: 12).
يعتمد الصوت السلطوي على راوٍ مشارك بضمير الجمع، يندمج داخل الجماعة المقهورة، ما يضفي على السرد طابع الشهادة، فتتجسّد الرؤية السردية من زاوية داخلية تنقل الخوف الجمعي عبر التفاصيل الحسية (الوجوه، الياقات، الصوت الأجش). أمّا الخطاب السلطوي فيكشف هيمنة منظور القامع بوصفه صوتا قاهرا، يفرض منطقه داخل وعي الشخصيات، في حين الصوت الإنساني مؤجل، ومكبوت، ولا يسمح له إلا بالتفكير.
بعد أن يتعالق السرد مع حدثٍ سياسي/ رمزي يتمثّل في لحظة استقبال الرئيس الفنزويلي بوصفها لحظة كسر لجدار الحصار، يُفتح باب الطائرة، ويطل (هوغو تشافيز) وهو يرتدي بدلة مدنية بسيطة، وقميصا مفتوح الياقة بلا ربطة عنق، وهنا تتحدث الشخصية الرئيسة – عند مراسيم الاستقبال- في تشكيل الأحداث بلسان الراوي المشارك:
“رفعت بوقي، ذلك الرفيق الذي لم يخذلني يوما، ووضعت فوهته على شفتي المتيبستين من الجفاف والملح.
أخذت نفسا عميقا من الحجاب الحاجز، ملأت رئتي بهواء بغداد الحار والمغبر، (…)، نفخت.. ولكن، يا لهول الفاجعة! الهواء لم يخرج (…) تجمّد الدم في عروقي” (الرواية: 16).
في هذا الموقف المحرج، ينقل الراوي المشارك الحدث، ويعيد تطويعه داخل وعي خائف، ومراقَب. ينتقل السرد إلى ضمير المتكلم المفرد (أنا) بعد أن كان قائما على ضمير الجمع. ويعدّ هذا التحوّل تضييقا حادا لمنظور الرؤية: من جماعة مصفوفة إلى ذات واحدة موضوعة في بؤرة الامتحان والعقاب. وهنا يبلغ العنف ذروته، لأن الطغيان لا يكتفي بتذويب الأفراد في الجماعة فحسب، وإنما يعيد فصلهم فردا فردا في لحظة المحاسبة. وهذا الراوي الموازي لا يملك أي معرفة استباقية، فهو لا يعرف إن كان ما حدث عطلا فنيا أم قدرا قاتلا، لكنه يعرف شيئا واحدا بالتأكيد، وهو أنّ منطق النظام لا يعترف بالخطأ. وهنا يتحول المنظور السردي إلى وعي مأزوم، محاصر بالاحتمال الأسوأ، وكل تفسير ممكن يقود إلى العقاب. وعلى أساس ما تقدم فالمنظور يزجّ القارئ داخل التجربة، ويجعله شريكا في القلق، وهذا جوهر العنف.
ومثلما يفعّل الراوي المشارك آلية المفارقة بوصفها قانونا من قوانين اشتغال الخطاب، فإنه يذهب بهذه الآلية إلى ذروتها الدلالية، عبر سلسلة من الانكسارات السردية التي تقوم كلها على تضاد ظاهر الاحتفال وباطن العقاب. فـ(مدح رئاسي، وزر مفقود، وبوق معطّل) لا تقدّم وقائع متجاورة بقدر ما تشيّد بنية مفارقة مكتملة، إذ يُستدعى خطاب السلطة (المدح الرئاسي) في اللحظة ذاتها التي يتفكك فيها الجسد العسكري رمزيا (زر مفقود، بوق معطّل)، وكأن النظام، وهو يمارس أقصى درجات تمثيله الاحتفالي، يكشف في الآن نفسه ضعفه. لحظتها، يتكثّف حضور الراوي المشارك بوصفه ذاتا حائرة تُدفع من حدث إلى آخر دون امتلاك مفاتيح الفهم. ويقرأ الوقوف وحيدا استعارة سردية لعزلة الفرد داخل منظومة لا تعترف إلا بالانضباط الصامت. حتى العناصر التي تبدو غير عنيفة ظاهريا(سيدة في غاية الجمال، أوامر أنثوية غامضة، أوراق تُدسّ في اليد) تؤدي وظيفة القلق، إذ تُمنح بوصفها إشارات غير مكتملة المعنى، ما يعمّق شعور الارتياب بدل الطمأنينة، فيتجلى العنف هنا في تفكيك منطق السببية، لا رابط واضحا بين الأفعال ونتائجها، ولا معيارا يمكن الركون إليه للفهم أو النجاة.
