العصيان المدني – حمدي العطار

267

العصيان المدني – حمدي العطار

يبدو لي ان الشباب الذين اخذ يدعو ” للعصيان المدني” العام في بغداد لأجبار السلطات على تحقيق ما خرج من اجلها المتظاهرون منذ 1 اكتوبر حتى اليوم سوف يدخل حيز التطبيق اليوم  ، وتلك هي الثورات عبر التاريخ تبدأ بالتظاهرات لتصل الى الاعتصام ومن ثم تحقيق التغيير! فهل من الممكن تحقيق (العصيان المدني) طوعيا؟ اي ان كل الموظفين في دوائر الدولة وقطاع التعليم وحتى قطاع الخاص سوف يستجيب لهذا النداء ؟ “مبرر الثوار يقول نحن نضحي بحياتنا من اجل الوطن وانت لا يهمك الا الراتب ” وبودي ان يكون لدى المعتصمين رؤية مقبولة تجاه مستقبل العملية السياسية، نحن نرى ان الوضع بالعراق قد يكون بحاجة الى (الحاكم القوي المناسب في الوقت المناسب) فهل يتوفر مثل هذا الحاكم حاليا في العراق؟ على الشباب الذي يصر على العصيان المدني ان يعرف اولا اذا كانت التظاهرات دستورية فإن العصيان يعد غير قانوني ! كما  إن هناك شرائح اجتماعية وفعاليات اقتصادية لا تكن لهم الكراهية او الخصومة ولكن هؤلاء اما مصالحهم تستوجب الاستقرار السياسي والاقتصادي او انها لا تستوعب التغيير، لنذكرمنها مثلا (الاغنياء في اي مجتمع يكرهون الثورة اكثر مما يكرهون حتى الاحتلال) لأن هؤلاء لن يحسوا بالظلم طالما ثرواتهم تتضاعف وتزيد! عمليا حدث مثل هذا الشيء حينما كان صدام حسين يقترب من الانهيار ! كنا نلتقي ببعض الاغنياء والتجار على الرغم من عدم حبهم لصدام لكنهم يخافون التغيير او كما يسمونها (الفوضى) فهي مغامرة نتائجها لا تكون محسوبة ومضمونة ! كما إن (ليس كل الفقراء معكم) لأن هؤلاء على الاغلب لا يملكون احيانا الوعي المناسب لمثل هذه الظروف!

اما (الطبقة الوسطى) فهي منقسمة ومترددة تنتظر اكثر مما تشارك في عملية التغيير!

اتمنى ان ينجح “لعصيان المدني” وتخضع الحكومة لمطاليب المعتصمين ،كما يستجيب البرلمان ورئاسة الجمهورية الى اتخاذ الاجراءات اللازمة لألغاء المفوضية العليا للانتخابات واستبدالها بمفوضية مستقلة فعلا للانتخابات ،تحضر وتجهز للانتخابات النزيهة وفق قانون جديد عادل للانتخابات بعيدا عن التزوير ولضمان نزاهة الانتخابات ان تكون تحت رقابة القضاء وبرعاية المنظمة العالمية للامم المتحدة.

اما اذا كانت هناك حالات قمع للعصيان المدني فسيحدث ما لم يحمد عقباه لأنه سيكون هناك احتكاك وعنف قد يزيد من عدد الشهداء والضحايا ويتعقد المشهد الذي لا يتحمل مزيدا من التعقيد، خاصة بعد قناعة الجميع بإن الحكومة تحاول ان تستفيد من الوقت وتمارس التسويف فلم يقدم عادل عبد المهدي استقالته، ولم يقال من قبل رئيس الجمهورية او البرلمان، وهو كما يصف بعض المتظاهرين الذي (على جسر الجمهورية وجسر السنك) بإنهم خارجين عن القانون! وهناك تهديد لأدارة المدارس والجامعات بالطرد فيما اذا استمر اضرابهم وتعطيل الدوام الرسمي.

في انظمة مثل العراق يستبعد حدوث (أنقلاب عسكري) لأن الجيش اصبح محايدا يدافع عن السلطة بغض النظر عن مقبوليتها او رفضها من قبل الشعب! نحن مع المتظاهرين بكل ما نملك واولادنا وبناتنا في ساحة التحرير لكننا نخشى الانزلاق الى الحرب الداخلية. هذه الاشكالية تجعل كلا من الحكومة والمتظاهرين على طرفي نقيض ومن الصعب عقد صفقة سياسية تجعلهم يلتقون عند منتصف الطريق! ويمكن جعل السلطة منقسمة لو لا الرفض الكامل للعملية السياسية  الذي ينادي بها المتظاهرون ، اجعلوا احتمال التغيير ان يأتي بمساعدة من داخل السلطة ! ونرى ان الواقعية السياسية بعيدة عن الطرفين.

مشاركة