العروبة والبعث

357

العروبة والبعث
إدريس جنداري
تسعى بعض الأقلام العرق ــ فرانكفونية المتطرفة إلى محاولة خلط الأوراق، في حديثها عن العروبة في المغرب العربي، وذلك عبر توظيف إيديولوجي فج، ينتهك أبسط شروط التفكير المنهجي السليم. فما معنى أن يذهب بعض هؤلاء إلى التدليس والحشو الإنشائي، حينما يختزل العروبة، كامتداد حضاري، امتد زمنيا لقرون كما امتد جغرافيا عبر ثلاث قارات آسيا، إفريقيا، أوربا ، ما معنى أن يختزل كل هذا الامتداد الحضاري، في أحزاب البعث العسكرية المشؤومة ، في العراق وسوريا وليبيا… والتي كانت الشعوب العربية أول من ثار عليها ورماها في مزبلة التاريخ، عند أول فرصة أتاحتها ثورات الربيع العربي.
لقد كانت النخبة الفكرية والسياسية العربية المتنورة، مشرقا ومغربا، أول من انتقد التجربة القومية»البعثية، باعتبارها تشويها للفكر والممارسة السياسية في العالم العربي، من خلال اختزال امتداد حضاري عميق في تجربة حزبية ضيقة. فقد كان ثمن الانتقال، من الفكرة الإصلاحية النهضوية ، إلى التجنيد المؤسسي الحزبي، فادحا على صعيدين
ــ على صعيد تطورها الطبيعي كفكرة، أو كمشروع فكري، حيث أجريت لها عملية إجهاض سياسي، ومصادرة حزبية، أعاقت آلية التطور والتراكم فيها.
ــ على صعيد نوع الخطاب، الذي باتت تنتجه تحت وطأة ذلك التجنيد حيث أصبح خطابا سياسويا أو صريع التضخم السياسوي. ويخلص الأستاذ بلقزيز في الأخير، إلى أن الفكرة الإصلاحية تحولت، من فكرة مبدعة إلى فكرة تبريرية.
ــ عبد الإله بلقزيز ــ أسئلة الفكر العربي المعاصر ــ سلسلة المعرفة للجميع ــ منشورات رمسيس ــ أكتوبر 2001 ــ ص 49
إن الأحزاب القومية»البعثية، التي يسعى هؤلاء إلى اتخذها نموذجا، في حديثهم عن العروبة في المغرب العربي، لا تمثل سوى أقلية ذات نزعات عسكرية، وظفتها في انقلابات، انتقلت من خلالها إلى كراسي السلطة، ونظرا لما كانت تعانيه من فقر إيديولوجي، فإنها عملت على تزوير التاريخ العربي، كما احتكرت القيم الثقافية العربية الأصيلة، لبناء إمبراطورية عسكرية، كانت وظيفتها الأساس حماية المعبد العسكري، كي لا يتحطم فوق رؤوس أصحابه.
ولذلك، فإن من يتحدث عن العروبة كامتداد حضاري لم يتوان المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي في اعتباره حلقة أساسية في سلم الحضارات الإنسانية من يتحدث عن الحضارة العربية، باسم القذافي وصدام والأسد… فإنه في الحقيقية ليس أكبر شأنا من هؤلاء، ولذلك لا يمكنه أن يكتشف عظمة الحضارة العربية، في امتدادها عبر التاريخ وعبر جغرافيات قارية متعددة، وكذلك لا يمكنه بالتأكيد أن يعرف المساهمة الحضارية الكبيرة، التي قدمها العرب للعالم، عندما كان الظلام يعم معظم أركان العصر الوسيط.
إن الـ عرب ــ فوبيا التي تسعى الأقلام العرق ــ فرنكفونية إلى ترويجها في المغرب العربي في المغرب والجزائر بشكل خاص ليست في الحقيقة سوى إعادة إنتاج لما راكمه الفكر الاستشراقي في هذا المجال، في قراءته الانتقائية لحضارة الشرق عامة وللحضارة العربية على وجه الخصوص، وهذه القراءة الإيديولوجية، هي التي توجه اليوم حركات اليمين المسيحي ــ اليهودي المتطرف، في أمريكا وأوربا، في مواجهة كل ما هو عربي»إسلامي. ولذلك فإن الأقلام العرق فرنكفونية المأجورة في محاربتها لكل ما هو عربي، تردد صدى الأطروحات الاستشراقية، سواء عن سابق علم بالأساس المرجعي أو في غالب الأحيان عن جهل مطبق بهذا الأساس الموجه.