“لوّحت لسيارة أجرة تكسي برتقالية وبيضاء متهالكة، توقفت أمامي بصرير مزعج. صعدت في المقعد الأمامي، والعرق يتصبب مني أنهارا. بدأ يتحدث بلا توقف، يشكو الحر، والوضع، والازدحام، وغلاء المعيشة، ويشتم أمريكا والحكومة والقدر… الرواية 25”.
إنّ كثرة الكلام من سائق التاكسي، مقابل الصمت المطبق لصاحب البوق المعطّل، تُعيد إنتاج التفاوت السلطوي داخل الخطاب ذاته. من يملك الكلام لا يملك التأثير، ومن يملك الصمت يملك الخطر الكامن. وهكذا يتحوّل الصمت إلى منظور راوٍ مشارك بزاوية داخلية، يلتقط التفاصيل الحسية بوصفها انعكاسا لاختناق الذات والمكان. ويتحوّل سيل كلام السائق إلى صوت اجتماعي جمعي يخترق وعي الراوي، موسّعا أفق السرد من الخاص إلى العام. هكذا يُختزل الواقع السياسي والمعيشي في مشهد عابر يكثّف اليومي بوصفه حاملا دلاليا للأزمة التي يعشها الشعب العراقي أثناء فترة الحصار الذي فرضته أمريكا. أما اعتقاد الراوي بأن “العاصفة ستبدأ عند دخوله المعسكر”، فيحمل دلالة تأويلية عميقة، إذ يكشف عن استبطان منطق الطغيان داخل وعي الشخصية نفسها. فالعقاب صار متوقعا، داخليا، يسبق وقوعه الفعلي، وهنا يبلغ العنف ذروته الشعرية حين يتحول الانتظار ذاته إلى شكل من أشكال القمع، ويصبح التوجس نمطا إدراكيا يفرض نفسه بقوة على صاحب البوق.
يستمرّ الراوي في الروي بصيغة المتكلّم المفرد (أنا)، وهو اختيار دلالي بالغ الأهمية، لأنّه ينقل العنف من مستوى المشهد العام إلى مستوى التجربة الشخصية المباشرة. فالراوي لم يعد جزءا من جماعة مصفوفة كما في الاستقبال، وإنما أصبح ذاتا منفردة تواجه السلطة وجها لوجه، وتتحمّل نتائجها وحدها. وهذا التحوّل يعكس أحد أوجه الطغيان، حين تنتقل السلطة من القمع الجماعي إلى العقاب الفردي الانتقائي، إذ يتمظهر جبروت النقيب (هاشم) عبر أفعاله، وتُمارس السلطة عبر الأوامر، والوسطاء، والقرارات المفاجئة. فإرسال الحارس (جبار) لإحضار صاحب البوق، وانتزاع الآلة منه، ثم إيداعه الزنزانة، تمثّل سلسلة من الأفعال السلطوية التي لا تحتاج إلى تبرير. والراوي بوصفه شاهدا ومشاركا، لا يملك سوى النقل، لا الاعتراض، وهو ما يعزّز الإحساس بأن السلطة هنا مطلقة، لا تُساءَل. ولكن تحدث المفارقة في لقائه الثاني مع النقيب (هاشم) :
“اتصلت “القيادة العليا” تستفسر عن أحوال الفرقة، وعنك شخصيا.. يبدو أن لك معارف واصلين. اذهب غير ملابسك، وارتح قليلا، سأنتظرك…. الرواية 33″.
وهنا يتجلّى العنف بأوضح صوره في تقلّب المصير المفاجئ: من سجين إلى مستدعى، ومن متّهم إلى محلّ استفسار من (القيادة العليا)، ثم إلى مُقال إداريا. هذا التقلّب ينبع من مزاج السلطة وتقاطع مستوياتها، ما يجعل الفرد مجرّد عنصر قابل للإلغاء أو الإبقاء. وهنا يبلغ الطغيان ذروته، لأن مصير الإنسان يُحدَّد من خارج إرادته بالكامل. ويبلغ المنظور الذاتي ذروة دلالته في الجملة الختامية:
“خرجت من المعسكر، وهذه المرّة بلا عودة، تاركا خلفي عمرا من النحاس والطاعة … ص34”.
هذه العبارة لا تُسجّل حدثا إداريا (الإقالة) فحسب، وإنما تُلخّص تجربة طويلة من الامتثال القسري. فـ(النحاس) يحيل إلى البوق بوصفه أداة طاعة، و(الطاعة) تحيل إلى نمط حياة كامل قائم على الامتثال. وبذلك يتحوّل الصوت الفردي، الذي كان يوما أداة للسلطة، إلى صوت سردي يستعيد إنسانيته عبر الخروج.
