العلاج بالصدمة والتغليس

468

عبدالهادي كاظم الحميري

يقول‭ ‬بوريس‭ ‬يلتسن‭ ‬أول‭ ‬رئيس‭ ‬لروسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬أنه‭ ‬استعرض‭ ‬محاولات‭ ‬الإصلاح‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬القيصر‭ ‬بيتر‭ ‬الأول‭ ‬لخلق‭ ‬دولة‭ ‬روسية‭ ‬عصرية‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬على‭ ‬الطراز‭ ‬الأوربي‭ ‬وانتهاءً‭ ‬بمحاولة‭ ‬ميخائيل‭ ‬غورباتشوف‭ ‬تحديث‭ ‬وتفعيل‭ ‬النظام‭ ‬الاشتراكي‭ ‬فوجد‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬المحاولات‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أصحابها‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬الاستمرار‭ ‬بها‭ ‬حتى‭ ‬النهاية‭.‬

ذهب‭ ‬يلتسن‭ ‬الى‭ ‬البرلمان‭ ‬في‭ ‬28‭ / ‬10‭ / ‬1991‭ ‬وأخبرهم‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬أحرج‭ ‬لحظات‭ ‬تاريخها‭ ‬وطلب‭ ‬صلاحيات‭ ‬إضافية‭ ‬لمعالجة‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمعيشي‭ ‬المنهار‭ ‬فوافق‭ ‬البرلمان‭ ‬على‭ ‬تخويله‭ ‬صلاحيات‭ ‬إضافية‭ ‬حتى‭ ‬كانون‭ ‬اول‭ ‬1992‭.‬

اختار‭ ‬يلتسن‭ ‬ايغور‭ ‬غيدار‭ ‬مدير‭ ‬معهد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬موسكو‭ ‬والبالغ‭ ‬35‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬ليقود‭ ‬عملية‭ ‬الإصلاح‭ ‬كنائب‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬مع‭ ‬فريقه‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬كوزراء‭ ‬وقرر‭ ‬يلتسن‭ ‬ان‭ ‬يقود‭ ‬الحكومة‭ ‬بنفسه‭ ‬ليكفيهم‭ ‬الانتقادات‭ ‬أثناء‭ ‬التنفيذ‭.‬

بدأ‭ ‬غيدار‭ ‬بتنفيذ‭ ‬برنامج‭ ‬تضمن‭ ‬عند‭ ‬البدء‭ ‬إزالة‭ ‬جميع‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬وبعدها‭ ‬بشهر‭ ‬أطلق‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬وسعى‭ ‬لتخفيض‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬الى‭ ‬1‭%‬‭ ‬ونقل‭ ‬50‭ ‬‭%‬من‭ ‬صناعة‭ ‬مواد‭ ‬البناء‭ ‬و60‭%‬‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬و70‭%‬‭ ‬من‭ ‬ورشات‭ ‬التصليح‭ ‬الى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬توقع‭ ‬غيدار‭ ‬ان‭ ‬الأسعار‭ ‬سترتفع‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بحدود‭ ‬100‭%‬‭ ‬شهريا‭ ‬ثم‭ ‬تبدأ‭ ‬بالتنازل‭ ‬ال‭ ‬10‭-‬12‭ ‬‭%‬‭ (‬نترك‭ ‬التفاصيل‭ ‬الأخرى‭ ‬لعدم‭ ‬الاطالة‭).  ‬توقع‭ ‬غيدار‭ ‬انه‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬سيحصل‭ ‬استقرار‭ ‬نسبي‭ ‬تبدأ‭ ‬بعده‭ ‬الفعاليات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والانتاج‭ ‬بالصعود‭.‬

