العرب يفتقرون إلى فلسفات واضحة تمنحهم عالماً فكرياً قائماً بذاته

1022

(الزمان) تنفرد بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر عزيز السيد جاسم (4)

العرب يفتقرون إلى فلسفات واضحة تمنحهم عالماً فكرياً قائماً بذاته

منذ تغييبه سنة 1991 يعود بنتاج جديد …  لماذا الفلسفة ؟

وهناك المدينة الفاضلة (يوطوبيا) (Utopia) لتوماس مور 1516 وكذلك (مدينة الشمس) (City of The Sun)  1623 لـ (كامبانيلا) (Campanella)  اللتان انشغلتا ببحث القضايا الاقتصادية ومعالجتها.

ان الانسان سيظل ابدا باحثا عن الفردوس الأرضي، والسؤال الان هل ان مطامح الانسان ورغباته واماله ستظل مجرد مدن فاضلة واوهاما وعمارات من رمل ام انه سيجد لها صدى في عالم الجد والعمل والتطبيق؟

ان جواب ذلك متروك للأجيال وللتاريخ وعلى كل فالفلسفة ستلعب دورا هاما في الإجابة على ذلك السؤال مهما كانت نوعية الجواب وطبيعته.

السفسطة طريق الى المدينة الباطلة:

كما ان للعقل في جنوحه الى الوهم والخيال مدن فاضلة، فكذلك هناك مدن باطلة، ولكنها في عالم الواقع، حيث ان بعض الفلاسفة يحاولون قطف ثمار مطامعهم ومصالحهم فسخروا فلسفاتهم كلها لخدمة جاه زائل او طبقة معينة او فئة محدودة ابتغاء مرضاة السادة وأصحاب السلطة، فجاءت فلسفاتهم بعيدة عن العمق حيث انها سطحية تناقش الأمور نقاشا مظهريا بعيدا عن لب الحقيقة وجاءت بعيدة عن الاصالة حيث ليست لها جذور اجتماعية عريقة وليست لها مقدمات تولدها بتلك القوة والنماء، كما وانها تحاول استغلال بعض وجهات النظر الشائعة او المقبولة او تحاول ان تسرق عبثا مكاسب العلم والاختراعات لتجعلها في صفها ولتحوز كل ما من شأنه ان يمدها بالزاد حتى تستطيع ان تخلق مجالات وصولية واضحة لاصحابها الذين يسمون زورا فلاسفة او مفكرين، ولا تغيب عن بال احد (المكافيلية) التي كانت وسيلة لنيل السلطة وتحقيق شهرة الحكم، ان امير (ميكافيلي) لو شخصناه فلسفيا لقلنا بأنه درب من دروب تلك المدن الباطلة.

ان الإنسانية اعمق وارحب وانبل وارفع من كل مجد وقتي زائل.

ان الفيلسوف الباحث عن الشهرة والصيت الذائع ليس فيلسوفا بحق، فهو بهذا يؤكد على ان الأدوات التقليدية التي جاءته موروثة من اجداده ومن البيئة التي ترسم في اجسادنا رسوما منوعة للتذكير لاتزل موجودة ولم يقض عليها، ان الفيلسوف الحقيقي يهب وجوده ونفسه للإنسانية، وذلك البذل والعطاء المتزايد الذي لا يعرف التوقف انما لا يتم ببساطة وسهولة ويسر بل يتم عبر حلقات معقدة من التجارب والخبر والرؤى والعمل، ان انانية الفرد وشهوانيته ليست بالامر البسيط والسهل العادي الذي بمستطاع المرء ان يقمعه او يزيله، ان ذلك الرأي يحوي من المغالطة والخداع الكاذب مالا يترك مجالا لناكر في البرهنة والتثبيت، ان الانانية لن تزال من الانسان اطلاقا وانما من الممكن ملاشاتها عبر المسخ المستمر لها في بحر الحياة الاجتماعية الزاخر بكل صالح وعام وهادف.

ان الفيلسوف عندما يريد ان يذيع فلسفة ناجحة متكاملة لابد ان يرى شطحات فلسفية وزلات وهفوات بعيدة عن محتوى فلسفة الاجتماعي، وما تلك الشطحات الا تأكيد لانانية الذات ومطامعها التي لم يتمكن الفيلسوف من قمعها نهائيا الا بعد فترة من المعاناة والتطهير والتطعيم بكل ما هو خيّر ونبيل، ومع ذلك تظل للعبارات القديمة والسلوك البدائي والحيوانية القابعة في الأعماق بقايا تظهر في صفحة الفلسفة أحيانا كخطوط سود او رمادية تنفر ببروز من الوجه الفلسفي للفيلسوف. وتلك مآخذ تؤخذ على الفيلسوف الذي تسامى باعطائه نفسه للجميع وللتاريخ، فكيف بالفيلسوف الذي يعطينا نموذجا مكثفا ومركزا من الشعوذة والهرطقة والمطامع والفجور والتهافت الدنيء؟ انه حتما يستحق لعنة الأجيال الأبدية ولعنة التاريخ القاهرة التي لا ترحم، ان أولئك الفلاسفة قد يفرضون على تاريخ الفلسفة قسرا ان يذكرهم ويشيد بفلسفتهم مستغلين وجود مؤرخين نفعيين راكضين وراء الهبات والعطايا والصدقات والأجور، لكن التاريخ ينطق ولن يكون كلامه الا حكما صريحا قاسيا لا يعرف المجاملة ولا الالتواء ولا المساومة، ان اشباه الفلاسفة الذين هجروا جادة الصواب ونعيم الكرامة الجماعية الوارف الظلال لن يتمكنوا مهما بلغوا من الشطارة في النصب والاحتيال واللصوصية من نيل شرف اللقب العظيم الذي لايناله الا من قدم حياته واعصابه وعواطفه وجهوده وكل ما ملكه قربانا لهذا الشرف الذي لا يعدله شرف ولا يشبهه امتياز او رفعة.

قلنا اذن ان هؤلاء لم يستطيعوا أولا التخلص من لوثة العادات الرديئة المغروسة في نفوسهم فبقوا ولم يبدلوا انفسهم ولم يطوروها ومن لم يبدل سلوكه ويهذب طباعه ومن لم يغير ذاته يظل بلا ذات ومعدوم الضمير والوجدان وغير جدير حتى بلقب انسان.

وبالتالي فهم نسخ مشوهة لا لون ثابت لها ولا شكل تتقلب من شاطئ لشاطئ وتبحث من باب لباب وتستجدي من كل مكان ومن كل حثالة لتعطي فلسفات تدعم مآربها الدنسة اللئيمة، والطريق في ذلك الى تلك المدن الباطلة التي يريدون ان يشيدوها ليكونوا ملوكا وهميين لها، طريق المغالطة الفلسفية (السفسطة) وأول ما يستعملون بهذا الخصوص (الخداع المنطقي) مستغلين ما لديهم من براعة في المنطقية وذرابة لسانية تمكنهم من الاستهانة بالحقائق واللجوء الى هذا التزييف السريع الذي لا يتورع عن كل الوسائل من اجل تحقيق الكسب والفوز الجدلي بأي ثمن وصورة، والحوار الذي لا تربطه صلة بحقائق او بديهيات هو كل سلاحهم الشائن من اجل جمع الثروة، وقديما نشأ السفسطائيون كأنتهازيين عمدوا الى المراوغة الكلامية والدس الكلامي ليستطيعوا جمع المال كأسمى غاية وهدف لديهم، انهم لا يؤمنون بحقيقة غائية ولا بمقاييس ولا بنظم بل جل ما لديهم من اقيسة معتمد في حد ذاته على ملابسات معينة يستعملونها بكثرة، فهاك احدهم مثلا وهو يتحدث مع شاب في ملعب انه يقول له:

– هل ابرهن لك على ان اباك كلب؟

– وكيف ذلك؟

– هل عندك كلب؟

– اجل.