يواصل النص الروائي اعتماده منظور المتكلم المفرد (الأنا)، وهو منظور يرسّخ طابعي الاعتراف والذات، ويجعل العنف والطغيان يُرويان من الداخل لا من موقع المراقب الخارجي. والراوي هنا ذاتٌ مكسورة تُسرد الحكاية بوعي مثخن بالقهر، ما يمنح السرد كثافة شعورية عالية، لكنه في الوقت ذاته يفرض قيدا معرفيا واضحا؛ فالقارئ لا يعرف إلا ما تعرفه هذه الذات، ولا يرى إلا بزاوية الجرح. وما استمرار الخطّية السردية (من الطرد إلى العودة، ومن البيت (البوق) إلى الدعوة، ومن الأوبريت إلى الملجأ) إلا تقديم النص بوصفه مسارا سببيا متدرّجا، وكأن العنف يتحرّك وفق منطق (حتمي) لا مفاجآت فيه. وهنا تحديدا يمكن تبرير التمنّي بكسر الخطّية؛ لأن العنف والطغيان، بوصفهما خبرة وجودية، لا يُعاشان خطيا ولا يُستعادان زمنيا على نحو مستقيم، بل يتفجّران في الذاكرة على شكل ومضات، وارتدادات، واسترجاعات قسرية. فكسر الخطّية (بالاسترجاع أو التداخل الزمني) يُحاكي تشظّي الوعي بعد الصدمة، ويجعل المنظور السردي أكثر تمثيلا لحالة الانكسار الداخلي. ولكن مع ذلك، فإن بقاء السرد الخطي في رواية (قيظ) يحاكي منطق المؤسسة القامعة ذاتها، التي تفرض على الفرد مسارا واحدا لا التفاف فيه. الراوي يُطرد، ثم يُستدعى، ثم يُستثمر رمزيا، دون أن يُمنح فرصة حقيقية للاختيار. حتى الدعوة (الذهبية) تأتي بوصفها امتدادا للعنف لا نقيضا له؛ لأن مصدرها مجهول، ومعايير الترشيح غامضة، ما يُبقي الراوي داخل دائرة الارتياب والخضوع. وهكذا يصبح المنظور السردي أداة لكشف الطغيان من خلال استمرار الارتهان لمنطق لا يُفسَّر، ويعمّق الإحساس بالاختناق، والخطّية السردية، على الرغم مما يُؤخذ عليها، تُحاكي قسرية المسار الذي تفرضه السلطة.
وإذ كان السرد فيما تقدم محكوما بمنظور المتكلّم الـ(أنا)، فإنه يتحوّل نوعيا داخل هذا المنظور، إذ ينتقل الراوي من موقع الضحية الساكنة إلى موقع الذات التي تبدأ باكتشاف شبكة السيطرة التي تحيط بها. فالـ(أنا) هنا تروي الألم وهي على وشك إدراك مصدره، ففي مشهد العزف، يتوسّع وعي الراوي ليشمل ذواتا أخر: سمية، الجندي المغشي عليه، الطفلة تحت الركام، الأرواح الهائمة. هذا التوسّع لا يحرّر المنظور، بل يثقله؛ إذ يتحوّل العزف إلى فعل نيابة عن ضحايا لا صوت لهم. المنظور الذاتي هنا يُحمَّل عبء الذاكرة الجمعية، فيغدو الراوي وسيطا قسريا بين الموتى والعالم، وهو شكل من أشكال العنف الرمزي ، إذ تُجبر الذات على تمثيل ما لا طاقة لها به.
وبعد أن يدعى (ريس ساجي) إلى المشاركة في (أوبريت ملجأ العامرية)، وإثناء العزف في بوقه السوفيتي العتيق، تظهر السيدة ذاتها التي أوقفت سيارتها يوما ما، وسلّمته ورقة، ما زال يحتفظ بها:
“نفس السيدة، نفس الثوب المخملي، نفس الوقفة الشامخة. كانت تحدّق بي.. بي أنا فقط، وسط عشرات العازفين (…)، رفعت بوقي قليلا كأني أحييها أو أسألها. حاولت أن أركّز نظري عليها، لكن الحشود تحركت وحجبتها….الرواية 63”.
