الصدر : فكر وإبداع وإنتاج الشهيد أرعب النظام الدكتاتوري
مفكرون وأدباء يطالبون بإنصاف وإحياء تراث
المغيب عزيز السيد جاسم
العلوي : الشهيد قتل بسبب ضميره الحي وثقافته المملوءة في ظل الأوضاع المجوفة
بغداد – فائز جواد
احتشدت نخبة من الفقهاء والمفكرين والنقاد والادباء والاعلاميين والشخصيات السياسية والوطنية في قاعة الجواهري بالاتحاد العام للادباء والكتاب صباح الجمعه الماضية للمشاركة بالحفل الاستذكاري السنوي بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لتغييب واستشهاد المفكر عزيز السيد جاسم الذي اقامه مركز عزيز السيد جاسم للبحوث والدراسات بالتعاون مع الاتحاد، وتم افتتاح معرض مؤلفات الشهيد الى جانب عرض صور فوتوغرافية جمعته مع عدد من الشخصيات الادبية والفكرية والثقافية العراقية والعربية لتوثق جزءا من مسيرة المغيب.
وفي بداية الحفل قدم نجل الراحل الكاتب والصحفي علي عزيز السيد جاسم كلمة عائلته وعنونها (عزيز السيد جاسم .. الذي لم يمت ) وقال فيها ان (من المسلمات ان كل انسان مصيره الفناء ، تلك النهاية الحتمية التي لا مفر منها ، لكن هناك من يموت وتنتهي ذكراه الى الابد ، وهناك من يغادرنا جسدا فقط وتبقى ذكراه خالدة لدى الاجيال ، ومن هؤلاء الخالدين من اجتمعنا لاحياء ذكره الذي لم ينقطع ابدا).واضاف ( لقد كان السيد جاسم مؤمنا بالموت ومستعدا له ، بل حين سئل عن مدى خوفه من الموت قال ،أحيانا اشتاق الى الموت عملا بالاية الكريمة ” عجلت اليك ربي لترضى” فانا مؤمن بعدل الموت ، وحكمته ، وضرورته اللازمة ، انه سيف الحق ، الذي يقمع كل متجبر ، ويلوذ به كل مؤمن بالعالم الاخر ، العالم الامثل ، حيث الكلمة للحق ، وللحق وحده ).وشدد نجل المفكر على ان (السلطات ما بعد 2003 لم تقدم شيئا لهذا المفكر العظيم بل انها اشتركت في تغييب ذكره مع ما سبقها من سلطات).وتابع ان (مركز عزيز السيد جاسم للبحوث والدراسات ومعه اكثر من مئتي اديب واكاديمي وفنان وصحفي وغيرهم من النخب الابداعية يطالب رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الثقافة فرياد راوندوزي باعادة الاعتبار للمفكر عزيز السيد جاسم بالشكل الذي يستحقه عبر اقامة مهرجان سنوي باسمه على شاكلة المهرجانات الابداعية الواسعة ، كما نطالب بتسمية ساحة او شارع في بغداد باسمه ، واعادة طبع مؤلفاته التي امر نظام الطاغية صدام بسحبها من جميع المكتبات واتلافها اضافة الى طباعة دراساته وكتاباته المتفرقة ، كما نطالب وزارة الثقافة تحديدا باكمال نصب التمثال الذي انجز كعمل نحتي من قبل المركز على اساس ان تكمله الوزارة ضمن مشاريع بغداد عاصمة الثقافة وما يزال العمل مخزونا لدى مصهر الوزارة بالرغم من صدور موافقة باكماله ، اضافة الى ذلك ندعو وزارتي التربية والتعليم الى ادخال سيرة وابداع المفكر ضمن المناهج الدراسية ).
وثمن نجل المفكر دور (الزمان) في تسمية جائزة سنوية ادبية باسمه ونشرها عشرات الدراسات والمقالات عن فكر وسيرة وابداع السيد جاسم بشكل متميز.
واكد مستشار رئيس الجمهورية عميد آل الصدر السيد حسين الصدر ان (حفل استذكار الشهيد عزيز السيد جاسم والوقفة الاستذكارية تأتي متناغمة مع التوجه الحضاري في تكريم المبدعين وتخص الشهداء).
ولفت النظر الى ان (هناك من يكتب قضيته بدمه وهناك من يكتبها بحبره والفرق كبير من يكتب بالدم ومن يكتب بالحبر). وقال بكلمته (نحن اليوم نكرم كاتبا ومفكرا انتج اكثر من ستين كتابا بمدة خمسين عاما هي المدة التي عاشها على سطح هذا الكون ولم يكن يؤلف وهو في عقديه الاول والثاني معنى ذلك اننا امام رجل غزير الانتاج عاش اجواء الفكر والادب والثقافة ووظف كل مايملك لخدمة قضيته وشعبه ووطنه ، ومن هنا اشتد حقد النظام الدكتاتوري عليه لان الدكتاتور كان يرى العراق ارضا وشعبا وثروة انما هي شئ من اشيائه). واكد ان (الامم التي تعتز بابنائها وبرموزها ومبدعيها ومن ثم تخلدهم على مر السنين هي امم حية وان ماطالب به نجل الراحل من تكريم رسمي وطبع مجموعة الراحل الكاملة من مؤلفاته وتسمية مؤسسات فكرية او ثقافية او مدارس وتسمية بعض الشوارع والساحات باسم الراحل كل ذلك يسهم بتخليد هذا الاسم وتكريمه بتكريم ليس عشوائيا انما هو تكريم يتناسب بحجم ماقدمه لهذا البلد والوطن ، ولكن النهب المستمر للثروة الوطنية العراقية لايمكن في ظروفها ان تنصف السيد عزيز وغيره ممن قدموا لهذا البلد الغالي والنفيس واخيرا دفعوا حياتهم الكريمة).