– هل للكلب جراء؟

– نعم.

– اذن فالكلب أب

– بكل تأكيد

– اليس الكلب لك؟

– بلى

– اذن الكلب هو اب وهو في نفس الوقت لك فالنتيجة ان الكلب اب لك. ولقد ذكر الأستاذ محمد جواد مغنية ان علماء الكلام قسموا السفسطائيين الى ثلاث فئات الأولى (العنادية) حيث تنكر الوجود وكل ما هو موجود وتعتبر هذا كله من قبيل الاخيلة والاوهام. والثانية (الضدية) حيث تجعل الفرد مقياسا لكل شيء اما الثالثة فهي (اللا ادرية) وتشك في كل شيء، واسلوبها الشك لدرجة انها تشك في شكها.

ويعتبر (بروثاغوراس) من كبار السفسطائيين وقد ولد في أبديره وهرب الى صقلية وغرق في اثناء قراره، وكان فراره نتيجة لاتهامه بالالحاد والكفر لانه هو القائل بان (اما فيما يتعلق بالآلهة فلا استطيع ان أقول انهم موجودون ولا انهم غير موجودين ذلك لان الموضوع نفسه غامض والحياة قصيرة لا تكفي للبحث في هذه المعضلة). ويعتبر بروثاغوراس من أوائل الذي ابتدأوا بالبحث في النحو وقال ان العقاب لا يستهدف الانتقام بل الردع والمنع واكد على ان الانسان هو مقياس قيم الأشياء.

والمعروف ان بروثاغوراس كان يتقن فنون الخطاب، وكذلك من السفسطائيين آنذاك، ان السفسطة في بداية نشوئها كانت ضرورية لانها تزيد من قوة الفلسفة ومراسها وتوطيدها. ان السفسطة آنذاك كانت خطوة لابد منها اما الان فأنها تمثل (الاحلاف) وتجعل من الفلاسفة قنا يملكه سيد متحجر ابله.

ان الفلسفة الان مدعومة بالعلم تقف على ارض صلبة وليست هشة ولذا فأن كل الاشكال الفلسفية التي تلجأ الى المماطلة والتسويف والرياء والسرقة مستغلة ما يسهل طريقها من قوة بلاغية واستعارات تشبيهية معينة لن تقوى على خوض المعركة لان مكانها ليست ساحات الوغى الجدلي بل مكانها ابار النسيان حيث تطمر هناك مجهولة منسية فالناس لا يبحثون عن فلسفة تبعدهم عن حقيقتهم وواقعهم المعاشي، وان هذه الفلسفة حتى وان كانت طريفة مشوقة تستعمل أسلوبا لطيفا قد يستحوذ على الالباب، لكن ذلك كله لوقت قصير جدا وسرعان ما تتهاوى تلك الفلسفة وتلك السقطة الكبرى هي مصير كل فلسفة شعارها البحث عن اقصى المنافع والمطامع الفردية. وتلك المدن الباطلة سوداء يزدريها المؤرخون، ونحن ما موقعنا بين هذه المدن والمدن الفاضلة التي لا وجود لها الا في الخيال طبعا موقف واحد هو الصحيح، هو ذلك الموقف الذي يعمل من اجل ان تصبح الأرض فردوسا بالبناء والتعمير والتجميل.

  اللا فلسفة:

الفلسفة وكما هو شائع ومعروف تسعى لحل مشكلات العصر حاليا، ولا يتم هذا الحل بسذاجة بل في سلسلة من التتبعات والترصدات ومجموعة من البحوث القصد منها فهم حقائق الأشياء لان الفهم الصحيح يقودنا الى اجوبة صحيحة للمشكلات اما الفهم المخطوء فيسلمنا الى دروب مظلمة ومتاهات لا توصلنا الا الى التخبط وعلى هذا الأساس ظهرت الفلسفات بين مادية ومثالية وانقسمت الى فرق وأفكار ومذاهب ومبادئ شتى اختلفت وسليا ولكنها متفقة أصلا على البحث عن (سعادة الانسان).

ولكن نسمع بين حين واخر نشازا يقول: مالنا وللفلسفة. ان الفلسفة تعقيد ونحن نروم الهدوء والبساطة، فلنعش هذا العمر دون ان نورط انفسنا في اسلاك الفلسفة الشائكة التي تخلق مشاكل جديدة وآلاما جديدة!!

هذا هو ما نسمعه، ويردده البعض عن علم والبعض بدون علم، فأما الذين يرددون هذا القول بلا علم فهم معذورون لانهم لا يدركون بالسليقة انهم أناس ويقتضي الحال ان يكونوا انسانيين، ونظرا لعوزهم لهذا الادراك فهم يفضلون ان يحيوا هكذا بدون بحث واهتمام الا شيء واحد لا ينسونه هو القوت الذي يشغل كل حواسهم وكل تفكيرهم.

ان الذين يعلنون عداءهم للفلسفة عن علم فهؤلاء نستطيع ان نسميهم حملة فلسفة (اللا فلسفة). ان القرن العشرين جعلنا نقول بكل ثقة من ان التنظيم يسود كل شيء، يسود المجتمع والأفكار والاحاسيس والنفس والذين يشتون عن التنظيم متقصدين يعني انهم يحاولون إيجاد طرق تفكير جديدة تتلاءم مع مآربهم وطبيعة تكوينهم.

فمثلا يقول شخص ان المتعلمين والاذكياء السائرين في طريق الفلسفة يعانون آلاما عسيرة، انهم لا يأخذون الشيء كما هو بل يسألون عن ماضيه وظروفه ومستقبله وطبيعة تكوينه وكيفية وجوده.. الى اخر ما يمكن من الاستفسارات والتساؤلات، فهذا يعني الاما جديدة لهؤلاء الاذكياء ومتاعب ذهنية ترهق اعصابهم واجسامهم وبالتالي تسبب لهم اما انفجارا في الدماغ او ضعفا في الاعصاب ومن ثم عمرا قصيرا، اما الشخص العادي فأعصابه مستريحة وعقله هادئ وكل شيء متوفر لديه والموت يساوي بين فيلسوف وجاهل!

وفي الحقيقة ان مثل هذا المنطق لا يحتاج الى جواب فالاجوبة لن تكون الا للافكار الحية اما الأفكار الهامدة التي تحاول عبثا ان تشغل لها حيزا فهذه لا يجب الاعتزاز بها والمتاجرة معها، ان الانسان هو ابن المشقة والالم، اولم يأت الى الوجود نتيجة تقلصات عنيفة والام بلغت الذروة ومنتهى الضغط والايلام في جسد امرأة؟

وبعد ان صار طفلا هل تعلم المشي مباشرة ام انه بذل الجهد تلو الجهد يحبو ويقع وينهض ويتألم حتى استطاع ان يقف على قدميه ويسير؟ لو لم يتعب العقل الإنساني لما وجدت الانسجة والقماش ولا الملابس التي لبسها ويلبسها أعداء المعرفة.. ولو لم يتعب العقل الإنساني ويتألم ويسبب لصاحبه الشقاء والحرمان لما سمعنا الأغاني ولما بنينا العمارات ولما.. ولما..

ان في العالم اخيارا واشرارا، وكذلك الفلسفات فيها الخيرة وفيها الشريرة، والعقل الواعي يسند الفلسفات الخيرة ويقدر الجوانب النافعة منها، وكذلك يلعن الفلسفات الشريرة البغيضة، ولن يستطيع متعلم مدرك ان يقف حائرا صامتا لا ينطق ولا يعمل ولا يقرر موافقته او عداءه، فالمخلوق الحي يتمتع بخاصية التفاعل التام مع كل ما يحيطه أفكارا او مواد، اما العزل بين الكائن والاشياء التي تحيطه فهو مفتعل ومصطنع ووقتي ووراءه تكمن حقيقة ما.