يشتغل هذا المقطع السردي بمنظور داخلي ذاتي محكوم برؤية إدراكية، إذ تُعاد صياغة المشهد كله عبر نظرة الراوي وانجذابه البصري. ويتحوّل التكرار (نفس السيدة، نفس الثوب، نفس الوقفة) إلى آلية تثبيت هوسي للصورة داخل الوعي. أمّا انمحاء المرأة خلف الحشود فيكرّس انكسار الرؤية السردية، ويؤكد خيبة الاتصال بينهما. ولكن هذه السيدة نفسها، تظهر مرة أخرى في تصعيد درامي سريع، يتوافق مع اشتراطات الرواية القصيرة، بدءا من لقائها معه، وجرّه بالقوة والإغراء إلى بيتها، حتى ظهورها في زاوية معتمة في بيتها، ثم اختفاؤها. وهذا يرسّخ منطق المنظور المرتاب؛ لأنّ الرؤية غير مؤكَّدة، والحضور ملتبس، واليقين مؤجَّل. والسرد لا يمنح القارئ حقيقة ثابتة، وإنما يضعه داخل وعي مهتزّ لا يملك أدوات التحقق. وهنا يتجلّى الطغيان بوصفه تحكّما في الإدراك نفسه: لا تعرف إن كنت رأيت حقا أم تخيّلت، ولا تستطيع مساءلة ما حدث. وعند لحظة الكشف النهائية، حين تعلن (ديالا) أنها دبّرت السجن والاستقالة والأوبريت، ينقلب المنظور من وعي مقهور إلى وعي مصدوم. الصدمة تأتي اكتشاف أن الـ(أنا) لم تكن فاعلا في حياتها، بل موضوعا للتلاعب. وهنا يتجسد سؤال الراوي: “من أين لكِ الحق لتتحكمي بحياتي؟ ما هذا الاستبداد؟ …. الرواية 89”. هو ذروة الوعي السردي؛ إذ ينتقل السرد من توصيف القهر إلى تسميته صراحة بوصفه استبدادا. ومع ذلك، لا يستعيد الراوي سلطته السردية كاملة؛ فـ(ديالا) تُقدَّم بوصفها (لاعبة شطرنج)، أي عقلا تخطيطيا يتجاوز وعي الجميع. وهنا يُعاد إنتاج الطغيان داخل المنظور نفسه: حتى لحظة الفهم لا تعني التحرّر، بل تعني إدراك عمق الأسر.
وعلى أساس ما سبق، نجد أنّ العنف والطغيان يتكشّفان بوصفهما نظامين محكمين لإدارة المصائر، والمنظور السردي الأحادي يُستخدم لإغراق الذات في الوهم قبل كشف الحقيقة، والفضاء الروائي يتحوّل إلى شبكة مصائد ناعمة، إذ يبدو كل شيء اختيارا، لكنه في العمق مُدبَّر سلفا. و(ديالا) تمارس الطغيان بالعقل التخطيطي، وبامتلاكها الذاكرة، والمعلومة، والقدرة على تحريك الآخرين دون أن يشعروا. وهكذا تُقدّم الرواية نموذجا بالغ الدلالة عن تحوّل الاستبداد من سلطة ظاهرة إلى سلطة خفية، تجعل الفرد يكتشف متأخرا أنه كان يعزف، ويتألم، ويقاوم… داخل رقعة ليست له.
يواصل السرد اعتماده ضمير المتكلّم، إذ يمثّل التحوّل الأخطر في موقع الأنا الساردة؛ فينتقل الراوي من ذات مُستدرَجة إلى ذات تُدرك أنها أُقحمت داخل منظومة عنف مركّب، يقوم على الإغواء الأخلاقي والشرعية الزائفة. ويروي الراوي توقيع العقد بوعي لاحق، أي أن السرد يستعيد اللحظة بوصفها خطيئة معرفية، وتشبيه صوت القلم بخدش الشمس على الزجاج يحوّل الفعل البسيط (التوقيع) إلى إيذاء كوني، ويكشف أن العنف هنا غير مرئي لحظة وقوعه، لكنه يتضخّم لاحقا بوصفه قدرا. وهنا يعمل المنظور السردي بمنطق الاعتراف المتأخر، إذ لا تُفهم الأفعال إلا بعد انكشاف نتائجها الكارثية. ويؤكد الراوي على تضخيم صورة الذات (الملابس، النفوذ، المكتب، العلم) فيقدّمها بوصفها اغترابا عن الهوية الأصلية، فلا ياعرف على نفسه في المرآة، ما يعني أن الطغيان نجح في أخطر مراحله: تحويل الضحية إلى واجهة ناعمة لمنظومة فساد. وهنا يمارس السرد عنفا أخلاقيا على الأنا نفسها، إذ يجبرها على مواجهة تورّطها.
