العلاقات المصرية الروسية.. أبعادها وأفاقها

169

العلاقات المصرية الروسية.. أبعادها وأفاقها      -1-

 مزهرنعمان الدوري

قبل تناول اهمية زيارة وزيري خارجية ودفاع روسيا لمصر لابد من تناول ابعاد العلاقات الروسية المصرية خاصة والعربية عامة كونها تمثل قاعدة اساسية لتقييم مستوى هذه العلاقات وافاقها .

فالعلاقة المصرية الروسية ابتداء من عهد الاتحاد السوفيتي ومنذ مايزيد على سبعين سنه كانت قد شهدت  عناوين اسس لعلاقات مهمة لازالت قائمة فالسد العالي الذي هو المنجز العملاق للشعب المصري هو  احد عنوان هذه العلاقات وتسليح الجيش المصري الذي قاتل به وحقق معجزة العبور بسلاح روسي واكثر من 60 معملا انشئ جراء هذه العلاقات اضافة الى علاقات ثقافية وفنية وسياحية مازالت قائمة وقد كان للاتحاد السوفيتي موقفه المساند لمصر وللعرب في الحروب التي خاضوها لمواجهة العدوان الاسرائيلي .

ولقد كان التعاون الستراتيجي المصري السوفيتي (الروسي ) لاحقا حافزا لقيام دول عربية اخرى  باقامة علاقات ستراتيجية مع روسيا  كالعراق وسوريا والسودان وليبيا والجزائر واليمن ووصل البعض منها الى ابرام معاهدات صداقة وتعاون في جميع الميادين وقدم السوفيت مساعدات سخية وفنية وسوقوا سلاحا ومصانع واستقبلوا بعثات دراسية وعلمية ولازالت لحد الان تقوم بستقبالهم بل كانت لروسيا علاقات عسكرية وقواعد وخدمات بحرية لاسطولها في مصر ثم الجزائر وليبيا وسوريا واليمن.

لقد شهدت العلاقات المصرية الروسيه مستويات متأرجحه فقد بلغت اعلى مستوياتها ابان فترة خمسينيات وستينيات القرن المنصرم ولاسيما في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي اعده الاتحاد السوفيتي انذاك الصديق الاكبر وميزوه عن جميع اصدقائهم من زعماء العالم والوطن العربي .

الا ان هذه العلاقات انتكست في سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس الراحل انور السادات حيث تقلص التعاون الى ادنى مستوياتها بل وصل الى ادنى حدودها ولاسيما عندما بدا التدهور الاقتصادي والضعف يأتيان الاتحاد السوفيتي قبل انهياره مما ادى الى تدهور في العلاقات الروسية العربية ورغم تفتت الاتحاد السوفيتي فقد استمرت العلاقات مع الدول الجديدة التي ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي  ولاسيما روسيا الفدرالية ودول الاتحاد السوفيتي السابقة ولان روسيا هي الكتلة الاكبر والاعظم في الاتحاد فقد كانت وريثة له واستمرت علاقاتها مع العراق وسوريا وليبيا  ثم عاودت مصر لتعزز علاقتها مع روسيا الفدرالية من جديد على المستوى السياسي والثقافي والسياحي ولاسيما في اواخر تسعينيات القرن الماضي . للاسف ان انكفاء الدور الروسي  في اواخر ثمانينات القرن المنصرم وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي جعله يغيب عن الساحة الدولية وعن الساحة العربية والاحداث الذي وقعت فيها مكن  الولايات المتحده لتطلق يدها في كل اوضاع واحداث منطقتنا وفق سياساتها ومصالحها واقتصر الدور الروسي على العمل الدبلوماسي والسياسي غير المؤثر حتى بداية القرن الحالي .

وبدات روسيا انطلاقه جديدة في العمل على ساحات اعتبرتها مهمة وستراتيجية لمصالحها ابان عهد الرئيس فلاديمير بوتن  ولابد من الاشارة الى ان منطلقات روسيا اليوم غير منطلقات الاتحاد السوفيتي فاذا كان السوفيت بنوا علاقتهم في ظل قطبية ثنائية وحرب باردة وفي ارتكاز على مبادئ الشيوعية التي سوقت من خلالها سياستها مما ادى الى اضعاف دورها المؤثر وافقدها القدرة على  ابلاغ مستويات علاقتها الى الطموح المنشود.

 لكن روسيا الجديدة غيرت المنهج السابق و اعتمدت على منهجية السياسة (البرغماتية ) وفن الممكن وهذا ماصرح به الرئيس الروسي (فلاديمير بوتن) الذي نجح هو وفريقه من انتشال روسيا من هاوية انحدرت اليها واستطاع ان يعيدها الى سلم الصعود بجدارة وقبل كل ذلك اعتمادهم على  سياسة  جديدة  ارتكزت على عقيدة واسس تختلف عما كانت عليه في زمن السوفيت وتطور اقتصادها وصناعاتها وزيادة  مواردها الهائلة من النفط والمعادن الاخرى مكنها من ان تعود الى اسواق بيع السلاح ولتحتل مكانا مميزا فيه .نرجع للقول انها عادت برغم محدودية دورها بقضية الشرق الاوسط ( قضية المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلة)فان هذا الدور بدا اكثر قوة وحضورا  في القضية السورية.

 فروسيا اليوم  تسجل لدورها انتقالة نوعية في زيارة تاريخية مهمة وفي ظروف صعبة معقده في المنطقه العربية وعندما تكون هذه الخطوة باتجاه مصر لادراك القيادة الروسية ان مصر تبقى ورغم كل الظروف قلب الوطن العربي ومفتاحه الذي يتأثر بها ايجابيأ او سلبيأ ومدخلها الى افريقيا و دول العالم الاسلامي وبلدان عدم الانحياز رغم الضعف الذي عطل دور مصر .

ولان مصر تبقى الدولة العربية الاكبر والاهم للتأثير في احداث المنطقه فالمبادرة يجب ان ندرسها دون مبالغة وتحميلها اكبر من حجمها او التقليل من اهميتها لان كلا الرأيين لا يعطينا التقييم الصحيح والموضوعي فمصر والعرب محتاجين لدور روسي مقابل يوازن بين دور امريكي مطلق وانصياع لانظمة عربية ضعيفة رهنت مستقبلهم ومستقبل شعوب المنطقة في الدور الامريكي ومصالحه الذي ادى بالمنطقة ولاسيما العربية الى مانراه عليه اليوم .

لذا فان العلاقات مع روسيا مطلوبة لموازنة مصلحة العرب ولان مبدأ القطب الواحد الذي ارادت واشنطن ان تقود العالم به فشل فشلا ذريعا ولاسيما بعد احداث 11ايلول وما اعقبه من غزو لافغانستان والعراق افقد واشنطن مصداقيتها السياسية اضافة الى عوامل اقتصادية داخلية اضعفت قدرتها الخيالية التي كانت تدعيها هذا من جانب ومن جانب اخر فان مايواجه العرب من تهديد بالتفيت والفوضى التي اعقبت ماسمي بثورات الربيع العربي الذي حاولت واشنطن وحلفاؤها افراغ الدوافع المشروعة والصحيحة التي دفعت الجماهير العربية للانتفاضة والثورة على انظمتها.

{ سفير العراق الاسبق في موسكو