العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر

584

داعش والإسلام

العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر

جميعنا نحب البديهيات فلولا وجودها لعاش الإنسان في حيرة كبرى .. حياة بدون توكيدات وأشياء مسلم بها ومبادئ فهم ضرورية لهي حياة يملؤها الشك و التخبط ..

إذن حرص الإنسان على إيجاد الأمان لحياته وإعفائها من غزارة الأسئلة و يبدو ان منطق الرياضيات ( 1+1 =2 ) يعجب الكثير وفي محاولتهم لتسيير حياتهم يلجأ البعض الى إطلاق ألاحكام على مسائل معقدة وملتبسة بطريقة الإجابة عن معادلة رياضية ؛ بطريقة جازمة لا تقبل النقاش ….

في التوصيفات الجاهزة والقوالب النمطية راحة ، ولكن هذه التوصيفات وتلك القوالب ما هي الا هروبا من الواقع وتعبيرا عن عجزنا عن مواجهته وبالتالي قد تتحول الى مثبطات وعوائق كبرى في سبيل تغيير حياتنا نحو الأفضل ..

يواجه الإسلام منذ قرون مشاكل بنيوية قاتلة ومشاكل هوية أكثر تعقيدا … اصطدام المسلمين بالغرب حرك صراعات فكرية داخل الدين كانت موجودة قبلا ولكن اندثرت في قرون التقهقر الفكري و لكن مع الاحتكاك بالآخر الغربي – الاحتكاك الذي تحول الى صراع – خرجت من جديد الى العلن وبشكل مضخم هذا علاوة على تكاثرها وتحولها الى منابع صراع أخرى مختلفة وجديدة …

السؤال المطروح على الإسلام اليوم : هل الإرهاب إسلامي … هل يحرض الاسلام على العنف .. هل جماعات التكفير والجهاد وعلى رأسها داعش هي الأقرب تمثيلا للإسلام .. هل في تاريخ الاسلام ما يشبه داعشاً وما تستمد منه مبادئها الدموية وهل يمكن الفصل بين مبادئ الاسلام وتاريخه ؟؟

الأجابة عن هذه الأسئلة بطريقة البديهيات المسلم بها هو خطا كبير يقع فيه المدافعين والمناوئين على حد سواء ..

الاسلام دين التسامح والعدل .. الاسلام تاريخه مضيء تملأه قيم الإخاء .. في مختلف عصور الاسلام نشأت دول للخلافة لإعلاء كلمة الله في الارض وتحقيق دولة الله الموعودة .. الاسلام دين وتاريخ ليس عليه غبار … هذه الإجابة رقم واحد .

الاسلام دين القتل والسبي والجواري .. الاسلام دين محرض على العنف .. انظر الى تاريخه المليء بالدم .. فضلا عن أحكامه وعقوباته الدموية .. هذه الإجابة رقم اثنين .

الاجابتان تنبعان من فهم خاطئ اولا لمتغيرات الحياة وثانيا لمتغيرات التاريخ .. تنبعان من فهم مبسط و فوقي للإسلام وللأسف فان كلا الاجابتان تجعلان من داعش الممثل الحقيقي للإسلام ..

داعش ومن خلفها كل حركة الاسلام نابعة من تصور قائم على أساس تاريخي سلفي .. في تاريخنا كل إجابات الأسئلة الراهنة .. تحويل هذا التاريخ الى جنة لن يخدم الا داعشاً ففي تاريخنا ثغرات ونزاعات و مأس فهو ليس هذا التاريخ الذي يحاول البعض تصويره .. ورجم هذا التاريخ ليس الحل أيضاً بل هو هروب من المشكلة أكثر من محاولة حلها و تجاوزها …

من أوائل من استخدم تقنية السيارة المفخخة وفجرها في المقاهي والمطاعم كان الجيش الجمهوري الأيرلندي !!

على ان الكل يجمع ان في الدين المسيحي مقداراً كبيراً من التسامح على مثال أعط خدك الأيسر – وان هذا الدين لم يطرح اي شكل للدولة ولنظام العقوبات كما في الاسلام .. ولكن الكل يعرف ان دولة تقتل كل من يقرأ كتابا وتعدم كل من اتهمته بالهرطقة وان كانت تلك الهرطقة ما هي الا دراسة العلوم غير الدينية دولة أقامت محاكم تفتيش قتلت الآلاف . هذه الدولة تكونت من هذا الدين السمح !!

إذن الإرهاب يصنع من ارق العقائد وألينها قابلية تدميرية .. لا أقول لنترك التاريخ ولكن لنعود اليه بصورة مثمرة لنفهم ما يحدث ولما يحدث .. ليس التاريخ هو المشكلة الرئيسة وحده ولكن تناولنا له هو المشكلة .. وتناولنا له ما هو الا الحاضر ..

الخطأ الرئيسي الاول في قراءتنا للإسلام يتجسد في عزل مبادئه وتاريخه عن زمانه ومحاكمته بمعايير زماننا وهنا نحن نفعل كما تفعل قوى التطرف وهي جر الاسلام الى زمننا ومن ثم تقيمه على أساس أحكامنا الراهنة ..