وجاء في مداخلة المفكر غالب الشابندر ( لقد كان الراحل الشهيد عزيز السيد جاسم يمتاز بقوة واعتزاز بنفسه كان مغروساً بتربة العراق ، ان افضل مانقدمه للشهيد هو ان نتتبع تطوره الفكري لانه كما يبدو لي ومن خلال القراءة للتراث كان الرجل في حركته الفكرية يقفز قفزات جديدة وهذه من الضروري ان تدرس وان تشرع وتستخلص لكي تكون تجربة مهمة يمكن ان نستفيد منها ، ان من جملة ما لوحظ عن الشهيد هو اندكاكه بحب الفقراء والمساكين وكان ذا نزعة علوية غولياترية وهذه طغت عليه وحتى سلاسة خطابه كان منطبعاً بهذا الحب ، وعندما كتب عن لغة النص العلوي ارتبط بالانسان تلك اليد القوية كل ماموجود عند الصحابة من حسنة موجود لدى علي مع الحق والحق مع علي من خلال سيرة الامام علي بن ابي طالب).ان (السيد عزيز ارتبط بوادي الرافدين وقد غيبوه خشية ان يؤرخ للعراق وذلك من ضمن مؤامرة على البلد ، ان عزيز انحاز للانسان ، وللانسان الفقير).
وجاء في برقية مستشار رئيس الجمهورية شروان الوائلي ان (هذه الذكرى تثير الالم والحزن ونحن نستذكر مفكرنا الفذ عزيز السيد جاسم الذي اثرى المكتبة العراقية والعربية بعشرات المؤلفات المهمة فطوبى له ولجميع شهداء الكلمة الحرة والحقة ولجميع شهداء العراق الاحرار).
وفي كلمته اكد الدكتور جمال العتابي ان ( الشهيد عزيز السيد جاسم انحاز الى المعرفة والى معنى ان يركن الى العقل والى عمق نداءات الانسانية التي لايستقيم من دونها حب وسلام وعدل ، وانحاز الى الطبيعة الانسانية الحقة )
ونظم الشاعر كاظم عبد الله العبودي قصيدته بعنوان ( ولما إعتمرت الشوك ) نقتطف منها ..
اضاعوك حتما ، ضج في الصمت غائبه
ولم .. إنما في ساكن البحر صاخبه
وراموك رملاً في لظى البيد ظامئا
واذا بك سيل ينحت الصخر ساكبه
وغالوك ان اجهرت بالحق صادعا
وقبلك غيل الحق جهراً وصاحبــــــــــه
زفرت فراحت نسمة منك بوحها
يلاطم إعصاراً من العصف لاجبـــــــــــه
الكاتب علوان السلمان قال في كلمته ( عزيز السيد جاسم الخلود المنبعث من قرية الغازية الجنوبية لذي قار العراق الممتد والمؤطر بحرمان اجتماعي عمق حدسه الفكري وحفر في وجنتيه القهر وزرع في شفتيه حتمية الصراع نتيجة حتمية لوعي اجتماعي بانتمائه للمكان ) واضاف ( عزيز السيد جاسم في مؤلفاته جرآه في الاجتهاد والتقويم اضطرت السلطة الى اعتقاله فكرا وجسدا بانتشاله من وجوده المالئ للفراغ وايداعه اقبية التعذيب السرية .. والسيد جاسم في منجزه يكشف عن امتلاكه قدرة فنية متجاوزة على صعيدي التكنيك والاسلوب . فصار من اولئك الذين تغنى بهم الجواهري العظيم حين قال ( يموت الخالدون بكل فج ..ويستعصي على الموت الخلود)
الكاتب جاسم عاصي كتب تحت عنوان ذاكرة عزيز السيد جاسم .. من حكايات المثقف المتحاور مع الذات والاخر .. ولخص عاصي حكايات مازالت في ذاكرته عن حياة الشهيد عزيز السيد جاسم ..
وقال المحامي طارق حرب بكلمته ان كتاب (متصوفة بغداد للعزيز عزيز السيد جاسم حفزني ودفعني ان اكتب عن المتصوفة كتابا وكان منة في النفس والقلب جعلتني اخر المتصوفين حين قرأت كتاب السيد جاسم الذي هيهات ان يؤتى بمثله).