وبهذا فأن (اللافلسفة) عندما ينطقها شخص مطلع اطلاعا علميا حسنا فأنما يحاول تحت هذا الستار امرار أخطاء معينة او الحد من نشاط فلسفات معينة، وغالبا ما تكون لاوساط معينة مصلحة كبرى في لقاء الجهلة ومحاربة الفلسفة حتى يتمكنوا من ان يفعلوا ما يطيب لهم بدون رقيب يحاسبهم ان لديهم فلسفتهم الوحيدة التي يقرونها ويؤمنون بها ولا يريدون لفلسفات أخرى ان تعايشها انهم لا يطيقون هذا ولانهم لا يؤمنون بالمباراة الفلسفية الحرة، وتحت دعاوى (اللا فلسفة) تمضي فلسفتهم كما تريد او تشاء، ولكن ذلك لا يستطيع ان يمكنها من السير لمدة أطول لان كل ما لا يأتلف مع الحقائق والتطور يفشل وينهار حتما.

وهناك من يقول ان الفلسفة جنون مطبق وبان الفلاسفة يعيشون انفصاما عقليا ويحلقون في أجواء غريبة لا صلة تربطها بعالم الواقع والاحساس، لذا تبدو اقوالهم اقرب ما تكون للهذيان والهذر الذي لا طائل من ورائه وهم يعدون هذا موضوعا للتندر والنكاية والسخرية المريرة، دون ان يدركوا خطورة ما قاموا به من تصرف مخز فالفلاسفة لانهم اكثر بني جنسهم ذكاءا وبعد نظر وامعانا فأنهم يسبقونهم الى ادراك الحقائق وفهمها ويعطون التحليلات والتفسيرات اللازمة على الاستجابات الانعكاسية لها، ومن المفهوم ان الانسان المتوسط والقليل الثقافة يعتبر ذلك نأيا عن الواقع وانفصالا واضحا عنه ونادرا ان نجد مثقفا يتهم الفلاسفة بالجنون، وقد يوجد بعض الفلاسفة وهم مجانين حقا او ينخرطوا الى عالم داجٍ من جنون فظيع بعد ان قطعوا شوطا طويلا من الهم والتفكير والاحتراق، ان الجنون أحيانا يكون نتيجة لانعدام كل الوشائج وروابط الانسجام بين العقل والواقع فيظهر العقل متنافرا تنافرا تاما مع الواقع وهنا فأن جنونا كهذا ليس مدمرا او مؤذيا بل هو مظهر من مظاهر السخط المكبوت والشك بالتشكيلات الحياتية وقوانينها السائرة بنمط خاص.

ان الاتهامات والطعون التي توجه الى الفلسفة يمكن تحديد معقوليتها او عدمها من معرفة طبيعة الجهة او المصدر الذي تصدر منه، والغاية من مهاجمة الفلسفة مهما كانت مبطنة القصد منها إبقاء الانسان عاجزا حبيسا في حدود الخمول واللا وعي والجهل المطبق.

ان الفلاسفة على اعتبار انهم هم اول من فتحوا دروب المعرفة واناروها بمصباح (ديوجين) السحري ليستحقون من الناس والدولة كل رعاية وتشجيع وعناية فائقة، وان القاء شبهات معينة على الفلسفة ومن ثم محاولة اظهارها بصورة البلبلة الفكرية المشوشة ان هو في الحقيقة عملية اغتيال واسع النطاق للمعرفة والفلسفة والعلم والخير، وعلى هذا فأن (اللافلسفة) هي مفهوم فلسفي معين له ابعاده الخاصة وغايته الثابتة، ولكن تيار فلسفة (اللافلسفة) اختار طريق الاستخفاء والكمون والعيش في الظلال نتيجة لضعف بنوده وفقر دمه من الناحية الفكرية ونتيجة لعدم واقعيته او رصانته او ايجابيته، انه طريق العاملين في الظلام والذين تخشى ابصارهم الرضوخ وتخاف عقولهم الصراحة والجرأة.

لذا فأن هذا التيار متقلص وضئيل ومحكوم عليه مقدما بالموت لاهتمامه بتقوية كيان طبقة او فئة او جماعة شائخة متزعزعة هابطة الى مقابر التاريخ الفاغرة افواهها لكل مبتذل ورخيص ولا انساني.

ان اتباع هذا التيار ليسوا من الناس العاديين المتعلمين بل هم من أولئك المتنفذين او المتربعين على كراسي الشهرة والمطامح والطموح الدنيء، أولئك الذين يتصرفون وكأنهم مؤمنون بأزلية حياتهم وخلودها دون ان يعوا بأن الأرض التي ترفع كراسيهم تتزعزع لانها متفسخة لينة.

ان اختيارهم طريق اللافلسفة من اجل خلق مجلس معين تعبر منه أفكارهم الضالة والشاذة قد يمكنهم من نيل مكتسبات وقتية لكن بأي حال سيكلفهم الكثير وسيذكرهم التاريخ مجللين بالخزي والعار الابدي عار العداء الاستبدادي للعلم والمعرفة والحكمة، اما أولئك المدافعون الأمناء الذين يعشقون المعرفة وينهلون من منبع الحكمة العذب والذين لا يعرفون المداورة والسفسطة والتلون والانهزامية، فهؤلاء هم الجديرون بتقدير التاريخ وتقدير الإنسانية البارة بأبنائها الوفياء.

فلسفات معاصرة

في الحقيقة ولا مراء ان العالم العربي يفتقر الى فلسفات واضحة تمنحه عالما فكريا قائما بذاته ولولا الأديان التي تعد ذوات الفضل الأول في ملء الفراغ الفلسفي، لكان بؤسنا الفكري شديدا ومؤسفا وعلينا ان نتعمق لنرى ما هي الأسباب التي جعلت الفلسفة تعاني مثل هذا التأخر والضمور، في رأيي ان أولى هذه الأسباب واهمها هي قصر عمر التجمعات المدنية، فالعرب بحكم ظروفهم الاقتصادية عاشوا لفترة طويلة في البادية متنقلين دون ان يكون لهم مطمح في الاستقرار الوطيد، ولذا فأن أفكارهم جاءت صورة معكوسة وعاكسة ومعبرة عن حقيقة طبيعتهم في حلهم وترحالهم، ان مجتمعا قبليا لا يمكن باي حال ان تستنبط منه قاعدة تجارية هامة، وان أفكار (آدم سميث) مثلا لا يمكن ان تتولد ولو بشكل اخر في مجتمع قبلي، لان تلك الأفكار ليست ابتداعا، او ملهمة، انما هي مهما بلغت من حدود الابداع تأتي كلازمة ملازمة لنشوء اجتماعي حاصل. ان العرب عندما غلب عليهم طابع البداوة كانت أفكارهم كحياتهم خفيفة سريعة حكمية عابرة، وبظهور التجمعات ونواتات الاستقرار انبثقت بعض الأفكار التي لا تتعدى حدود كينونتها المادية، وهي مقتصرة على عرض المظالم والعظة والتوجيه والقضايا العشائرية السائدة عندهم، ولكن بظهور المدن كتجمعات حول الأسواق على اعتبار ان من سمات المدينة هي انها سوق قبل كل شيء، ظهرت بعض الأفكار الجديدة التي خلقت بدايات واوليات للفلسفة ليس الا.

