العلوي يراجع وقائع الحقبة الملكية: السعيد ثوريّ كعبد الناصر وصدام لكنه مصاب بفوبيا الشيوعية

571

العلوي يراجع وقائع الحقبة الملكية: السعيد ثوريّ كعبد الناصر وصدام لكنه مصاب بفوبيا الشيوعية

الأحلام تقتل رئيس الوزراء السابق وكنت داخل منزله فجر 14 تموز 1058

بغداد – أحمد الأمين

دعا المفكر السياسي الكبير حسن العلوي الى مراجعة ارث شخصيات التاريخ السياسي العراقي، مراجعة منصفة وعقلانية تستند الى المعايشة الميدانية والشهادة الحية على الاحداث، وعدم الركون فقط الى المصادر المطبوعة او البحوث الاكاديمية، التي تفتقر احيانا الى الدقة او تخضع الى التأثيرات والضغوط. وانتقد وسائل الاعلام ولاسيما الفضائيات التي تكتفي بعرض الوقائع والحوادث المتعلقة بالحقبة الملكية بالاعتماد على الاجتهادات، وترك شهود العيان الذي كانوا في قلب تلك الوقائع وقد تقادم العمر بهم لكنهم مازالوا احياء. واستعرض العلوي في حديث لـ (الزمان) عبر الهاتف من اربيل، التي يصف وجوده فيها بـ (النزيل) حقبة بارزة من العهد الملكي، كان فيها رئيس الوزراء الاسبق نوري السعيد، الشخصية الاكثر حضورا في الحياة السياسية العراقية والاكثر صلة بالتحولات التي شهدتها المنطقة الخاضعة الى النفوذ البريطاني. ورأى العلوي ان اغلب الاحاديث التي تناولت سيرة وحياة السعيد، لم تكن بالدقة المطلوبة ولم تترجم دقائق الامور في عهده، واكتفت، اما بالسماع فقط او النقل عن مصادر شفاهية. واكد انه كان احد شهود الحقبة السعيدية وتابع تفاصيل حياة رموزها من خلال قرب مسكن السعيد من منزل العلوي بمنطقة كرادة مريم، او عبر المشاهدة الحية المقرونة بالسماع المباشر خلال مرحلة الدراسة في الاعدادية والجامعة. وقال انه شارك في التظاهرات التي كانت تنطلق من مدرسته ثانوية الكرخ للبنين من خلال قيام المدرس محمد فتيان الراوي شقيق وزير العدل ابان حكم عبد السلام محمد عارف، بتحريض الطلبة على التظاهر ورفع شعارات مناوئة لنوري السعيد. واضاف العلوي انه (يستذكر جيدا ان تلك التظاهرات كانت تنطلق من الكرخ وتتجه الى ساحة الرصافي (الحالية) لتلتقي بتظاهرات مماثلة لطلبة الاعدادية المركزية ببغداد، وتدخل شارع الرشيد ثم تصل الى ساحة التحرير (سميت بعد ثورة 14 تموز 1958 بهذا الاسم)، وتأخذ مسارها نحو شارع الكفاح وتعود الى نقطة البداية هاتفة بسقوط المعاهدات المبرمة مع بريطانيا ولاسيما معاهدة بورتسموث ومن بعدها حلف بغداد). واكد العلوي انه (كان شاهدا حيا على اللحظات الاولى لثورة 14 تموز 1958 وصادف انه فجر يوم الثورة سمع رشقات رصاص من رشاش، فذهب مع عدد من شباب المنطقة الى منزل نوري السعيد بحي السكك، فوجد ضابطا طويل القامة اسمر البشرة على انفه ندبة، وعرف من خلال ابناء حامد شقيق الزعيم عبد الكريم قاسم انه وصفي طاهر.

وشدد على القول (ان حضوره الى منزل السعيد كان فور اعلان البيان رقم واحد بتوقيع الزعيم في نحو الساعة 6,15 – 6,30 من صبيحة يوم الثورة). ورسم العلوي صورة لمنزل السعيد بالقول (بيت بسيط بلا ديكور او اثاث فاخر، يقع امام الشط – نهر دجلة – بجواره غابة او بستان يملكها الاهالي وقد تعود الى يهود او مسيحيين. كما رأيت عربة قديمة وخاولياً (منشفة) لونها وردي، وغرفة الطعام تحتفظ بآخر وجبة تناولها السعيد قبل هروبه، وشاهدت شبه مكتبة، بل هي رفوف كتب تحتوي على مجلدات لا اظن السعيد فتحها في حياته. اما المطبخ فكان بسيطا جدا. وبالمناسبة فملكية البيت تعود لادارة السكك الحديد).

مجاهد سياسي

ووصف العلوي رئيس الوزراء الاسبق نوري السعيد بـ (المجاهد في السياسة البريطانية)، واكد ان السعيد (كان يحب بريطانيا ويخشى على مصالحها في العراق ويلتزم بنظرية خاصة مؤداها ان على العراق ان يحتمي بدولة قوية.