وذكر المسرحي والكاتب سعد عزيز عبد الصاحب (وانا ابحث في تراث ابي الفنان الراحل عزيز عبد الصاحب وجدت ورقة داخل رواية الزهر الشقي لعزيز السيد جاسم كانت بالغة الايجاز عن حياة الراحل وما مر به من صنوف عذاب السلطة الدكتاتورية البائدة ، وفي القصاصة اقرا .. الشجرة القتيلة للفنان المبدع جواد سليم كانت غلافا بهيا لرواية الزهر الشقي وكأن هذه اللوحة تلوح لمقتل الكاتب من قبل النظام البائد .. ) ويضيف ( وفي رواية حقيقية رواها احد المقربين من السلطة البائدة بعد ان الححت عليه في امر مقتل الراحل واختفائه من ان صدام حين نفذ القتل بالكاتب الشهيد بيده واحرق جثته ولم يبق على اثر او قبر له ..اذا الشجرة القتيلة التي ذهبت حطبا تذوره الرياح..هو الحلاج الذي احرقوه وذروا رماده في دجلة . اذن الشهاده قدر عزيز السيد جاسم والخلود مصيره )
برقيات تستذكر المغيب
ووردت الى الحفل برقيات عدة تستذكر تاريخ ومسيرة الشهيد عزيز السيد جاسم في ذكرى تغييبه على يد النظام الدكتاتوري السابق..
المفكر حسن العلوي قال ببرقيته (في ذكراه تعود بنا الذاكرة الى الموسوعات العربية التي سجلت قصص العذاب البشري في حكايات السلاطين الذين كانوا يتفننون باختيار ضحاياهم من بين الفقهاء والفلاسفة ، فاحتشدت اسماء الائمة الكبار من امثال ابي حنيفة والامام زيد بن علي وادباء كبار مثل بشار بن برد وصولا للامام محمد باقر الصدر والامام محمد صادق الصدر وقبلهم عبد الجبار وهبي وصفاء الحافظ وضحايا وقرابين الفكر العربي وصولا لصديقنا عزيز السيد جاسم الذي حالت سياسة الجلادين بيننا ففارقناه وفارق الحياة ضحية لمكتب الثقافة والاعلام) واضاف (ان عزيز شاهد على تاريخ العذاب وضحية من ضحايا وقرابين الثقافة التي ازعجت سلطة الحاكم ، قتل عزيز وهو لم يكن متآمرا ولاحامل سلاح ولم يكن صاحب عمل سري في منظمة سرية بل قتل في وضح النهار لانه كتب اراءه في وضح النهار ولم يكن متسترا بسواد الليل . كان يمكن ان يضيف للثقافة العربية والعراقية شيئا افتقدناه ، ان عزيز متربع على عرش الثقافة ولم يكن يزاحم احدا على كرسي السلطة ، كما انه الوحيد الذي قتل بسبب ثقافته ، فهناك العديد ممن قتلوا لكن ليس بسبب ثقافتهم وانما بسبب انتمائهم السياسي او عملهم السري او مزاحمتهم على السلطة) ويختتم (ابكيه اخا وصديقا ورجلا ومثقفا عز علينا نظيره ونحن نعيش اليوم بين مثقفين اكلتهم السلطة والوجاهة وحب الظهور لكن التاريخ لن ولم يسجل عن هؤلاء اي شئ بل سيسجل لعزيز السيد جاسم وامثاله الكثير)
واكد محافظ ذي قار يحيى محمد باقر الناصري في برقيتة ان محافظة ذي قار تفخر بان يكون المفكر عزيز السيد جاسم احد رموزها الفكرية والثقافية وتعتز بما قدمه من عطاء فكري وإبداعي وقال الناصري (بكل معاني الفخر والاعتزاز نقف اليوم لنستذكر قامة فكرية مبدعة اسهمت في تشكيل المشهد الثقافي والمعرفي في العراق والعالم العربي ورفدت المنظومة الفكرية والثقافية بخلاصة تجاربها الابداعية الثرة التي لازالت تزدهي بقيمتها المعرفية ويشار لها بالبنان في كل مكان وصلت اليه مؤلفات المفكر الشهيد عزيز السيد جاسم .ان إحياء الذكرى الرابعة والعشرين لتغييب واستشهاد المفكر عزيز السيد جاسم هو جزء من وفاء وعرفان لمبدع نذر نفسه لاغناء المكتبة العربية بالفكر التنويري الحر وكرس حياته للارتقاء بمنظومة الوعي السياسي والاجتماعي عبر توظيف ثقافته الموسوعية وطريقته المبتكرة بتحليل النص وتأويله) . واختتم ( طوبى لمن ترك على تضاريس هذا الوطن ابلغ الاثر ، والخلود لشهيد الفكر والكلمة الحرة الذي غيبته الدكتاتورية في اقبيتها في محاولة منها لاغتيال صوته وحجب شعاعه الفكري الذي لازال يضيء دروب المهتدين بالفكر النير، وكل الشكر لهذه النخبة المباركة من الادباء والمثقفين والمفكرين والمهتمين بالشأن الثقافي لمشاركتهم في هذا الاســــــتذكار واغناء فقراته بافكارهم النيرة وارائهم الســـديدة) .