 وبمرور الزمن ظهر فلاسفة اخذوا يناقشون أمور الكون ومسائل الحياة والموت والعقاب والثواب، ولكن سيطرة الدين الإسلامي على العقول وعلى اعتباره بأنه المعبر السامي عن متطلبات الناس وامانيها كل ذلك جعل من اية فلسفة تبدو ضئيلة متقلصة امام الدين العظيم الواسع الانتشار، وما الفرق الدينية التي ظهرت وتخاصمت فيما بينها الا رواضع تمتص غذاءها من الدين وما ان تطور العالم العربي في ميدان الحضارة والرقي الصناعي حتى انتعشت الأوساط الفكرية، وتفتحت اذهانها وحواسها للدرس والاطلاع والبحث المجد عن فنون المعرفة وكنوزها.

وكانت اوربا قد سبقتنا في هذه الخطوات وذلك لتوسع مكانتها التجارية ولحدوث الثورة الصناعية مبتدئة من الإنتاج الحِرَفي الفردي الى الورش الصناعية حتى تأسست صناعات ضخمة لعبت فيها الآلة دورها البارز، ولذا فأن الفلسفات الاوربية مهما كانت قريبة التعبير عن قضايانا فأننا لا يمكن بأي حال ان نأخذها جاهزة ومصدرة كوصفات طبية لا مجال للشك فيها، ان هذا في الحقيقة اماتة لحيوية الفلسفة ، وجعلها مجرد قناع لتلبيسه على الوجوه بالتالي يجد تصادما كبيرا مع تقدم الوضع ورويدا رويدا تبدأ تلك الشهادات الفلسفية بالعزلة والانزواء حيث تضعف اهميتها.

فجاءت عمليات التفكير لدى الناشئة مقلدة اكثر من كونها مبدعة مجددة، ان الترجمة وما تقدمه من عرض لكثير من الأفكار الفلسفية الغربية قد دفعت الشباب الى ان يشربوا بلا ارتواء من الفلسفات الغربية وتطبيقها بصورة جامدة او نصية وكأن الذين وضعوها من مفكرين هم انفسهم نحن، دون اخــــــذ اعتبار لطبيعة نفوسنا التي تختلف بطبقـــــــاتها الواعية واللاواعية الشعورية واللاشعـــورية عن طبيعة نفوس أولئك، علاوة على اختلاف الظروف البيئية من وجهة النظر الاقتصادية والاجتماعية وما يترتب عليها من اختلافات أخرى.

(بقية الكتاب على الموقع الالكتروني للجريدة)

فالقلق مثلا هو موضوع اكثر من نفسي، انه خط عام لكل الشباب في القرن العشرين، قلق وجودي حضاري يمثل المواجهة الصادقة بالتعرية الحقيقية امام الوجود، هذا القلق يعيش بين جوانح كل شاب، الشاب الباحث عن زاده وقوت عائلته، والشاب الباحث عن المعرفة والشاب الباحث عن المتعة، والشاب الذي ترهقه الإمكانات، فماذا عملنا ازاءه؟ الكتب جاهزة وموجودة ودعوات فلسفية تبين ان الانسان غريب عن مجتمعه وحتى عن ذاته، وأخرى تبين ان الحياة لا امل من ورائها فهي خدعة ذهبية، وأخرى تخلق لنا عالما مظلما كبيرا من اليأس والتشاؤم وهي تفسر وتحلل وتقدم لنا صورا عدة عن تعاستنا، فأذا نحن نجد فيها تطابقا تاما مع ما نعيشه، نتكلم عن الألم ونحن متألمون نتكلم عن الضياع ونحن ضائعون فكأنها كتبت لنا خصيصا، والنتيجة هذا الفراغ الفكري تملأه أفكار لا تثير الحماس من اجل المعرفة والابداع والموهبة، وكالأناء الذي تبحث فوهته عن وعاء يطابقها ويناسبها، وجاء هذا الوعاء فمسكت به دون روية او تفكير، وهكذا نحن التصقنا بتلك الأفكار الواردة والتصقت بنا دون أي تأن او تفسير، فتلك الأفكار جاءت في مجتمع حقق الضروريات لابنائه وبقوا يناقشون ما هو بعيد عن امورهم المعاشية، ولا ادري كيف لا يكون الخلاف واضحا بين اوربي يعيش في بيت جيد منظم له مرتب منظم ومطمئن الى حوائجه وحوائج بيته كلها ملك اليد، وبين شاب عربي لايزال فقيرا او جائعا او متشردا او يخضع لعبودية تزهق حريته؟ اما كان الأولى بنا ان نحقق ما حققوه من مجتمع اقتنائي مرفه وان تكون فلسفاتنا عاملة في المعركة ، معركة بناء الكيان العربي على الأسس العلمية المتطورة، وبعد ذلك لنا ان نقول ما نشاء ونفكر كما نريد؟ وكما جعلوا من قلقهم حافزا للنجاح وللدفعات التاريخية الناهضة، اما علينا ان نعمل على استئصال اسباب القلق، ونخلق الأجواء التي لا تغذي السآمة والضجر والعتعتة النفسية القاتلة؟ هذا هو الجدير بنا، ان نكون انشائيين عاملين وهادفين نسعى لتخليص انفسنا من كل روابط التأخير وعوامل الانهيار وبعد ذلك فلدينا الوقت كل الوقت لان نفكر كما نهوى دون شروط، اما الان فالشروط واجبة والالتزام واجب وفلسفتنا ينبغي ان تملك من القوة الروحية ما تساعدنا في تهديم العتيق والتخلص من الأنقاض لتشييد كيان جيد حر لا عبودية فيه ولا استغلال ولا جريمة، هذا هو المهم، في مرحلة البناء والترميم والتصميم علينا أولا خلق فلسفات من واقعنا بحيث تكون معبرة ومؤمنة ودافعة بحيث تملأ كل الفراغ الفكري الذي نعانيه وبحيث تمتد يد المعرفة والثقافة الى كل الافراد وتعشش في كل الاوساط، ومن ثم تبدو أهمية التدريس الجامعي الفلسفي، اذ ان تخصيص قسم كبير من هذه الدراسات للفلسفة انما يغذي الرغبات ويفتح الاذهان ويثير شوقا ملحا للقضايا الفلسفية، وفي الحقيقة ان التدريس الجامعي يعاني نواقص كثيرة حيث ان الدراسة الفلسفية تتم بالصور الكلاسيكية السكولاستيكية بعيدة عن التعايش والتلازم المتفاعل مع الواقع وخالية من النسغ الحي، فالفلسفة ليست مجرد حفظ عدد الفلسفات وماهية كل فلسفة وحياة كل فيلسوف بل ان الفلسفة هي سعي متواصل يستهدف خلق عقل يتجه اتجاها فكريا معللا ومنقبا عن كل حقيقة، ولذا فأن المواضيع الفلسفية المدروسة ينبغي ان لا تكون قديمة وبأسلوب جامد حيث يهتم بالسجع الكلامي اكثر مما يهتم بمادة الفلسفة، ان اللغة على اعتبار انها المعبر الرئيسي للافكار ينبغي ان تكون حية تتلمس العقل والعواطف وتنقل موضوعها بأمانة وتشويق، ومن ثم فأن طريقة التدريس البيروقراطية التي تجعل الدارس يشعر بكونه يعيش في واد عميق وصوت المدرس يصله كصدى من قمة جبلية هي طريقة فاشلة مملة تخلق الضجر والارتياب، ان المرونة والتدريس السلس العذب كل ذلك يخلق فصولا فلسفية رائعة تستأهل الترحيب والتقدير والاعجاب، ان تاريخ الفلسفة تاريخ طويل له جذور عميقة الغور وله تشعبات كثيرة وفروع متعددة لذا فطول النفس والمواصلة التدريسية هي الوحيدة لضمان ديمومة الاتجاه الفلسفي.