واذا نظرنا الى هذه الرؤية السعيدية الان فانها تبدو صحيحة جدا، اما في ضوء الظروف الدولية السابقة، فان اقامة حلف دولي يجعل بغداد تابعا فهو امر خطيرا جدا. ولاشك في ان عوامل خارجية اسهمت في احراج السعيد من بينها الثورة المصرية عام 1952) ويرى العلوي ان (الاحلام هي التي قتلت نوري السعيد برغم انه كان في رأيي مجاهدا وبقي ثورياً بمعنى حلمه في تحقيق الاهداف بأية طريقة كانت. كان السعيد يحترم اليسار العراقي لكنه مصاب بفوبيا الشيوعية واظن ان دولا مثل الكويت استفادت من دروس الماضي، فاوكلت الى القوميين العرب كتابة نحو نصف مواد دستور البلاد وان الاردن لم يذهب في التبعية الى بريطانيا حتى النهاية القصوى كما فعل السعيد).

وعلى المستوى الشخصي يعتقد العلوي ان (السعيد ظل معزولا، ولم يكن اجتماعيا قط لانه عصملي النزعة، فلم يساعد جيرانه الفقراء في منطقة الكرادة. كان يسير بدون حماية، ولم تكن مركبات مصفحة تحرس منزله. وكان يملك سيارة خاصة برقم  20 بغداد. وكان زاهدا كل الزهد ولا اعتقد انه كان عميلا بقدر ما كان حريصا على قوة دولية كبرى يحتمي بها العراق من الجغرافية القاتلة التي وضع فيها). ويستدرك العلوي بالقول (ان السعيد وقع في خطأ قاتل بل في اخطاء جسيمة من بينها اقامة حلف بغداد، فقد جعلته موسكو نتيجة ذلك نداً لها. وكان على السعيد السؤال: ما الذي يشكله العراق ازاء الاتحاد السوفياتي السابق؟). ويصف العلوي طريقة تسلل السعيد من منزله بعد اعلان الثورة بالقول (ان بلاماً يدعى محمد العيسى الحمداني واخاه حسون هما اللذان نقلا السعيد، بالقارب الى الضفة الاخرى من الشط. انه نوع من الوفاء له، فيما اذا قارنا الحادث مع عملية القبض على الرئيس الراحل صدام حسين لاكتشفنا ان اقاربه وبعض الحزبيين هم الذين وشوا به لدى الامريكيين). وفي مقاربة اخرى يرى العلوي ان (شخصية السعيد تقترب من شخصيات ثورية كجمال عبد الناصر وصدام حسين تحمل روحا انتقامية من الخصوم. فقد كان السعيد قاسياً مع خصومه ولاسيما الشيوعيين منهم. فقد اعدم قادتهم واعدم ضباطا انقلابيين. واتذكر ان قارئاً للمربعات شارك في تظاهرات احتجاجية ضد الحكم الملكي عام 1952 اعدمه السعيد دون تردد. وكان صالح جبر يشاركه هذا التوجه). ونفى العلوي ان يكون السعيد ديمقراطيا او ليبراليا او مسالما، مشيرا الى انه (لو لم يكن ضمن الزعامة الملكية لبدا شبيهاً بسلوك اي ثوري اخر. انه لا يتردد في استخدام القسوة ضد خصومه ومناوئيه شبيه بجمال وصدام). واكد العلوي (ان الانكليز كانوا يعرفون هذا النزوع الانتقامي لدى السعيد، لكني ارى انه يحمل قسوة الثوريين وعفافهم، وهو لم يكن متسامحاً البتة. اي انه يجمع في شخصيته التناقضات التي لم تكن بالوضوح الكافي لدى زملائه السياسيين ولاسيما عند ناجي السويدي وشقيقه توفيق).

حقبة همة

ويبلغ العلوي اليوم الخامسة والثمانين من العمر ما يجعل احكامه على تلك الحقبة المفصلية ذات اهمية وتتصف بالموضوعية التاريخية.

وهو يرتاب بروايات عديدة وردت على لسان الدبلوماسيين البريطانيين والامريكيين، الذين زاولوا عملهم في العراق من قبيل رواية السفير الامريكي التي وردت مترجمة في احد كتب نجدة فتحي صفوة، الذي يكن له العلوي التقدير ويثني على دقته، ومفادها ان (السعيد حضر الى السفارة الامريكية للابلاغ عن مظاهرات ضده او شيء من هذا القبيل وانني انفي هذه الرواية فما علاقة السفارة بالتظاهرات؟ وما الدور الذي يمكن ان تؤديه في اخماد اندلاعها مثلا؟. كما انه كلام لا يليق برئيس وزراء وزعيم سياسي عراقي كنوري السعيد).

مشاركة