ما نريده ليس جر الاسلام الى زماننا ومن ثم تقيمه لا ما نريده ( او ما يجب علينا ان نريده ) هو تقييم الاسلام في زمانه و قراءته مع ظروف نشأته ثم اخذ ما يثبت مع الزمن كالمبادئ والقيم وطرح ما كان منه استجابة لزمن مضى كالعقوبات و الملبس والمأكل ..

لنأخذ مثلا : واحدة من أشد العقوبات الموجودة في القران هي عقوبة الحرابة .. وعقوبة الحرابة هي قطع الإرجل والأيدي من خلاف !!

وماهي الحرابة : قطع الطريق والسلب من القوافل

لا اعرف ما ستكون اجابة من جعل الاسلام دين التسامح والتاريخ المضيء ..

واعرف اجابة من يرى ان مشكلة الإرهاب انها نابعة من هذا الدين الدموي ..

ولكن لنقرأ هذا الحكم قراءة تاريخية (على طريقة نصر حامد ابو زيد) :

بما ان الاسلام نشأ في الجزيرة العربية وتلك المنطقة من العالم يعتمد نظامها الاقتصادي بشكل رئيسي على التجارة فمن يجرم بالحرابة وقطع الطريق فهو مجرم بنيته تخريب أساس النظام الاقتصادي في ذلك الوقت فبالتأكيد ستكون العقوبة قاسية ًبطابع جسدي خاصة انهم كانوا يعيشون في بيئة صحراوية وفي عصر لم تكن لتلك العقوبات من رادع ( اقصد العقوبات ذات الطابع الجسدي كالجلد و الرجم ودق العنق ) ..

في حاضرنا هل لجريمة قطع الطريق ذاك التأثير قبل أربعة عشر قرنا .. لا اعتقد .. هل تبقى تلك الأحكام من هذا النوع قائمة في نظام يستهدف ان يكون لكل زمان ومكان ..

إذن الاسلام طرح مبادئ عامة وهي التي يحب ان نهتم فيها اما ما طرحه من احكام دنيوية فما هي الا استجابة لظروف ذلك الوقت وإجابة طرحت لسألة اثيرت في عهد الرسول نأخذ منها ماكان مفيدا ونطرح ما هو ذو صلاحية زمنية محددة كحكم قطع يد السارق والسبي وما ملكت أيمانكم ..

حركة فقهية ثورية :

هذا ما نحتاجه: ان نطرح سؤالا ان كان في القران حكم قطع اليد والرجم والجلد والسبي وما ملكت أيمانكم والجزية ، لما الاعتراض على داعش ؟ وهل المشكلة بمن يطبق هذه الأحكام (ان كان معصوما او لم يكن) ام ان مشكلتنا مع هذه الأحكام ؟ وان كانت معطلة ما سبب تعطيلها ونحن نعرف ان الاسلام لكل زمان ومكان ؟

الخطوة الأهم للإجابة عن هذه الأسئلة هي في التفريق بين المبادئ العقدية للإسلام والأحكام التي تساعد على تحقيق تلك المبادئ :

ان وضعنا مقاصد للشريعة ، مقاصد جديدة تختلف عن مقاصد ابو إسحاق الشاطبي ، هذه المقاصد نابعة من فهم حديث للدين .. واستجابة لما طرحه الاسلام كونه رحمة للعالمين .. ومن هذه المبادئ والمقاصد نطلق بحركة تجديد فقهي يشمل اعادة قراءة تاريخية لأحكام الاسلام التي تناولت الحياة ومن ثم الالتزام بما يحقق مبادئ الاسلام ومقاصده و حفظ ما يعود لزمنه .. حركة فقهية جريئة ربما تكون حلا للسؤال لما ترفضون داعش وهي تطبق ما موجود في كتابكم المقدس ..

هل في هذا تحريف للقران و ضربة للإسلام ؟

لا اعتقد ان دينا يطرح نفسه كدين لكل البشرية في كل زمان ومكان .. يحوي احكام فقهية تعود لقرون خلت احكام دموية وان كانت منسجمة مع بيئتها ولكن نحن الان في القرن الواحد والعشرين فأنا لا اعرف هل قطع اليد والرجم احكام تابعة لكل زمان ومكان ..الكلام يطول ولكن يجب اخيراً ان نعرف ان فرصتنا الوحيدة هي القيام بتجديد الدين خاصة في ظل هجمة شرسة وردود أفعال عنيفة على دين يساهم الجميع في تشويه صورته .. لست متدينا ولكني مؤمن ان بأمكان الاسلام ان يطرح نفسه كدين روحي خالص ويترك للبشر إقامة دول وضعية تضع خيارات الفرد وحريته والعدالة الاجتماعية أساس قوانينها دول علمانية تحترم الاسلام ويحترمها المسلمون.

احسان حمدي العطار – بغداد

مشاركة