وتنبى لحظة اكتشاف (الأدوية المغشوشة، الشركات الوهمية) سرديا على التفاصيل الصغيرة، فيفضّل المنظور علامات الهامش (رقم تسلسلي، شحنة سابقة) بوصفها ما يهدم السردية الرسمية. وهذا يرسّخ فكرة أن الطغيان لا يسقط بالخطب، بل بانكشاف شقوقه الدقيقة. ويعيد اعتراف ديالا توزيع العنف داخل هذا المنظور: فهي ليست شريرة مطلقة، وإنما ضحية أخرى داخل شبكة أوسع. وهنا يبلغ السرد ذروته الموضوعاتية؛ إذ يُظهِر أن الطغيان بنية شبكية، لا شخصا واحدا. غير أن هذا لا يعفيها أخلاقيا، وإنما يعمّق المأزق، فالجميع متورّط، ولكن بدرجات مختلفة. وفي الإقفال السردي يعدّ التحوّل الفنتازي في النهاية (الجسد الشفاف، البوق، الذوبان في المدينة) استعادة رمزية للسيادة السردية. حين يفشل الفعل السياسي والقانوني، ولا يبقى أمام الـ(أنا) سوى التحوّل إلى رمز. وبهذا يستعيد الراوي صوته عبر الأسطورة، لا عبر النجاة الفردية
الفضاء الروائي: الزمن والمكان
ينطلق هذا المحور من فرضية مفادها أنّ الزمن في السرد، يسهم في سياق تمثّلات العنف والطغيان في تنظيم الخطاب وإنتاج دلالته. ووفق سياق السرديات القصيرة، يكتسب الزمن السردي كثافة خاصة، إذ غالبا ما يشتغل على الاختزال، والتعليق، والتكرار، والانحباس، بدل الامتداد والتطوّر الخطي. وهذه السمات تُقرأ بوصفها أداة ضغط، تُقيِّد حركة الشخصيات، وتُعلّق إمكان التغيّر، وتُنتج إحساسا دائما بالانتظار أو الدوران داخل لحظة واحدة. وبهذا المعنى، يغدو الزمن اشتغال قهري يحاكي منطق الطغيان القائم على تعطيل الأفق. أما المكان في السرد، فيتجاوز كونه حيّزا تجري فيه الأفعال، ليغدو عنصرا فاعلا في إنتاج حراك دلالي، عبر ما يتسم به كل من العنف والطغيان من انغلاق، أو ضيق، أو غموض. فالفضاءات المغلقة أو المحدودة تؤدّي وظيفة تتمثّل في تكريس الشعور بالحصار، وتقويض العلاقة الحرة بين الذات والعالم. ووفق هذا المنظور، فإن الفضاء آلية ضبط سردي تُعيد إنتاج السلطة داخل الخطاب. ويُلاحظ أنّ التفاعل بين الزمن والمكان يُنتج ما يمكن تسميته بـ (الزمكان)، إذ يتضافر الزمن المعلّق مع الفضاء المغلق لتشكيل نص سردي محدود الحركة والتأويل. وهذا التفاعل يُمارس العنف على مستوى التنظيم النصّي ذاته، فيتحوّل السرد إلى تجربة محكومة بقوانين قسرية، يتقاسمها النص والشخصيات والقارئ على حدّ سواء.
إنّ المكان محدد بدقة: (مطار بغداد الدولي – ساحة المراسم)، لكنه يُفرغ من وظيفته الطبيعية بوصفه فضاء عبور، ليغدو فضاء احتجاز. المطار، رمز الحركة والانفتاح، يتحول إلى ساحة تعذيب رمزي، وساحة المراسم تتحول إلى مسرح إذلال. هذا الانقلاب الوظيفي للمكان هو جوهر كل من العنف والطغيان، فالمكان لا يخدم الإنسان، وإنما يراقبه ويقهره. وهذا الفضاء مفتوح ظاهريا (العراء)، لكنه مغلق وظيفيا: لا ظل، ولا حركة، ولا انسحاب. والانفتاح هنا تعريض مباشر للعقاب، فتغدو الطبيعة نفسها (الشمس، الأسفلت، الريح) جزءا من منظومة القمع. أما الزمن فمحصور في الظهيرة، في لحظة واحدة مكثفة: انتصاف النهار. هذا التحديد يحمل دلالة واضحة، “الزمن: الرمق الأخير من تسعينيات القرن الماضي تموز اللاهب”. (الرواية:9). إذ تختفي الظلال بسبب انعدام الملجأ، وتتعرى الحقائق، وتنكشف الذات أمام السلطة، ويتوقف الزمن المعلّق عند لحظة الانتظار، ويدور داخل لحظة واحدة تتكرر شعوريا. وهذا التعليق الزمني يُنتج إحساسا بالاختناق، إذ لا مستقبل مرئيا، ولا ماضيا قابلا للاستعادة، وإنما حاضر ممتد يشبه العقوبة. وفي هذا الاستهلال أيضا، يتفاعل الزمن والمكان، فيتضافر الزمن القاسي مع المكان العاري لإنتاج فضاء جحيمي مكتمل، تتحول فيه الشمس إلى جلاد، والمكان إلى ساحة تنفيذ، والزمن إلى أداة تعذيب. وبهذا يتحقق الطغيان بوصفه ثيمة كليّة، تدمج الطبيعة، والمكان، والزمن، والخطاب في سرد قهري واحد. والمنظور المحدود، والفضاء المغلق في انفتاحه، والزمن المعلّق، كلها تُعيد إنتاج الطغيان بوصفه تجربة قرائية، وليس حكاية تُروى.