الاديب نعيم عبد مهلهل قال ببرقيته ( قبل ايام اعدت وللمرة الثالثة قراءة كتاب متصوفة بغداد للكبير الغائب الحاضر عزيز السيد جاسم فهو من الكتب التي تريك هذا القلم الذي ولد على بسط حاكها الطين والاساطير وحلم الديالكتيك الاول وقرب اديم نهر الغراف في مدينة تسمى النصر وقديما تسمى سويج غازية ) واضاف ( لقد زرع الرجل عفته حدائق العلوم والاساطير والحكايات منح تلك المدينة شيئا من خصوصيته ، فكان الابن البار لتلك الشهرزاد الجدة التي منحته نافذة الى الميتافيزيقيا البعيدة ليشكل ومنذ صباه عشقا غريبا للكتاب ولليسار ولرغبته ان يكون انطولوجيا متفردة لثقافة الرجل الذي يستطيع ان يمسك بقدمه رؤيا الواقع )
واستذكر عبد مهلهل ايام الصبا التي عاشها مع الشهيد في مدينة الناصرية ليختتم قائلا ( الان وبعيدا عن كمالية الاحتفال واختيار المناسب من العبارة التي تقرب الدمعة من الجفن اغادر موج الراين واترك الالمان لاذهب الى ضفاف نهر الغراف واقف امام قامة منحوتة في وسط المدينة هو ذاته بمعطفه الثقيل وشاربيه اللذين يشبهان واحدا من مريدي تروتسكي . اقف امامه واتذكر طيبة قلبه وحدائق كتبه وحزن ابنائه عليه يوم اخذوه الى المعتقـل في وعد انه سيرجع الى البيت سريعا .لكنه الى الان لم يعد).
وثم قرئ لقاء صحفي لرباح ابراهيم كان قد اجراه مع المفكر الشهيد عزيز السيد جاسم ونشر في الصفحة الاخيرة من جريدة العراق في الاول من اذار عام 1991 وجاءت عناوينه .. (من يدعم المثقفين الذين يشكلون جيشا بلا احذية؟) .. (المظلومون في التاريخ هم شهداء المعارضة في كل زمان ومكان) .. (صحافتنا تفتقر الى القلم السياسي والتقاليد الثابتــــــــة) وقال امين عام اتحاد الادباء والكتاب الفريد سمعان في كلمته (لقد كان الشهيد عزيز بيننا كاديب عزيز ليس الضحية الاولى وان ماكتبه بقي وهو امانة وان يظل يقاتل من اجل الحرية ويحمل كلمة علي بن ابي طالب ليمثل وصية الشهداء ، عزيز قاتل من اجل الحقيقة وانا سعيد بعلي في ان يستذكر ونستذكر كلناهذه القامة العراقية الشامخة)
هوامش على مثابة وطن
– عزيز السيد جاسم كاتب ومفكر عراقي عربي من محافظة ذي قار ، له كثير من الأعمال في السياسة والفكر والرواية والاجتماع والسيرة والتاريخ وشتى صنوف المعرفة اذ تجاوزت مؤلفاته 60 مؤلفا وكتاباً اضافة الى مئات الدراسات والمقالات التي نشرت في الصحف والمجلات العراقية والعربية. وولد السيد جاسم عام 1941 في ناحية الغازية.
– انظم إلى تنظيمات الحزب الشيوعي، وهو في الخامسة عشرة من عمره، واستطاع أن ينظم أصدقاءه الشباب في ناحية الغازية لهذا التنظيم
– أكمل دراسته الابتدائية في قرية الغازية، ومن ثم انتقل إلى الناصرية ليكمل فيها دراسة الإعدادية.
– في بداية 1969 انتقل من الناصرية إلى بغداد ليلتحق بجريدة الثورة .
– عمل رئيسا لتحرير مجلة الغد التي تصدر عن دار الثورة قبل أن يصبح رئيس تحرير مجلة وعي العمال الناطقة باسم اتحاد نقابات العمال.
من أعماله
– له اكثر من ستين مؤلفا وكتابا في مختلف المجالات الفكرية والادبية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الا ان جميع كتبه ومؤلفاته سحبت من الاسواق والمكتبات واتلفت بأمر من قيادات السلطة البائدة بعد اعتقاله الاخير كونه اعتقل قبلها مرات عدة بسبب تأليفه واحدا من اروع منجزاته وهو كتاب عن فكر وموسوعية الامام علي بن ابي طالب (سلطة الحق) ومن اهم مؤلفاته
– المفتون.
– متصوفة بغداد
– تأملات في الحضارة والاغتراب. صدر عام 1987 عن دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع.
– الاغتراب في حياة وشعر الشريف الرضي.
– ديالكتيك العلاقة المعقدة بين المادّية والمثاليّة.
– المجالسية في النظرية والتطبيق.
– المناضل. رواية 1972. دار الطليعة
– الزهر الشقي
– حق المرأة
– القضية الكردية
الاعتقالات السياسية
– قاد وهو في سنته الاولى في دار المعلمين التظاهرات الطلابية في الناصرية التي استنكرت العدوان الثلاثي على مصر خريف عام 1956 واعتقد النظام القائم ان التظاهرات وجهت ضده ، وقد اشار المفكر للتظاهرات في رواية المناضل ، علما ان سنه كان 15 عاما وهو من الكوادر البارزة في الحزب الشيوعي العراقي آنذاك.(في العهد الملكي)
– عام 1960 اعتقل لمدة شهر واجبر على دفع غرامة مالية وكان عمره 19 عاما وكانت الاسباب سياسية تتعلق بمشكلات النظام القاسمي مع الحزب الشـــيوعي .
– الاعتقال الثالث كان عام 1961 حيث رفعت معاونية شرطة قضاء الرفاعي في محافظة ذي قار تقريرا موسعا الى مديرية شرطة لواء الناصرية قــــــالت فيه ان عزيز السيد جاسم من زمرة اتحــاد الشـــــعب .