إن ارتباط العروبة بالإسلام على امتداد قرون، حولها من انتماء عرقي ضيق، إلى انتماء حضاري أوسع، ساهمت في بنائه شعوب مختلفة، ولذلك فقد كانت التعددية في العالم العربي واقعا معيشاً، ولا يشكل أي عائق في وجه الانتماء الحضاري العربي»الإسلامي، لأن جميع الأعراق والإثنيات انتمت إلى الحضارة العربية»الإسلامية وساهمت في تطويرها. وهذا ما أهلها لتكون فاعلة في بناء الصرح الحضاري العربي» الإسلامي من دون أي عقد نقص، بل على العكس من ذلك، ساهم الأمازيغ ومعهم الفرس والأتراك، من موقع ريادي، في تطوير العلوم والسياسة والاقتصاد، بلغة عربية فصيحة وبمتخيل عربي»إسلامي أصيل.
إن الثقافة العربية، كما تشكلت تاريخيا، مقوم أساسي من مقومات الشخصية العربية، وعنصر أساسي كذلك في وحدة الأمة العربية، غير أن الوحدة الثقافية على صعيد الوطن العربي لا تعني قط فرض نموذج ثقافي معين على الأنماط الثقافية الأخرى المتعددة والمتعايشة إن التعدد الثقافي يؤكد الأستاذ محمد عابد الجابري في الوطن العربي واقعة أساسية لا يجوز القفز عليها، بل بالعكس لا بد من توظيفها بوعي، في إغناء وإخصاب الثقافة العربية، وتطويرها وتوسيع مجالها الحيوي.
محمد عابد الجابري ــ إشكاليات الفكر العربي المعاصر ــ مركز دراسات الوحدة العربية ــ ط 1 ــ 1989 ــ ص 42
يركز الأستاذ الجابري على التشكل التاريخي للثقافة العربية الثقافة العربية كما تشكلت تاريخيا ، وذلك للتأكيد على الانفتاح الذي تميزت به، فهي لم تفرض نفسها كثقافة شمولية متكاملة، ترتبط بمرحلة زمنية وانتماء جغرافي، بل تشكلت عبر التاريخ بمساهمة فاعلة من كل الأعراق التي انتمت إليها، ولذلك فإن الانتماء الحضاري العربي»الإسلامي، ليس انتماء قوميا مغلقا يتخذ طابعا عرقيا، بل هو انتماء حضاري مفتوح على كل أشكال التطوير والبناء.
إن هذا النموذج من العروبة، هو الذي نجح في بناء حضارة مترامية الأطراف، تمتد من آسيا إلى إفريقيا وأوربا، وقد استمد قوته من انفتاحه وإيمانه بالتعددية والاختلاف، وهذا ما مكنه من توطين نموذج متقدم في السياسة والتنظيم الاجتماعي والاقتصاد والدين والفكر… في مناطق جبلية وصحراوية قاحلة، كانت تعصف بها الصراعات القبلية والإثنية.
هل يمكن إذن اختزال هذا الامتداد الحضاري في تيار سياسي»عسكري، وصل إلى الحكم عبر تدبير الانقلابات، وتحكم في كل وسائل العنف المادي والرمزي للمحافظة على ثكناته العسكرية؟
إن القراءة التاريخية، لما وقع من انحراف في التاريخ العربي الحديث، لتؤكد أن الفكر العربي عرف يقظة هامة خلال مرحلة القرن التاسع عشر، حاول من خلالها تجاوز مرحلة الانحطاط، التي سادت منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك ضمن ما أطلق عليه اسم عصر النهضة .
لكن، الشروط الموضوعية، لم تكن مؤهلة لتجاوز المعيقات السائدة ولذلك، تم تحريف النموذج النهضوي، عبر استثماره من طرف الإيديولوجية القومية، ليتحول بعد ذلك إلى مشروع عسكري انقلابي، قاد إلى الحكم ضباطا، تعاملوا مع المجتمع وكأنهم في ساحة حرب، حيث اعتمدوا العنف المادي والرمزي، لفرض نموذجهم والمحافظة على استمرار يته.
لقد كان العالم العربي، منذ حصوله على استقلاله السياسي، كان مخيرا بين سياقين لا ثالث لهما
ــ السياق الاستعماري، حيث تم احتكار السلطة، من طرف تيارات موالية للاستعمار ومرتبطة به، بوشائج قوية سياسية واقتصادية، ولم تكن مستعدة للتفريط في هذا الزواج الكاثوليكي، لأنه يحمي مصالحها.
ــ السياق الإيديولوجي البعثي»اليساري، وقد ارتبط هذا السياق
بالفورة الإيديولوجية التي عرفتها المنطقة العربية، في علاقة بالاتحاد السوفييتي، الذي قدم نفسه كمحارب للإمبريالية الغربية، وكداعم لحركات التحرر الوطني، وكمدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وإذا كان السياق الأول، لا يخدم المصالح العربية في التحرر من ربقة الاستعمار، فإن الانضمام إلى السياق الثاني كان بمثابة المخرج الوحيد من الهيمنة الاستعمارية. وضمن هذا السياق، يمكن الوقوف على خليط من الإيديولوجيات، التي وحدتها تحديات المرحلة، ولذلك فقد تداخلت الإيديولوجية الاشتراكية، مع الإيديولوجية القومية، وتم تأطير الإيديولوجيتين معا تأطيرا عسكريا.