ومثلما كان المكان فضاء تنفيذيا ورمزيا، وساحة اختبار للولاء والانضباط، إذ يتحول البوق، وهو أداة موسيقية، إلى أداة إدانة، ويتحول الجسد إلى موقع خطر، نجده عند تتبع الخطية السردية، أنّ المكان نفسه يتحول إلى مسرح سياسي دولي، وواجهة (هيبة الدولة). هذا التناقض يضاعف ضغط المكان، والخطأ الفردي لا يُحاسَب بوصفه خطأ، وإنما بوصفه تشويها لصورة الدولة أمام الخارج. إذن المكان ليس محايدا ولا ثابتا، وإنما يتحوّل بحسب وظيفة السلطة، وهو ما يجعله جزءا من جهاز القمع لا مجرد إطار. أما الزمن الخطي فهو زمن لحظي مكثف، لحظة فتح باب الطائرة، ولحظة إطلاق النغمة، وكلاهما لحظتان احتفاليتان في الظاهر، لكنهما في العمق لحظتا خطر، فالزمن يتوقف:
“تجمّد الدم في عروقي. الزمن توقف” (الرواية: 17).
وما هاتان العبارتان إلا توصيف لزمن معطل، إذ يُلغى المستقبل (إما الإعدام أو السجن)، ويُفرغ الحاضر من أي إمكان للتدارك، ويُختزل الماضي في سجل اتهام. فيُنتج زمن الطغيان: زمن لا يُقاس بالساعات، وإنما بدرجة القرب من العقاب، ويكشف أن رواية (قيظ) تبني العنف عبر منظور سردي محاصر بالاحتمال الأسوأ، في فضاء واحد يؤدي وظائف قمعية متعددة، وزمن معلّق يجعل الخطأ مساويا للموت.
وبعد أن يروي الراوي في صيغة المتكلم بضمير الـ(أنا) جبروت (النقيب هاشم)، وإرسال حارسه الخاص (جبار) بإحضار صاحب البوق (ريس راجي) لعدم مجيئه مع جماعته بعد انتهاء المراسيم، وأمر بانتزاع البوق منه، واقتياده إلى زنزانة السجناء، وإخراجه بعد ساعات من الزنزانة، بعد أن اتصلت (القيادة العليا)، تستفسر عن أحوال الفرقة، وعن عازف البوق شخصيا. يوقظه الحارس في الصباح الباكر، ويسلّمه ورقة من النقيب هاشم بعد أن غادر فجرا، ليجد فيها أمرا إداريا بإقالته. وهنا يتحرّك الزمن وفق إيقاع قاسٍ وسريع، يعكس طبيعة العنف السلطوي. فالحدث يُدار عبر ساعات قليلة تفصل بين الزنزانة، والاستدعاء، والإقالة. هذا التسارع الزمني يكشف أن السلطة تمارس العقاب بصورة خاطفة، تُربك الوعي وتُفقد الفرد إحساسه بالاستقرار. ويكتسب الصباح الباكر دلالة خاصة، فهو زمن يُفترض أن يكون بداية جديدة، لكنه يتحوّل إلى لحظة قطع نهائي مع الماضي. فالاستيقاظ على ورقة الإقالة يضفي على الزمن طابعا صادما، إذ لا يُمنح الفرد حتى حق الوداع أو التفسير. الزمن هنا لا يُنقذ، بل يُفاجئ، ويعمل بوصفه أداة من أدوات الطغيان. ويتحوّل المكان من ساحة مراسم إلى زنزانة، ثم إلى معسكر، وأخيرا إلى الخارج. وهذه الحركة المكانية هي انتقال قسري تحكمه السلطة. فالزنزانة تمثّل أقصى درجات الإلغاء، إذ يُختزل الإنسان إلى جسد محتجز. والمعسكر، بوصفه فضاء مغلقا، لا يُغادر إلا بقرار سلطوي، لا بإرادة ذاتية. ويكتسب فعل الخروج من المعسكر دلالة مضاعفة؛ فهو في الظاهر خروج قسري نتيجة الإقالة، لكنه في العمق تحرّر من منظومة الطاعة. غير أنّ هذا التحرّر ليس احتفاليا، بل مشوب بالخسارة، لأن الراوي يخرج تاركا خلفه (عمرا)، أي تاريخا كاملا من الامتثال. وهنا يتجلّى العنف في صورته الأكثر تعقيدا: حين يتحقّق الخلاص عبر الإقصاء.