انني شخصيا قد لا اعلق كل الامال على التدريس الجامعي للفلسفة بل اعتبر ان طريق الفلسفة مفتوح للجميع، فشاب مثلا لديه رغبة فلسفية لا تحد يستطيع ان ينمي تلك الرغبة بالمطالعة والتنشئة التربوية الفلسفية، انه يبحث عن كل ما يستطيع بواسطته ان يضيف الى معلوماته معلومات جديدة أخرى والاهتمام اللا مدرسي بالفلسفة يكون رائعا جدا اذا كانت ترافقه خبرات شعورية وتجارب.

ان التجارب والخبرات المتولدة من خوض معترك الحياة ومن التذليل المستمر لمصاعب الأمور تعد زخما قويا يعطي للفلسفة قوة دافعة ثمينة. هذا وعندما قلنا باننا لا يجوز ان نأخذ الفلسفات الاوربية كما هي دون تمحيص او تطوير فليس معنى ذلك اننا نغلق ابوابنا امام التيارات الفلسفية الوافدة، ان هذا كفر لا يعدله كفر وجريمة بحق العلم والمعرفة ، ان العلم والفلسفة والمعرفة لا تعرف الفواصل والحدود ولكنها في نفس الوقت تترتب ضمن درجات متفاوتة توازي المراحل التطورية لكل بلد، ان اغراقنا بالفلسفات الغربية يعد اخلالا بحرمة الفكر وجلاله والمفروض ان نستفيد من تلك الفلسفات لكي نخلق بتزاوجها مع واقعنا وظروفنا وحسنا ومدركاتنا فلسفة واضحة المعالم تعطي لقضايانا بكل ابعادها اجوبة مقنعة فعالة.

ان (الورائية) ليست رجوعية فحسب وانما هي في بعض الاحيان اقتفاء مغمض لا مدروس لخطوات شخص يختلف عنا كل الاختلاف ولا اقصد في قولي هذا تعميق الفروق بين الانسان واخيه الانسان وانا اؤكد حقيقة لا مفر من توكيدها وهي كون الانسان الذي يعيش في مجتمع القنانة لا يمكن ان يفكر بافكار الانسان الذي يحلم ببسط نفوذه على كل المعمورة والارجاء. إنا نأخذ من كل مفكر او فيلسوف الجوانب المشرقة اللامعة من فلسفته وان المريض يختلف اختلافا بينا في سلوكه عن صحيح الجسم فبينما يهتم الاخير بلباسه ونزهاته نجد الاول يهتم اول ما يهتم بدائه ودوائه، وهكذا نهتم بدائنا لكي نعالج انفسنا ونلحق بالركب الحضاري المتطور ونخلق لنا كيانا خاصا له سماته الفكرية ومعالمه البارزة لقد ذهب ذلك الوقت الذي كانت فيه الفلسفة حكرا لنوابغ معينين او مقتصرة على مدارس معينة انما يجب ان تعيش الفلسفة في السوق تتغذى منها وتترعرع بين الانسان وبين الاوساط وفي كل الاحياء حتى نجعل منها سلما لضمائرنا ووجداناتنا ومعارفنا.

ان اهتمام الهيئات العلمية والفلسفية باصدار مطبوعات فلسفية جيدة باسلوب مرن جذاب والعمل على توسيع حلقات انتشار هذه المطبوعات هو الخطوة الاولى في تيسير الفلسفة وتبسيطها وجعلها من عالمنا الارضي وليست بمرئية من العلو والتسامي بحيث لا يستطيع العاديون ان يغامروا بتشكيل ابسط انواع الصلات والعلاقة معها.

قلنا ان المفروض اولا هو توكيد شخصيتنا العربية فكريا وجعل هذا التوكيد متسما بطابع الارادة والايمان الخلاق، وثانيا الاستفادة من الهرم الفكري الاوربي وملحقاته الفلسفية على ان لا تكون تلك الاستفادة مبالغا بها حيث نجعلها تطغى طغيانا تاما على افكارنا، وثالثا من التفاعل الحي بين ظروفنا وواقعنا وشخصيتنا وبين ما درسناه من افكار جيدة نستطيع ان نخلق الذات العليا لنا.

ان طريق المعرفة طويل ولا نهاية له، ولو اراد الانسان العربي ان يقطع هذا الطريق بأناة ومثابرة وايمان فعليه ان يقول ان ماليس علميا ولا اجتماعيا ليس عربيا ان هذا الشعار هو شعار كل فرد واع يريد ان يجعل للحقبة التاريخية معناها وشموخها، فلا نكون تقليديين مخرفين نخنق انفسنا بالفلسفات العربية القديمة بحيث نغلق اذاننا ونصمها عن كل ما هو غير عربي ولا نكون انسيابيين ضائعين في اللجج الفلسفية غير العربية، ان الطريق الفلسفي الوحيد الذي نختاره هو الطريق الذي يوجد بين هذين الاتجاهين ليقودنا نحو اهدافنا العظمى.

                                              هل للحيوانات فلسفة:

ان خيبة امل لا اود ان يملكني تأثيرها هي التي دفعتني الى هذا التساؤل الذاتي المغلق او خيبة الامل هذه في الحق مشروعة لا أُلام عليها. ان اشياء عديدة خلقت ذلك الخوف الذي يضطرب في احشائي، فالانسان الى الان وبعد ان سار اشواطا عديدة في سير المعرفة فهو لازال يؤمن بالقتل كوسيلة من وسائل تثبيت انتصاره على اخيه الانسان. ان قضية معلقة بين انسان وانسان تسير بالمجرى الصعب ولا تجعل وسيلة عنيفة وهمجية الا وسلكها الانسان حفظا لمآرب معينة، ففي الوقت الذي اصبحت فيه العدالة شعارا تتبناه اغلب الثورات وفي الوقت الذي انتشر فيه هذا المفهوم وسنت قوانين وعقوبات وانظمة لحماية العدالة ولاقرار الوجود الانساني في وضعه العادل فاني لازلت ارى غمط الحقوق يتم علنا وباساليب متباينة فالمجرمون العتاة دوليا يجدون لامن يلوذون بسده فحسب، بل من يجعلهم في المنزلة الاولى والمكانة العليا، وفي الوقت الذي نرتاح فيه لانفسنا قائلين بان من طلائع الخير ان كل التوجيهات والتوصيات تدعو الى نبذ السرقة واللصوصية، وفي الوقت الذي تتمسك فيه الهيئات الحاكمة في كل مكان بضرورة التخلص من السرقة نرى اللصوص منتشرين في كل مكان، والسرقات متعددة لا تتوقف. فعلام يدل هذا؟ ايدل على حقيقة مغايرة لما اصطلحنا عليه ويؤكد عدم صلاحية الانسان ام ان له مدلولا اخر؟ وهذه المجازر الوحشية التي تلتقم الحيوات البريئة، وذلك التمايز العنصري والطبقي والعرقي، الى اين يقود كل هذا انساننا اليوم وهل ضاعت وسائل الرشد والصلاح وبقي الانسان سادرا في غيه لايملك لانقاذ نفسه وسيلة او سبيلا؟ اليس من المعيب الفاضح ان يكون الانسان المتمكن من غزو الفضاء وتحطيم كل العقبات عاجزا عن اصلاح ذاته؟ انها خيبة امل وتلك الخيبة هي التي  جعلتني اعطف على هذه القطة ففي الوقت الذي كنت استهين بعزلة (ثورد) وباصوات البعض ودعواتهم بان الحيوان اخ للانسان في مملكة واحدة حيث الواحد يفهم الاخر،بدات الان اوجه الكثير من اهتمامي لدراسة سلوك وطبائع الحيوان الاليف لانه قريب الي اراقبه عن كثب واتابع تصرفاته وحركاته واشاراته وقطتي يا لها من قطة لعوب، انها اعتادت على ان تتناول وجبات طعامها معنا حسب الوقت الذي اعتدنا عليه، وقد رأيتها مرة في فترة الغداء كان الوقت قد مر وغداؤنا بعد لم يكتمل، جاءت القطة وبحثت دون طائل فنظرت مستغربة مستفهمة ولم نجبها فبعثت مواء غريبا ورايت في هذا المواء ادراكا واسعا يحوي تساؤلا مدهشا ورايتها مرة اخرى تعتني بزينتها وتلحس شعرها بلسانها لتجعل من مظهرها جميلا براقا لتتهيأ لمقابلة القط في فترة المساء ورايتها مرة كيف جاءت الي راكضة مرحبة بعد ان عدت من سفرة بعيدة ورايت الكثير والكثير من اشباه هذه التصرفات وكان ذلك دافعا جعلني اسال نفسي واطيل التفكير هل ان للقطة عقلا؟ ام ان هذه محض غريزة؟ ولم لا يكون العقل هو الغريزة او الغريزة هي العقل؟