– عام 1963 عقب الانقلاب (حكومة البعث الاولى) اعتقله الحرس القومي في معاونية امن الناصرية ولنفس الاسباب ، العثور على ممنوعات تمثلت بكتاب (معذبو الارض) لمؤلفه فرانتز فانون.
– عام 1988 اعتقل اكثر من 6 اشهر في الامن العامة بسبب طباعة كتاب علي بن ابي طالب سلطة الحق في بيروت بعد ان رفضت وزارة الثقافة طباعته في بغداد.
– الاعتقال السادس والاخير في 15 نيسان عام 1991 بعد قمع الانتفاضة ،وبالرغم من النداءات والمطالبات الدولية التي اطلقها مفكرون ومثقفــــــــون عرب وعالميون في حينها وكذلك النداءات المحليــــة ما بعد سقوط النظام للكشف رســــــميا عن جريمة اغتيال المفكر الا انه حتى الان لم ترد اية معلومات بشأنه.
محمد باقر الصدر في مسيرة الشباب الراهنة
إنتقاد الدعاة المسلمين الذين يرون كل تفكير أوربي خطأ لأنه مادي
جاسم محمد جعفر البياتي
شكل الشباب مساحة واسعة من تفكير المرجع والمفكر الاسلامي الشهيد محمد باقر الصدر ره ففي اوائل ايام بروزه كشخصية اسلامية معروفة وهو في السابعة عشرة من عمره وفي ريحانة شبابه ركز رحمة الله عليه وبشكل كبير لتنمية وتوعية العقلية السياسية عند الشباب ايمانا منه ان تطوير العقل الشبابي وتنظيمه وتوجيهه سيؤدي الى بروز شريحة واعية من الشباب قادرة على تحمل المسؤولية وفق اسس منبثقة من داخل الدائرة الاسلامية والمجتمعات المؤمنة التي تقف على نمط واحد من التفكير. وظهر في أدبيات السيد الصدر وكتاباته رفضه الاحتكام الى العقل وحده من خلال (الطريقة العقلية التي تعتبر العقل حاكماً نهائياً ومقياساً أساسياً تقاس على ضوئه الأفكار والمعلومات للامتحان مدى صحّتها وموضوعيته) وفي الوقت ذاته رفض الاعتماد فقط على الطريقة التجريبية (التي تُقصي العقل عن هذا المجال وتسلب منه وظيفته الأساسية هذه في الحياة الفكرية، وتضع موضعه التجربة مدَّعيةً أنّها هي الأساس الوحيد لكلّ ما يمكن أن يتوصّل إليه الإنسان من حقائق واستنتاجات) وجاء في نقده للاتجاه العقلي الخالص قوله: فالعقليون الذين نادوا بالعقل مقياساً لم يطبّقوا عملياً هذا المقياس وحسب، وإنّما أفرطوا فحصروا بحوثهم في النطاق العقلي وكلّفوا العقل المجرّد أن يزوّدهم بالحقائق والمعلومات حتى في الميادين والمجالات التي ليست من حقّه، وبذلك ضاعت عليهم فرصة الاستفادة من المعين التجريبي وما يتدفّق به من حقائق ونتائج . رسالتنا ص 30
وبذلك انتهى الى أن أتباع كلا الطريقتين قد اخطأوا مؤكدا ان احدهما يكمل الاخر ويؤدي الى تطوير وتفعيل العقل البشري، ومادام الهدف عقل الشباب لتحريك العقلية السياسية عندهم فان المحصلة هي قدرة الحركة العقلية المندمجة مع الفكر والتجربة والجرأة والشجاعة على تحقيق نتائج عملية في الواقع الشبابي بشكل عام.
المعارف النظرية والخبرات الانسانية
إن عمليات التطور الناجحة التي مر بها الفرد عبر العصور ادت الى تراكم المعارف والخبرات الإنسانية بشكل متزايد، مما جعل حركة التطور البشري تنمو وتتزايد باستمرار، حيث استفاد الإنسان من الخبرات والمعارف الإنسانية السابقة، واستخدمها من أجل تحقيق المزيد من الاختراعات والاكتشافات العلمية، وتنويع طرق الاستفادة منها، مما زاد في إمكانيات الإنسان وقدراته على تلبية حاجياته ومواصلة مسيرته على طريق التقدم الحضاري، والحال نفسه ينطبق على العقل البشري الذي مر بمراحل تصاعدية من التطور ايضا كما فسره الفلاسفة فعقل الانسان يبدأ فطريا ثم إحيائيا، مرورا بالعقل التقابلي، ومنه إلى العقل البرهاني، وصولا إلى العقل المقاصدي؛ الذي يعد المرحلة الأخيرة في سلم تطور العقل البشري.
وهكذا فالمدرسة العقلانية التي تركز على التعليم المعزز بمنهج ديمقراطي، يمكن أن تغذي الروح وتنمي المدارك العقلية شريطة أن تكون العملية التعليمية قائمة على أساس احترام العقل والقناعات وليست عملية تلقينية ميكانيكية، وهذا ينسجم مع المدرسة العقلانية السياسية والتي تركز على التربية السياسية للشباب عبر زرع القيم والمثل الصحيحة، وصقل الشخصية بالممارسة واكتساب الخبرة وبناء الشخصية القيادية كمدخل منهجي لبناء شخصية متوازنة وفاعلة، قادرة على تحمل الأعباء ومواجهة الصعاب بما يحقق الآمال العريضة والكبيرة للشباب .