يتشكّل الفضاء السردي في النص بوصفه فضاء قهريا متحوّل الوظيفة، حيث لا مكان يؤدي معناه الطبيعي. البيت، الذي يُفترض أن يكون فضاء أمان، يتحوّل إلى فضاء فراغ، والبكاء على الخواء، وفقدان الدور والمعنى وليس على الوظيفة. وخلع القميص العسكري يعني انتقالا من طغيان ظاهر إلى طغيان داخلي، إذ تستقر السلطة في الذاكرة. والمكان الأشد كثافة دلالية هو (ملجأ العامرية)، الذي يُقدَّم بوصفه جرحا مفتوحا في الجسد العراقي. الملجأ فضاء كان (وعدا بالأمان) فانقلب إلى قبر جماعي، وهذا الانقلاب المكاني هو جوهر الطغيان: تحويل ما يحمي إلى ما يقتل. الدخول إليه لا يتم بالكلمات، بل بالموسيقى، وكأن اللغة خانت، ولم يبقَ سوى الأنين بوصفه خطابا صادقا. أما الزمن، فيتحرّك ظاهريا إلى الأمام، لكنه دلاليا زمن دائري مثقَل بالفاجعة. التاريخ المكتوب في الورقة (14/ 2/ 1991) يعيد الزمن إلى لحظة القصف، ويحوّل الحاضر إلى تكرار للصدمة. الزمن هنا يفتح الجرح. والتدريب الموسيقي قبل العرض استحضار طقوسي للموت. وتبلغ رمزية الفضاء ذروتها في مشهد الفأر الأبيض الملطّخ بالسخام. الكائن الصغير، الهجين بين النور والظلام، يتحوّل إلى علامة مكانية/أخلاقية: النجاة لا تتحقق إلا بالمرور في العتمة. المكان لا يمنح خلاصا طاهرا، وإنما يفرض اتساخ اليدين برماد الحقيقة. هكذا يُمارس المكان عنفه الصامت، عبر إجبار الذاكرة على التذكّر، ويُقدَّم العنف والطغيان بوصفهما منظومة زمكانية تحاصر الذات أينما ذهبت. ويحوّل الفضاء السردي، بزمنه المعلّق وأمكنته المنقلبة، الذاكرة إلى ساحة عنف مستمر، ويجعل الفن (الموسيقى) محاولة يائسة، لكنها نبيلة، لمقاومة الطغيان بالأنين الصادق لا بالشعار.
يتحوّل الفضاء في لقاء (ساجي) و (ديالا) إلى سلسلة عتبات قهرية، لا أماكن حيادية. الملجأ، السيارة، القصر، غرفة الضيوف، كلها فضاءات عبور، لكنها عبور إلى طبقة أعمق من السيطرة. الملجأ، بوصفه فضاءً للذاكرة الجماعية، لا يغلق أثره بانتهاء العزف. الخروج منه جسدي فقط، أما الروح فتبقى (معلّقة بين السماء والأرض). والزمن هنا زمن امتداد الفاجعة، والعزف يوقظ الزمن. وتمثّل السيارة فضاء الانتقال القسري. لحظتها أدرك الراوي أنه يركب سيارة ليحوّل المكان إلى رمز سلطوي: لا خيار، لا سؤال، لا معرفة بالوجهة. والظلام داخل السيارة دلالة على تعمية مقصودة، إذ يُسلب الفرد حقّ الرؤية كما سُلب سابقًا حقّ القرار. أما القصر، برخامه الإيطالي، وعمادته البيضاء، وطعامه الفاخر، فيمثّل فضاء الطغيان الناعم. هنا يُمارس بالفارق الطبقي والترف القاسي. فحذاء الراوي المهترئ فوق الرخام البارد يُنتج عنفًا صامتًا: إذلال غير معلن، وتذكير بالموقع الأدنى داخل منظومة القوة.
