العلامة الصدر.. مشروع تنويري نهضوي

493

العلامة الصدر.. مشروع تنويري نهضوي

أ.د احمد عبد المجيد

يحار  الباحث في اي وجه من وجوه شخصية سماحة العلامة السيد حسين الصدر يتحدث. فهو قامة باسقة استظل بفيئها جيل من الكتاب واصحاب الرأي وحملة قضايا الامة، الذين تعدت مواقعهم العراق ليتوزعوا بين بلدان عربية واسلامية عدة. انه بحق نموذج تنويري يتطلب منا مراجعة افكاره المتفردة والجريئة والريادية لمشروع فكري وسياسي عراقي ثائر وزاهد.

ففي حياته الشخصية وسلوكه وعلاقاته طبعت مظاهر الكفاية موقفه من الحياة والعمل. ولهذا السبب نأى بنفسه عن اي منصب، واصطف الى جانب شعبه، مدفوعا بتاريخ عريض من ارث اجداده والمصلحين الذين يشبهونه في سويتهم. وفي ميدان الكتابة الصحفية برزت سماته الانسانية وقيمه الاخلاقية وآمن ان (صرير القلم اقوى من هدير المدافع) و(ان الكلمة امضى من حد السيف وان نورها يمكن ان يشع على العالم ويحيل ظلامه الى واحة للحرية ومضمار للتقدم).

وليس غريبا ان ينحاز الرجل الى ضفاف الحالمين بالتغيير من دون ان تغريه مباهج الحياة فظل شغفه بالعلم والكتابة والتأليف شغله الشاغل ومركز انتباهه وتفكيره. وبرغم انحداره الحوزوي، فان العلامة السيد حسين الصدر، ادرك حرفة الكتابة الصحفية، وبرع في صياغة اسلوبه الخاص ونحت مفرداته، مدفوعا بفهم خاص وابداعي للاتصال بجمهور واسع ومتنوع الاهتمامات والثقافات. وكان متفردا في قدرته على صياغة المقالة بلغة السهل الممتنع التي يفهمها ابسط شرائح هذا الجمهور وتسهل عليه استيعاب رسائلها ومراميها. انه لا يتعالى على جمهوره، بلغة بلاغية نخبوية، برغم قدرته على صناعتها نظرا لغنى قاموسه الادبي واحاطته التامة بفنون المعاني والعناية بترتيبها ووضوحها. كما ادرك معادلة العصر، عندما صاغ مقالاته على وفق بناء او هيكلية تستجيب لحاجة قراء اليوم، حيث الايقاع السريع والانصراف عن المطولات وهي مسألة تغيب عن بال معظم كتاب العراق، الذين يستطردون في افكارهم ويفقدون من ثم الهدف من نشر رؤاهم ومعالجاتهم ولاسيما في الصحف المطبوعة واليه يعود الفضل في اعتماد الترقيم بديلا عن البناء الشائع القائم على المقدمة والمتن ثم الخاتمة او الخلاصة. واعتمد هذا البناء على يد ابن المقفع وعبد الحميد الكاتب منذ القرن الثامن الميلادي. وفي مقالاته ما يثبت اقتدار قلمه وعمق افكاره وسعة بصيرته، فقد انصبت موضوعاته على محاربة الرثاثة السياسية والمحاصصة الطائفية وفساد البيئة الاجتماعية وازدحام المظاهر السلبية في سلوك العاملين بدوائر الخدمة العامة.

لقد تطوع قلم سماحة السيد الصدر للدفاع عن اصحاب الحقوق والحاجات المشروعة والفقراء والمظلومين. ورفع في محتوى مقالاته راية التصدي لامراض العصر مستفيدا من خزين هائل يمتلكه من تراث امته. وكان صادقا بالاعتماد على معيار الهوية الوطنية في تبني مشاكل المواطنين وهمومهم.

وكنت قد دعوت في وقت سابق، الاكاديميين وطلبة الدراسات العليا، الى دراسة تجربة سماحة السيد الصدر الابداعية واسلوبيته المتفردة واجدها مناسبة سانحة ان اقترح اليوم، اطلاق جائزة سنوية بأسمه تكون حافزا للاقتداء بتجربته وتخليد آثارها ولاسيما بعد ان بلغت اجزاء سلسلة واحدة من مؤلفاته خمسين جزءا. وهو عطاء يسمح له بدخول موســـــوعة غنيس للارقام القياسية بكل جدارة واستحقاق. ومن المهم ان اؤكد ان انشغالي بمشروع هذه الموســـــــوعة واعجابي بقدرة مؤلفها خلال السنوات التي عرفته فيها صوتاً عالياً في الصحافة، لا يعني انني قرأت كل ما جاء به سماحة السيد الصدر من افكار ودعوات وحيثيات، لكني بالمجمل وجدته شخصية علمية وطنية ذات نزوع يتناسب مع اي مشروع نهضوي طموح. ويصح القول ان عطاءه يعكس شخصية ذات طابع وطني جامع وثقافة عريقة منفتحة وتتمتع بعلاقات افقية تشمل جل شرائح المجتمع العراقي وتمتلك المبادرة ولا تبقى اسيرة المكان والزمان.

واذا استبعدنا متعة قراءة مقالاته، فاننا نكون امام جوانب اخرى شديدة الخصوصية والتفرد في منتجه الفكري ومسعاه، وكأنه يدعو الى الافادة من وقائع التاريخ ومعطيات التراث العربي الاسلامي، بوصفهما عملية تراكمية حية، وليسا ماضيا جامدا يفتقر الى الحركة والنماء. وتشكل طروحاته في وسائل الاتصال ظاهرة متزنة وكاشفة عن خبرة حياتية ميدانية وهمة معرفية وأدب جم. انه بحق شخصية تنويرية تضرب رؤاه وانشغالاته على الوتر الحساس كفولتير.. ذلك الاديب والفيلسوف الفرنسي الذي هز العروش وفضح ما وراء جدران سجن الباستيل. وهو القائل (الطغاة الاذكياء دائما ما يتهربون من العقوبة). لكن نبوءة سماحة العلامة الصدر ترى ان (اوسع الطغاة بطشاً لن يسلم من العقوبة).

{ الكلمة التي اقيت في احتفالية معرض اصدارات السيد حسين محمد هادي الصدر وتجاهل المكتب الاعلامي لرئيس الجمهورية الاشارة اليها.

مشاركة