وبخلاف ذلك حيث كان الشباب يعيشون في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم تحت سطوة وهيمنة دكتاتورية كاملة ونظام يقوده حزب شمولي وافكار مستوردة من الشرق والغرب تدرس في الجامعات العراقية وتتبناها احزاب وتوجهات فكرية وسياسية كانت جديدة على مجتمعنا وبعيدة عن واقعنا وتوجهاتنا فالشهيد الصدر (رض) علمنا نحن الشباب كيف نستنبط هذه الافكار السياسية الموجودة ونحللها لنرى مدى قربها وبعدها عن الاسلام وبسرعة فائقة وباطمئنان كبير ثم ننتج منها اسلوبا جديدا في حركة دعوتية واقعية منسجمة مع قرار قيادة الدعوة رغم بعد القيادة وظروف المحنة والهجرة الذي كان يعيشه الدعاة في حينه ، ماجعل من الدعاة في كل بقاع العالم يتبعون ذات المنهجية والتحليل ويعملون كل من موقعه وكأن قيادة مركزية موحدة تشرف عليهم.
وفي هذا الصدد حيث يتبنى الشهيد الصدر هذا المنهج انتقد سماحته ما يتّجه إليه بعض الدعاة المسلمين من الحكم على كلّ تفكير اُوربّيٍّ يتّصل بالحياة الإنسانية بأنّه خطأ لأنّه مستنبط من القاعدة التجريبية أو المادية، وما دامت القاعدة خطأً فما يستنبط منها خطأ أيضاً، لأن استنباط الفكرة من القاعدة في المجالات النظرية لا يعني أنّها مستنتجة منها استنتاجاً ومتوقّفة في مصيرها عليها، وإنّما يعني أنّ الفكرة صيغت بالشكل الذي لا يتناقض مع تلك القاعدة، سواء أكانت مستمَدّةً منها بصورة مباشرة أم لا، والقاعدةالفكرية لأية مدرسة وإن كانت خطأً فليس من الضروري في كلّ فكرة لا تتناقض مع ذلك الخطأ أن تكون خطأ أيضا.
واليوم حين نركز على الشباب فمن الطبيعي وبحسب الواقع أن مشاكل الشباب كثيرة وطموحاتهم كبيرة وهم ينتظرون برامج وافكارا واقعية وتطبيقية مقنعة. لابد للدولة العراقية والمؤسسات الشبابية ومنظمات المجتمع المدني ان تاخذ على عاتقها عملية تنظيم الحركة الشبابية بشكل أشمل واكثر عقلانية وفكرية نحو البناء والتطور ودمج الشباب في البنى التحتية ومشاركتهم الفاعلة للاسس الديمقراطية للقضاء على كل ألوان التخلف والتمرد والبطالة في هذا الوسط الحساس وايجاد وعي وطني لتحقيق النتائج العملية لتنمية الشباب .
طاقة شبابية متطلعة فاعلة
في تطور سريع ظهرت ملامح ثورة الاتصالات وفيسبوك كمؤشر لمرحلة جديدة من قيادة الشباب لهذا العالم باعتبارهم يشكلون أكثر من نصف سكان الأرض، وهناك بوادر عدة تؤكد هذا الدور الذي بدأه الشباب في مجالات قيادة الشركات أو في الاستثمار أو داخل معامل الصناعات الكبرى. فثورة المعلومات وتراكمها رغم قصر الزمن قد اعطت لشباب العراق وعيا راقيا وانطلاقة مدهشة جعلته يتوجه للاستفادة من إنجازاتها دون حاجة إلى انتظار تراكم الخبرة الحياتية، كما أن الشباب أصبح يمثل القوة الاستهلاكية المؤثرة، وهم يضعون في هذه السوق مداخيلهم المبكّرة من سوق العمل في نوعية جديدة وغير تقليدية من البضائع .
ومن المؤسف الى جانب ذلك فان جزءا كبيرا من شبابنا يعيش أزمة اغتراب حقيقي، خاصة في ظل الأنظمة البيروقراطية والدكتاتورية وكلاهما لا يولي اهتماما بهم يترك الشباب في معاناة التهميش والاقصاء والتهديد ما ينمي لدى طائفة كبيرة منهم الشعور بالعجز وعدم القدرة على تلبية الطموح وتحقيق الذات. وهذا ما يدعو العلماء واصحاب الشأن والشباب انفسهم وخاصة المفكرين واصحاب الرأي والنفوذ في العراق الجديد ان يجلسوا على طاولة واحدة لايجاد حل واقعي وعقلاني لمشاكل شباب العراق والتوصل الى بناء مدرسة سياسية عقلانية تدرس كل جوانب الحياة بعيدا عن المثاليات وحياة الغرب التي يبهر ظاهرها ولاتتلاءم مع مجتمعاتنا وعاداتنا وقيمنا وافكارنا.