كانت‭ ‬العملية‭ ‬الإصلاحية‭ ‬التي‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬العلاج‭ ‬بالصدمة‭ ‬قاسية‭ ‬جداً‭ ‬وكانت‭ ‬روسيا‭ ‬عن‭ ‬بكرة‭ ‬أبيها‭ ‬تتلوى‭ ‬تحت‭ ‬العلاج‭ ‬الى‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬خاطب‭ ‬فيها‭ ‬الكاتب‭ ‬الروسي‭ ‬المشهور‭ ‬الكساندر‭ ‬سولجينتسن‭ ‬يلتسن‭ ‬عبر‭ ‬التلفاز‭: ‬السيد‭ ‬الرئيس‭ ‬هل‭ ‬توافق‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬مداواة‭ ‬أمك‭ ‬بالعلاج‭ ‬بالصدمة؟؟

أجاب‭ ‬يلتسن‭: ‬روسيا‭ ‬هي‭ ‬أمنا‭. ‬روسيا‭ ‬هي‭ ‬نحن‭ ‬والعلاج‭ ‬بالصدمة‭ ‬هو‭ ‬لنا‭ ‬نحن‭.‬

لا‭ ‬يختلف‭ ‬عراقيان‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مهام‭ ‬الإصلاح‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬السيد‭ ‬مصطفى‭ ‬الكاظمي‭ ‬بالتأكيد‭ ‬أكثر‭ ‬حرجا‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬بوريس‭ ‬يلتسن‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬جُلّها‭ ‬اقتصادية‭ ‬إذ‭ ‬تزيد‭ ‬عليها‭ ‬بتقديم‭ ‬قتلة‭ ‬المتظاهرين‭ ‬للعدالة‭ ‬وحصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة،‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬الانتخابات‭ ‬النزيهة‭ ‬والإفلات‭ ‬من‭ ‬النير‭ ‬الإيراني‭ ‬فوق‭ ‬عنق‭ ‬العراق‭ ‬وتأثيرات‭ ‬النير‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يتموضع‭ ‬فوق‭ ‬عنق‭ ‬إيران‭. 

صدمة‭ ‬السيد‭ ‬الكاظمي‭ ‬الأولى‭ ‬كانت‭ ‬للمتقاعدين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعلان‭ ‬وزير‭ ‬المالية‭ ‬وبعض‭ ‬المقربين‭ ‬نسب‭ ‬الضريبة‭ ‬التي‭ ‬ستقتطع‭ ‬من‭ ‬رواتبهم‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تسبب‭ ‬ذلك‭ ‬والله‭ ‬أعلم‭ ‬بجلطات‭ ‬وصعود‭ ‬ضغط‭ ‬وسكر‭ ‬للمتقاعدين‭ ‬عاد‭ ‬وأعلن‭ ‬أن‭ ‬رواتبهم‭ ‬خط‭ ‬أحمر‭. ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬علاج‭ ‬بالصدمة‭ ‬لأنه‭ ‬لربما‭ ‬تهيئة‭ ‬لقطع‭ ‬أو‭ ‬تخفيض‭ ‬رواتب‭ ‬مستقبلي‭ ‬‮«‬اليشوف‭ ‬الموت‭ ‬يرضى‭ ‬بالصخونة‭ ‬‮«‬

عدت‭ ‬العاصفة‭ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬عواقبها‭ ‬فجاءت‭ ‬الصدمة‭ ‬الثانية‭ ‬ـ‭ ‬مداهمة‭ ‬الدورة‭ ‬وبعدها‭ ‬استعراض‭ ‬الفصائل‭ ‬لقدرتها‭ ‬على‭ ‬اسقاط‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬والمنطقة‭ ‬الخضراء‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إطلاق‭ ‬المحتجزين‭ ‬وتقديم‭ ‬نصيحة‭ ‬للسيد‭ ‬الكاظمي‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬التغليس‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬القائد‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬سبقه‭ ‬عند‭ ‬ضرب‭ ‬الجيش‭ ‬وضيوفه‭ ‬من‭ ‬الفرنجة‭.‬

نقر‭ ‬بأننا‭ ‬حققنا‭ ‬سبقاً‭ ‬بإضافة‭ ‬التغليس‭ ‬الى‭ ‬العلاج‭ ‬بالصدمة‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمنية‭ ‬وبانتظار‭ ‬نتائج‭ ‬العلاج‭ ‬والله‭ ‬الموفق‭.‬

مشاركة