أما زمنيًا، فيعمل السرد في الفصل الحادي عشر تحديدا على كسر التسلسل النفسي وإن حافظ على التسلسل الحكائي؛ فالاعتراف بندبة (ديالا) يعيد الزمن فجأة إلى حادثة قديمة، ليكشف أن الماضي كان يُخزَّن لاستخدامه لاحقًا. الزمن هنا أداة انتقام، لا ذاكرة بريئة. والفضاء الأخير، غرفة الضيوف، يبدو هادئًا، لكنه فضاء تهديد مؤجَّل. الوعد بالحديث صباحًا تأجيل للسيطرة. وفي الصباح، حين يُكشف المخطط كاملًا، يتبيّن أن كل الأمكنة السابقة لم تكن سوى محطات داخل رقعة واحدة.
وقبل الإقفال النصي ينقسم الفضاء على مستويين متقابلين: فضاء الإغواء المؤسسي، وفضاء الانكشاف والعاصفة، مقر المؤسسة، بمكتبه الفخم وعلم الدولة وشعاره الإنساني، بعدها، يُقدَّم الفضاء بوصفه فضاء طغيان ناعم، فيمارس المكان العنف بالشرعية: أوراق رسمية، صحف، مدارس، شعارات. هذا الفضاء يُخدِّر الزمن؛ لأنّ الأشهر تمرّ مثل (حلم وردي)، ما يدل على أن الطغيان ينجح حين يجعل الزمن يبدو طبيعيا ومستقرا. وفي المقابل، تأتي الليلة الممطرة بوصفها كسرا لهذا التخدير. المطر، النادر في بغداد، يؤدي وظيفة تطهير كاذبة: يغسل الغبار لكنه يكشف العيوب، فيتحوّل الزمن هنا من زمن إداري بارد إلى زمن انكشاف أخلاقي حاد. والمكان نفسه (المكتب) ينقلب من فضاء سلطة إلى مسرح مواجهة. ويظهر القصر، مرة أخرى، بوصفه فضاء الطغيان العاري. الاقتحام، السلاح، الورقة القسرية، كلها تُعيد العنف إلى صورته البدائية. السطح يمثّل الحدّ الأخير للمكان: لا علوّ يحمي، ولا مفرّ بعده. وعند هذا الحدّ، ينهار المنطق الواقعي للمكان، ويفسح المجال للفنتازيا، إذ تشكّل العاصفة الترابية فاعلا مكانيا. الغبار الأحمر يتحوّل إلى مادة تشكّل، وتعيد كتابة العلاقة بين الجسد والمكان. والمدينة نفسها تدخل في السرد، بوصفها كيانا حيا يحتضن (ساجي). وهنا يُمحى الحدّ بين الفرد والمكان: الراوي لا يسكن بغداد، بل يصير هو بغداد، والزرّ النحاسي، الذي يتنقّل بين الجسد والسلطة والذاكرة، يتحوّل إلى مكثّف مكاني: شيء صغير يحمل تاريخ الطغيان، لكنه في النهاية يصبح نواة الخلود الرمزي
نتائج الدراسة
1. العنف في رواية (قيظ) القصيرة لحكم الكاتب منظومة متعددة المستويات تبدأ بالإغواء الأخلاقي، وتبلغ ذروتها في القسر المسلّح، وتنتهي بالتحوّل الأسطوري.
2. المنظور السردي بضمير المتكلّم يُستخدم لإدانة الذات الساردة، وكشف تورّطها المرحلي داخل بنية الطغيان.
3. الطغيان يُمارَس بوصفه شبكة تتوزّع بين المال، والخوف، والشرعية، والذاكرة، ما يجعل مقاومته فرديا مستحيلة.
4. الفضاء السردي يتحوّل من مؤسسات نظيفة ظاهريا إلى أمكنة فاجعة، بما يكشف زيف الخطاب الإنساني حين يُدار من داخل منظومة فاسدة.
5. الزمن في الرواية زمن خداعي: يمرّ بهدوء حين يُمارَس العنف باسم الخير، وينفجر حين يُكشف المستور.
6. الخاتمة الفنتازية إعلان فشل كل أشكال العدالة الأرضية، واللجوء إلى الأسطورة بوصفها آخر شكل من أشكال المقاومة.
7. تنجح الرواية في تحويل البطل من فرد مسحوق إلى رمز جمعي، حيث يغدو (قيظ بغداد) استعارة عن ذاكرة لا تبرد، وعن عنف لا يُمحى، لكنه أيضا لا ينتصر نهائيا.



