 وكانت تلك البداية التي خلقت في نشوة استكناه افكار الحيوان ولاسيما الطيور ولقد راقبت الحمام والدجاج كثيرا، راقبتها وهي تاكل وتتجمع وتتعارك وتنتبه باستغراب لسماعها مقطوعة موسيقية واراقبها عندما تحس بخطر يلحق بها او عندما تمتد يد لتخطف طيرا منها، فهل ان للحيوانات فلسفة؟

 انها تلاحظ وتتامل وتجرب وتفكر وتعمل وهي تقلق وتشك وتحاذر وتتفهم والذي اريد ان اوضحه هو ان كل ذلك يبدر منها لا كما بمفهومنا بل بمفهومها، ان للحيوانات مفاهيمها، فالنمل هذا الصغير جدا والذي تشير كل الظروف الى ان قسوة الطبيعة والانسان من الممكن ان لا تجعل هذا الحيوان محافظا على حياته، ان نظرة بسيطة وتفكيرا بسيطا يوضح لنا ان النمل كان من اللازم ان ينقرض لانه يفتقر الى كل معاني البقاء، ولكنه لا يزال باقيا دون ان ينقرض فما معنى ذلك وعلام يدل؟ انه النظام الاجتماعي النملي المرتب، وتوزيع الاعمال واستغلال الطاقات والكفاءات موحدة منسقة لخدمة ذلك المجتمع الحيوي العجيب والغريب والذي يشبه الى حد بعيد الجماعات الانسانية في تقسيماتها وعملها ودأبها.

وطيور الخطاف والطيور الاخرى في عودتها السنوية الى اوكارها واعشاشها في موعد معين يعتمد على دفء الجو والنحل في صنعها العسل، والعناكب في هندستها وتصميمها شباكها ، والكلب في حراسته ووفائه ومعرفته العدو من الصديق، واشياء اخرى عديدة لا حصر لها تبين ان للحيوانات تفكيرا قد لا نفهمه بالضبط ما دمنا لم نقض وطرا من اعمارنا في التعمق بدراسة حياة هذه الحيوانات، كل ذلك يدفعني الى ان اتساءل لماذا لا تكون عند كل حيوان مشاعر وجدانية وفلسفة بدائية؟ الا يصح ان نستغل الحيوانات نفسها بالبحث في معرفة هذا الانسان المتعالي عليها وطباعه وخصاله وعاداته؟ الا يصح ان تكون لديها مقاييس معينة توصلت اليها بتفكيرها الحيواني؟ فاذا كانت للحيوانات مفاهيم فلسفية تتناسب مع طبيعتها افلا يثير هذا فينا سخطا شديدا على حيوانية بعض الفلسفات التي تتغذى من عالمنا الانساني؟ انه لمخز حقا وشنار لا يعد له شنار اننا لازلنا بهذه البدائية حيث ينعدم الضابط الانساني فيقتل احدنا الاخر وتدمر الجماعات بعضها بعضا متخذة في ذلك حججا وتبريرات هي في الحقيقة قناع تتستر به الروح البهيمية التي لازالت موروثة ومتأصلة فينا من الاصل الحيواني القديم.

 ان الحيوانات لا شك انها تحلم مثلما نحلم بمجتمعات تكفل لها الارتياح الذي ترغبه وتوسع التدجين يجد في الفة هذه الحيوانات اوضح صورة تعبر عن رغبة تلك الحيوانات وميلها للاجتماع والتقدم وهذا ما لا يختلف فيه اثنان، بينما نحن ويا للسخرية نحتاج الى من يدجننا والذي يدجن الحيوان اما كان الاجدر به ان يدجن نفسه ويروضها على السلوك الانساني الشريف! ان ذلك اضعه امام الابصار وما تساؤلي السابق (هل ان للحيوانات فلسفة) الا تحذير خطر الذواء في انسانيتنا.

                                    موضوعات فلسفية في يوميات عادية:

اليوم رأيت بام عيني موت رجل وكم فظيعا ان ارى ذلك وكم هي فظيعة تلك المشاعر التي انتابتني، لا لم اتقزز ولو انني اكره كل ميت، لا اود ان انظر في وجهه يكفيني ما نلته من الالام من الاحياء فما بالك بالموتى؟ ان هذا الرجل غني جدا لديه املاك واسعة واطيان واراضي، ولكن الشائع المعروف عنه انه بخيل جدا اذا قبضت كفه على درهم فان اية قوة تعجز عن اخراج ذلك الدرهم، بخل عجيب جدا، فهو لم يلبس الا تلك السترة العتيقة التي اجهل حياكتها اهي من الصوف او القطن او المطاط؟ لا ادري. وملابسه لم تتغير ابدا فزيه ملازم له ملازمة العمامة للرجل المؤمن واولاده حقا يعيشون في جو مفجع فهم دائما ينظرون بتحسر وحسد الى الاطفال الاخرين فابوهم لم يعودهم على شيء ولم يمنحهم قطعة نقد ولو صغيرة يوما انه لم ينظر اليهم اطلاقا، قضى حياته يكدس النقود واستمر يكدس ويكدس ولديه ان الداخلات احسن الوسائل للاثراء الفاحش، والضمائر والمكرمات والطيبة والعطف كلها لديه اضحوكة، ووجهه متكلس لا تتحرك فيه نأمة ولا تختلج فيه عضلة اللهم الا اذا سقط منه درهم وهذا لا يحدث الا نادرا جدا كندرة المطر في ايام القيظ، واليوم ومع الفجر مات هذا الرجل، ولم يخرج لحضور غسل جثته الا انفار قليلون وانا مع كرهي البالغ للجثث والموتى، ولا اخفي ذلك فأنني اتصرف بدافع يستولي علي ويدفعني الى ضرورة رؤية وجه هذا الرجل الميت، وفعلا رأيته ولم ادر كيف اصفه ولكن المهم ان شيئا واضحا وجليا يبدو على وجهه الا وهو حسرته على نقوده واهتمامه البالغ بمصيرها من بعده، ان هذا التعبير رايته وليس معنى ذلك انني اردت ان اخلع على وجهه هذا الشكل التعبيري، انما كان موجودا فعلا وابتعدت عن الجنازة وشيئا يضغط على اعماقي، كم هو ضئيل هذا الرجل! ضئيل في مشاعره وفي اخلاقه وفي حياته وفي مماته هذا الموت لو جعلناه حكما في اعمالنا وقاضيا علينا بشرط ان لا نخاف منه أما كانت كل مشاكل الانسان تزول دون ان يبقى ثمة عامل منغص؟ وابتعدت وفي زاوية من شارع جانبي رأيت احد اولاد هذا البخيل المتوفى، ملابسه ممزقة ووجهه شاحب وهو يبكي ونظرت اليه وواصلت السير.