وحيث أننا نعيش هذه الايام ذكرى استشهاد الامام السيد محمد باقر الصدر فيمكننا أن نشير الى ان مدرسة الشهيد الصدر(رض) في منهجها تتبنى الاستجابة لهذا الواقع وان اسس مقتنياته (من فكر وبحث وسلوك ونصائح ) خير اساس لبناء هذه المدرسة السياسية العقلانية اذا امعنا في التحليل لأفكاره ودرسنا خطواته وتوجهاته وتوسعنا في حدائق كتبه وابحاثه وتسلحنا بما جاء في محاضراته وما دونته اقلامه ومما جاء في بعض أبحاثه (تقوم المدلولات السياسية في التركيب العقائدي للدولة الإسلامية بأدوار عظيمة في تنمية كلّ الطاقات الخيِّرة لدى الإنسان وتوظيفها لخدمة الإنسان). الاسلام يقود الحياة ص 174
مصطلح السياسة في المنهج الاسلامي
تعرّف السياسة من وجهة نظر الإسلام بأنّها:” كل عمل اجتماعي يستهدف توجيه الحياة الإنسانية، توجيهاً تكاملياً، ضمن علاقات الحاكم والمحكوم التي حدّدها المنهج الإسلامي”.فكلمة (سياسة) تطلق على كل عمل يتعلق برعاية الأمة، وتدبير شؤونها.. سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو التعليمية، أو ادارة الدولة، أو نشاط الافراد والاحزاب الاسلامية، أو القضاء وادارة العلاقات الخارجية والدفاع عن الامة والعقيدة والأوطان… الخ واذن فالحكومة مسؤولة عن رعاية شؤون الأمة، والأمة مسؤولة عن رعاية شؤونها، ومن هذه الرعاية ، مراقبتها للسلطة، ومحاسبتها، واسداء النصح والمشورة، وتحديد الموقف منها عند الإنحراف، والخروج عن الخط الإسلامي السليم. من هذا المنطلق نرى ان المجتمع الاسلامي بشكل عام بحاجة الى ارضية صلبة قادرة على استيعاب التطور والتغير الذي يحصل في العالم، وان الرجوع الى اصحاب الفكر والاجتهاد في حل مشاكل الشباب وبنظرة اسلامية عصرية تنفتح على آفاق الحياة وتستجيب لمتطلبات وطموح الشباب، سوف يقلص المسافة بين مايحملونه من عقائد وافكار اسلامية مؤطرة بعبادات يومية وبين الفكر الغربي الذي يدعي بان العلم هو من منتجات الغرب وان تخلف المسلمين ناجم من ارتباطهم بالدين الاســلامي.
لكن الشباب لا يمكن أن يتقبلوا هذا الادعاء بسهولة إذ أن الدين هو واحد من أعمدة الهوية وليس بالامكان ان يتخلوا عن الافكار الاسلامية الشافية والمعالجة للمشاكل المجتمعية التي تحيط بالشباب، التي ظهرت ملخصة وجلية في فكر الشهيد الصدر (رض) واجتهاداته العلمية ومن سار في خطه من العلماء والمجتهدين والمفكرين باعتباره طريق الفلاح والنجاح والتقدم للشباب المسلم في خضم الصراعات القائمة.
وفي ضوء ذلك فالعمل السياسي الذي يستند الى منهج هذا الشهيد ومدرسته الفكرية الرائدة يعتبر علاجا للامراض السياسية المنتشرة بين الشباب وفكرا يحقق الاجابة الكاملة على الغموض الحاصل في افكارهم، لذلك في طريق البناء السياسي للشباب وقبل أن يزج بهم في العمل السياسي في هذا الظرف الحساس الخطر يتعين العمل على تنويرهم بافكار منفتحة بعيدة عن التعصب والتشدد من جهة وتؤمن الخطر من الاندماج والذوبان الكامل بافكار اباحية من جهة اخرى.
وفي خطوة غير بعيدة لابد من تطوير العقلية السياسية عند الشاب وفق أسس موضوعية استراتيجية، لان المرحلة التي نعيشها تستوجب علينا تنوير افكار الشباب في السياسة بافكار واقعية بعيدة عن التخبط والتهليل لرأي عام غير قائم على التفكير السليم.الذي قد يتحول الشاب من جرائه الى طعم سائغ للافكار السقيمة التي تروجها جهات مشبوهة تريد قتل الانسان بتفخيخ نفر من الشباب انفسهم في ما يتوهمونه جهادا أو مقاومة. وهي أفكار ليس من السهل على الشباب الواعي قبولها لما يملك أكثرهم من مؤهلات لادارة العمل السياسي بعيدا عن التهور والتخبط في ساحة العمل، والتي مثلت تطبيقا لما سبق الشهيد الصدر التعبيير عنه بفكره المجتمعي الخلاق من أن الانسانية تتمثلها (حركة دائبة نحو قيم الخير والعدل والقوة، وهي حركة لا توقّف فيها ; لأنّها متّجهة نحو المطلق، وأيّ هدف آخر للحركة سوى المطلق ـ سوى الله سبحانه وتعالى ـ سوف يكون هدفاً محدوداً، وبالتالي سوف يجمّد الحركة ويوقِّف عملية النموّ في خلافة الإنسان).