وقد شكل هذا التداخل منذ البداية أزمة عميقة في المسار النضالي العربي، وذلك لأن البناء الإيديولوجي كان فجا وغير واضح بالتمام، وخصوصا لما دخل العسكر، ليحتكر الاشتراكية والقومية، لبناء شرعيته السياسية المزورة، باعتباره حامي العرين والذائد عن الحياض.
هكذا، تمت قرصنة المشروع النهضوي العربي، من طرف النخبة العسكرية، وبذلك تم الإجهاز على أهم المرتكزات الأساسية التي عملت النخبة الفكرية والسياسية العربية على تشييدها، ومن ثم التراجع عن النضال الذي دشنه النهضويون، من أجل بناء الدولة الحديثة، وترسيخ القيم الليبرالية الحديثة، من ديمقراطية ومساواة وحرية… ونقيض ذلك تم استغلال المنظومة الاشتراكية، لترسيخ قيم معاكسة، تقوم على أساس دكتاتورية الحزب الواحد والزعيم الوحيد، مع ما سيرافق ذلك من ترسيخ لقيم الاستبداد والتسلط في الثقافة السياسية العربية الحديثة.
هذه الخلفية التاريخية ضرورية، لفهم التحول الذي حدث في مرحلة ما، وساهم في تقزيم العروبة كامتداد حضاري، في شكل مشروع حزبي ضيق، لا يخدم سوى مصالح فئة ضيقة من ضباط العسكر. من هذا المنظور إذن يجب أن نميز بين العروبة كحضارة، وبين تيار البعث كإيديولوجية حزبية، وأي خلط بين المجالين، فهو عمل إيديولوجي فج، يسعى إلى اعتماد آلية القياس، رغم وجود فارق كبير بين المقيس والمقيس عليه، وهذا لا يستوي من منظور منطقي آلي فما بالك أن يستوي فكريا.
فهل كل ساكنة المغرب العربي الكبير، التي تعتز بانتمائها إلى الحضارة العربية، تنتمي كلها إلى أحزاب البعث وتدافع عن إيديولوجيتها؟ وهل كل من يتكلم اللغة العربية ويعبر عن متخيل عربي أصيل يمكن اعتباره عضوا في حزب البعث؟
إنه منطق متهافت مذقع لا يعبر سوى عن إفلاس فكري وقيمي ومنهجي، يعاني منه تيار العرق فرانكفونية، الذي يروج للمغالطات الفكرية، من منطلق إيديولوجي فج، من خلال تزوير الحقائق التاريخية، لتجييش الرأي العام العربي، وتحويله إلى وقود لإشعال نيران الفتنة بين أفراد الأمة الواحدة، بادعاءات عرقية متهالكة، لا يمكنها أن تستقيم مع التوجهات السائدة في العالم العربي، بمشرقه ومغربه.
في الأخير، لا بد أن نؤكد لتيار العرق فرانكفونية، أن العروبة ولدت في المغرب عبر زواج ناجح بين كنزه الأمازيغية ابنة زعيم أكبر قبيلة مغربية أوربة ، و إدريس العربي الذي دخل المغرب فوحده وبنى أسس إمبراطورية قوية، امتدت حدودها بين بلاد تامسنا على المحيط الأطلسي غربا وبلاد تلمسان بالمغرب الأوسط شرقا. ولذلك فإن عروبة المغرب لم تتنكر يوما للإرث التاريخي الأمازيغي، بل خلقت حوارا حضاريا يتجاوز قدرات المرحلة، وإذا كان إدريس الأول هو مؤسس هذا الحوار، بعدما تمت مبايعته من طرف القبائل المغربية، على اقتناع تام برسالته الحضارية السامية، التي حارب وهاجر من اجلها، فإن هذا الحوار هو الذي استمر لقرون بعده، وما زال يفرض نفسه بقوة، رغم المؤامرات التي تواجهه من الداخل والخارج.
لقد آمنت العروبة في المغرب بالتعددية والاختلاف، خلال مرحلة كان السيف هو الحاسم بين الجد الهزل وهذا ما شجع المغاربة على الافتخار بالانتماء إلى هذا المعين الحضاري الذي لا ينضب، فأحسوا واقتنعوا، لقرون، أنهم يشكلون امتدادا للعالم العربي الكبير مشرقا ومغربا وهذه حقيقة انغرست في فكر ووجدان المغاربة، لم يستطع المستعمر الفرنسي رغم مجهوداته الجبارة اقتلاعها. وهذه رسالة يجب على أذناب الاستعمار الفرنسي في المغرب، اليوم، أن يستوعبوها جيدا، لأن الواقع عنيد، والشعوب لا يمكنها أن تعيش على صناعة الأحلام وترويجها، لأنها مهمة المفلسين.
كاتب وباحث أكاديمي مغربي
/6/2012 Issue 4231 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4231 التاريخ 21»6»2012
AZP07