يا للحلم العجيب انا في طائرة وهذه الطائرة تتقلب في الاعالي العواصف موارة صاخبة والزئير بضجيجه المرتفع والجو مدلهم ومع ذلك انا ابتسم بمرح صبياني وعبث ومعي شلة من الاصدقاء وهبطنا بعد حين من الطائرة ونزلنا في مدينة جبلية  جميلة رائعة بمبانيها واشجارها وطرقاتها وسرنا فيها وراينا كل شيء فاتنا ساحرا جذابا مشرقا وتكلمت مع  هذا الشيخ بائع الفواكه ومع تلك المراة بائعة الاواني وقبلت طفلا وداعبت طفلة ذات شعر ذهبي متموج وكان السرور والحبور يملا قلبي والبهجة تنقلني الى افاق لازوردية بديعة وانقطع فجأة هذا الحلم فقد ايقظني اخي واستيقظت دون ان اغادر سريري فانا منوم تحت تأثير الحلم الساحر استعيد حلقاته وسفرتي وتجوالي وابتساماتي اذن كلها وهم ضائع، وانا ليس امامي الا ذلك السرير الخشبي الاعرج وذلك القدر القديم وحذائي ابن سبع سنوات، واغلقت عيني وفتحتهما مجددا بنصف اغلاقة ودار في رأسي تشاؤم غريب وقلق وانهيار، وتساؤل محير مربك لما لا نكون غير موجودين؟ البارحة عشت مع اشخاص وتكلمت معهم وضحكت معهم وتنقلت معهم، ومع ذلك فهم ليسوا موجودين ونحن من يقول اننا موجودون؟ الا يجوز ان نكون اشخاصا في حلم كائن ما؟ الا يجوز ان تكون تصرفاتنا واعمالنا وكل مظاهر وجودنا مواد في حلم مخلوق لا نعرفه ولا نعلمه؟ الاشخاص الذين رأيتهم البارحة بلحم ودم لا وجود لهم بل هم مواد في حلمي، فلم لا نكون انا وسواي مواد في حلم حي اخر؟ وفتحت عيني من جديد ولم انظر لجدران الغرفة ولا الى السرير ولا الى اخي الصغير الكل لا وجود لهم، الكل سراب والكل وهم الكل خداع الكل صور مجرد صور باهتة لا لون لها، وحياتي هكذا بائسة مؤلمة سوداء لا شيء يعطيها المعنى ولا شيء يمنحها الاخصاب والامتلاء، ومع قسوة مشاعري بفقدان ابسط معاني السعادة نهضت من سريري بتكاسل واعياء واغتسلت دون ان اشعر وتناولت فطوري ببلادة وغباء وعيناي تحدقان الى شيء مجهول مجهول جدا يناديني من اعماق مجهولة لا قرار لها احقا اننا حلم ووهم؟!

حادثة اخرى : هذا الشخص متجبر تشيع الكبرياء والغطرسة من كل جوانبه وانه يسخر من الاخرين ويستهزئ بهم وحتى يأنف من السلام عليهم او مكالمتهم ولقد وجدت الجمع يشتكون منه ويبغضونه بغضا لا يوصف انهم يقولون انه مجرم لا روح لديه ولا ضمير فهو لم يساعد احدا ولم يعطف على احد ولم يتعاون مع احد ولم يعرف اسم المعروف ولا الخير ولا كل مظاهر الطيبة الانسانية ومن كثرة كلام الناس حوله وضده كونت رأيا بان هذا الشخص لومشى في السوق لقطعته ايدي الناس ومزقته شر تمزيق بلا شفقه  لان الكره بلغ اخر الدرجات وهو لم يكتف بكبريائه المملؤة باحتقار الاخرين وكان شريرا مفسدا يسخر بعاداتهم وبتقاليدهم وبامورهم المعاشية وبعالمهم ولا يقيم لهم وزنا ولا اعتبارا وقلت في سري ساعد الله الناس في احتمال هذا الرجل وهم يكنون له هذا الحقد الدفين.

لكن العجب العجاب هو ما رايته اليوم لقد مر هذا الشخص امام المقهى ولم يسلم على الجالسين لكنما الجميع نهضوا له محيين متملقين وكانت دهشة لا توازيها دهشة ولكنما لا باس ربما هذا التباس لا غير ومرة اخرى مر على مكان اخر والجميع يتبارون في السلام عليه احقا هكذا يئدُ المجتمع المفاهيم ؟ وهل اذن يصح لقب رعاع على اولئك الناس؟ وهل ان القوة والعنف والاحتقار والشدة هي التي تنفع في توجيه الناس وسياستهم؟ لقد خالطني شك كبير في نجاح الافكار الانسانية والمفاهيم والمثل في مجتمع كهذا ولقد اعطيت مبررات لأولئك الطغاة الذين اذلوا الانسانية انني احتقرهم لكنما وجدت لهم معاذير في العقول المتاخرة التي تحترم البطش وتقدر القوة اكثر مما تقدر الفضيلة، وتخاف الشرس وتعذب المتسامح، كل تلك العقول اعطت وتعطي صورة سوداء مشوهة عن المجتمع وفي نفس الوقت رأيت اديبا شاعرا قصاصا يمر في السوق دون ان ينتبه له احد ودون ان يعيره شخص اي التفات، وكانت حيرة بالغة وتساؤلا مرا عن الفلسفة التي تسير المجتمع وتحكمه وتحل مشاكله وتفسر اسس بنائه فمتى تكون المجتمعات متمسكة بمثلها؟ متى متى؟ والى متى تظل الانسانية التي تقدمت في كل العلوم والفنون والاداب الى متى تظل تزدري النابغين البسطاء وتحترم المتجبرين الاغبياء؟ انه سؤال سيظل منتظرا الجواب.

يوم اخر: اليوم قرأت كثيرا حتى انتفخت عيناي واصابها احتقان واحمرار بالغ، قرأت قصة ممتعة ومقالا فلسفيا واشياء من هنا ومن هناك ، ان سروري وراحتي كل راحتي في القراءة، ان تلك الرغبات الحارة هي حقا صدى في حياتنا، انني احتقر اولئك الذين لا يتعلمون، لا يشغلون انفسهم بدرس ومذاكرة او بتفكير والاغبياء هم اكثر الناس بعدا عني وانا اكثرهم بعدا عنهم، ان الذكي افضل من الغبي في كل شيء ويفوقه في كل شيء هذا مالم اناقشه اطلاقا فهو بديهية لا تحتاج الى اثبات او برهنة، وفجأة ظهر لي ان البديهيات تحتاج الى برهنة جديدة فما كان بديهيا لدى الغير قد لا يكون بديهيا لدي، وشغلت البديهيات كل حواسي لابد اذن ان اضعها في ميزان جديد ولابد من معايير جديدة ونسب جديدة واحكام جديدة.