واذا عدنا الى الواقع القائم اليوم حيث الشباب يحتلون 60 بالمئة من تعداد مجتمعاتنا الاسلامية لما تحمل هذه النسبة من أهمية عددية ومعنوية داخل المجتمع الذي يعرف صراعا و تدافعا بين قيم الحداثة وقيم التقليد، فان واقع الشباب المسلم يتأرجح بين السعي إلى إبراز الذات والاصطدام بمنظومة الأعراف التي تخول للأب احتكار سلطة القرار, ولا تعترف لفئة الشباب والأطفال والمراهقين والإناث عموما بوجودها إلا في حدود ضيقة جدا, في المقابل تقدم سيرورة التحديث أنماطا جديدة من التربية تقوم على التعليم النظامي بمناهجه ومضامينه وأشكاله التنظيمية وعلى مختلف مؤسسات المجتمع المدني، ففي مثل هذا الصراع والتناقضات الذي يعيشه الشاب، على المعنيين في الشأن الاسلامي والمجتمعي ايجاد بدائل وسبل وطرق حديثة لاستمرارية المجتمع نحو التطور مع الحفاظ على طابعها الاسلامي الذي وضعت أسسه افكار الشهيد الصدر (رض). التي تؤكد أن (الدولة الإسلامية لا تسير بالناس في ظلام، ولا تلوِّح بيدها إلى نقاط بعيدة يعجز الفرد المسلم عن إبصارها بوضوح، ولا تزجّ به في مجموعة من المتناقضات التي تحمل شعاراً واحداً ولا تتّفق على محتواه ). الاسلام يقود الحياة ص 185
ويؤكد سماحته في كتابه القيم “الاسلام يقود الحياة” ( إن أي حركة تجديد في العالَم الإسلامي تصطدم حتماً بعدد كبير من الأعراف والسنن الاجتماعية والتقاليد السائدة التي اكتسبت على مرّ الزمن درجةً من التقديس الديني، وأصبح من المستحيل بالنسبة إلى جزء كبير من الاُمّة أن يتخلّى عنها بسهولة، وهذا يؤدّي بكلّ حركة تجديد تستهدف بناء الاُمّة من جديد إلى مواجهة توتّر نفسيّ ـ كردِّ فعل على ما تمارسه من عملية التغيير ـ وتحفّز دينيّ للمعارضة وصمود في وجه القيم والمفاهيم الجديدة ). الاسلام يقود الحياة ص 188
هل يتحدد الفكر السياسي الاسلامي بقوالب ثابتة؟
هنا تثار مجموعة من الاسئلة وهي هل تحمل حركة الإسلام السياسي مشروعا محددا، أم شعارات عامة، من قبيل الإسلام دين ودولة، دستور وحكم؟؟ وبماذا نفسر التحولات والتغيرات التي طرأت في بنية بعض تياراته وفصائله، حتى أن بعضها تخلى عن فكرة إقامة دولة إسلامية لصالح إقامة دولة ديمقراطية، وثمة بعض آخر أعطى مدلولا موسعا للدولة الإسلامية أدى إلى حدوث نوع من التطور على مستوى الممارسة والتنظير، وعلى مستوى المواقف والمواقع، أي الإنتقال من المعارضة للأنظمة القائمة إلى ممارسة السلطة، ومن خطاب القطيعة إلى خطاب التفكير المشترك في الحلول، ومن خطاب التكفير إلى خطاب التفكير في التعايش، والعمل على تعديل بعض المواقف والأحكام من قضايا اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، أو التخلي عن شعار من الشعارات التي باتت ملتصقة بفترة زمنية سابقة.
وهذا الامر ليس بغريب وطبيعي في تاريخ الاسلام العاصر لان الاسلام دين واجتهاد وعمل وليس مجرد عبادات وعلاقات مع الرب وحده لذا فان في الاسلام مساحة تتغير بالتغير الحاصل في شرائط الحياة لدى المسلمين وهو يستجيب كل متطلبات الحياة، فالشهيد الصدر لم يقف عند متبنياته الفكرية وغير افكاره من مرحلة الى اخرى فاعتقد بالشورى ثم انتقل الى ولاية الفقية وانتهى بالجمع بينهما.
لا شك إن أطروحة الإسلام السياسي دشنت جملة من الانتقالات والتحولات والتغييرات، على مستوى بعض الرؤى والتصورات والقضايا والمواقف، لكن لا يزال بعض منها لا سيما على مستوى المنطلقات المعرفية التأسيسية يحتاج إلى جرأة وإقدام لإنجازها فعليا، وهي تمثل رهان مستقبلها السياسي. كما أن آليات اشتغال العقل السياسي “الإسلامي” جديرة بالدراسة والتفكيك وتركيبها من جديد، لا سيما الشق المتعلق بالتعامل مع النصوص المقدسة وكيف يوظفها المفكر المبدع في صناعة القرار والموقف السياسيين.
ونختم البحث بنص ورد عن الامام الشهيد محمد باقر الصدر القائل: (حركة الاُمّة كلّها شرط أساسي لإنجاح أيِّ عملية بناء حضاريّ جديد وأيّ معركة شاملة ضدّ التخلّف ، لأنّ حركتها تعبير عن نموّها ونموّ إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية، وحيث لا تنمو الاُمّة لا يمكن لأيِّ منهج أو صيغ محنّطة أن تغيِّر من الواقع شيئاً : (إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفُسِهِمْ) صدق الله العلي العظيم.



