 الاذكياء افضل من الاغبياء! اصدق هذا؟ ام انه ترديد كلام… والقيت نظرة على الكتب التي استلقت قربي، ولم كل هذا؟ لم هذه القراءة وهذا التعب وذلك الارهاق الفكري؟ الا يأتي اليوم الذي يأكل فيه الدود جثتي ويعبث في محاجري، الا يأتي اليوم الذي اتحول فيه الى لا شيء ويالها من كلمة باردة مميتة لاشيء هكذا اذن وبكل بساطة ؟؟؟ والتعب والجهد والعزائم والارادة.. ومع ذلك فالموت هو غاية الغايات! ياللاسف اذن لست افضل من الاغبياء ولا من البلهاء ولا من الحمقى، فهم مثلي توحدنا الخاتمة، هم مسرورون من غبائهم وبلاهتهم وانا مسرور من دراستي ولكنني احسدهم فأنا قد افتقدت الكثير وفقدت الكثير، ان الانسانية لا تمنح جيمس واط ولا ستيفنسون ولا اديسون ولا فولتير ولا غاندي عمرا اخر، انهم قدموا لها حياتهم وعقولهم ووجودهم لكنها لم تقدم لهم سوى الاكاذيب، وهل من اكذوبة كأكذوبة الخلود؟ فالازمات اذن انهت قضية الخلود والتخليد والاف التماثيل والمطبوعات حوله لا تهز عظما واحدا من رفاته، ان الخلود اكذوبة ابتكرها الاحياء لا تقديرا للموتى وانما اشباعا لغريزة الكذب المتأصل في اعماقنا وتدافعت افكاري سوداء مشحونة بالتشاؤم المزعج، ولم استطع القراءة فقد كلت عيناي وضجرت ولم اجد اي قابلية لدي ولا رغبة فقد انعدم كل شيء اللهم الا هذا الضجر الفظيع والقلق السوداوي الهائج.

اليوم سمعت قصصا مختلفة عن الاشباح كنا جالسين في المقهى حيث تجمع عدد من الرجال من مختلف القرى ومن اهل المدينة، كانوا يتداولون احاديث متبادلة عن الجن والسحر والشعوذة والاشباح، وحقا كانت القصص مشوقة لان المشوق لدي هو الذي يحوي اكثر ما يمكن من عناصر الاخافة والاثارة، وما انفكوا الواحد تلو الاخر كل يروي قصصه وما حدث له او ما حدث لغيره بحماس وثقة وايديهم جميعا تشير وتتحرك تأييدا لاقوالهم وتشبيها لما رأوه او سمعوه. لقد قرأت كثيرا عن الاشباح ومرة قرأت عن شخص كان يمشي في الطريق فرأى ابن صديقه واقفا في رأس الشارع فتعجب جدا لانه كان يعلم بان ابن صديقه مريض جدا وفي اخر حالة قبل الموت فكيف تمكن هذا من المشي، وكيف تركوه لوحده؟ وكانت دهشة كبيرة جدا فاقترب من مكان الولد ليكلمه ولكنه ما ان وصل حتى اختفى الولد، فازدادت دهشته وحيرته ولم يجد مفرا من الذهاب الى بيت صديقه للاستفسار ولما وصل فوجئ بالعويل يملأ الدار، واخبروه ان ابنهم قد مات تماما في الوقت الذي تصور فيه انه رأه هناك.

وقرأت قصصا اخرى كثيرة عن الاشباح والعفاريت والبيوت المظلمة والاشجار الرهيبة الباسقة والعجائز المخيفة لكني لم اصدق حكاية واحدة لان عقلي كان يابى الايمان باشياء كهذه.

فهل حقا ان للاشباح وجودا؟ واين مقرها؟ وكيف تنبعث؟ وما هي؟ ان الاجابة عن ذلك كله قد يبدل سلوك العلم والفلسفة ومصيرهما.

اليوم الجمعة: لدي زملاء، ولو اني شخصيا اميل الى الانطواء والعزلة، وانا اعرف تماما قدراتهم وطباعهم وامكاناتهم بعضهم المخلص الذي يحترق لرسم الطريق لطلابه وبعضهم المهمل الذي لا يشعر بمسؤولية ولا يفهم للاخلاص معنى ولا للثقافة قيمة. والذي رأيته دون مبالغة ان الاغبياء والذين لا يفكرون بالخير العام، قد نالوا التقدير وانتفخت اوداجهم وازدادت رواتبهم اما اؤلئك المخلصون فقد افلس البعض منهم من كل ترفيع او شكر. ان ذلك مؤلم حقا واشعر ازاءه بالتشاؤم ووخز الالم، ان المخلص هو الذي ينبغي مكافأته لتشخيصه وفسح المجال امامه لينشط اكثر ويسهم اكثر ويبدع ابداعا فنيا فيه الخير لنا ولاولادنا فلماذا اذن يساء التقدير؟ وهل ان المجتمعات منذ القدم حتى الان تبقى تعانيها.

اليوم فقط تأكد لي ان الخير والشر والحق والفضيلة والرذيلة هي مفاهيم نسبية لا تكتسب صفة الاطلاق، فبعد ان كنت اتصور ان الخير خير في كل وقت وكل مكان وبان الذين لا يتفقون على هذا الرأي فهم دجالون يظهرون غير ما يبطنون وهم في الحقيقة يعرفون الخير ويدركون اساسه ولكنهم يتخذون من المغالطة سلاحا لهم. ثبت لي اليوم ان الخير وملحقاته والشر وملحقاته ان هي الا مسميات تكتسب قيمتها ومعنويتها من طبيعة ظروف العصر والانسان. لقد كنت ارى (الاحسان) ضروري جدا وهو عمل خيري لا يجوز لفرد ان يقلل من اهميته لكنني اليوم فوجئت بحقيقة (اتق شر من احسنت اليه) فهذا الذي كنت لا ابخل عليه بالحسنات والمساعدة اخذ يبالغ في اساءته لكرامته فتأصلت فيه روح التسول وغريزة الاستجداء، لقد ظهر امامي ذليلا مقيتا يريق ماء وجهه في سبيل درهم او درهمين، ان الاحسان هو الذي قتله وشوه معالم نفسيته، انه الخير الذي اصبح شرا، لقد فكرت اليس من الاجدى والانفع لهذا ان يبقى ليواجه العوز والجوع والالم حتى يبحث عن قوته ويتمكن من الحياة وتحدي المصاعب والصعاب؟ ان هذا الحرمان والفقر المدقع يخلقان في نفس روحي التحدي وعدم الاستخذاء والاستسلام ولكن ما العمل؟ وها انه اصبح معتمدا على ما يمنحه الناس له من مساعدات نقدية، فماتت فيه روح الاباء والاعتداء بالكرامة وتحولت نفسيته الى صورة ممسوخة ومشوهة، عيناه تبحثان عن النقد ويداه وكذلك رجلاه وكل جسده انه صورة لزجة من الدناءة والانهيار والخسة.. وليس ذلك الذي اخافه، بل انني اخاف ما يكون عليه ولده من اكتسابه لطباع ابيه، انه معه في كل لحظات فقدان الكرامة والاجواء وذلك حتما سيكون اسوأ تلقيح بأسوأ خصال، ان ما بذلته من معروف وعمل خيري هو شر، لكم هو مؤلم ذلك الامر، وكثير من العادات والاعمال والاحكام التي كانت في يوم ما جيدة اصبحت رديئة، ولِمَ اذهب بعيدا؟ ولقد سمعت الكثير وقرأت عن كثيرين كانوا ملوكا وقادة فاصبحوا في نظر اخرين ولفترة معينة مجرمين وقطاع طرق، وهكذا العكس انه الانسان الذي يتلاعب بالاحكام والمقاييس، وما دام هو متغيرا ويتبدل من طور لطور فلا شك ان كل ما وضعه ويضعه ايضا كان ويكون عرضة للتبدل والتغير.

تلك قذيفة بوجه القدر،ويخطئ من يظنها نفسها هي القدر، شعلة غريبة تخرج من السماء بل انها انبعثت بلهيبها المتعطش من هذه الارض،ومن بقعة لسنا نفهم مكانها، ماردة هائجة مندفعة  مسعورة مخترقة الفضاء في صولات وجولات، تريد ان تحرق وجه السماء، تريد ان تحرق كل شيء وتدفع الغضب الى اعماق كل المجاهيل،انها الحرب العوان يشنها انسان لا كالناس، من عالم ولكن ليس عالمنا، وبلغة لكنها ليست لغتنا،هذه الصيحة المدوية وذلك الصفير البشري الحاد والساخط والمنتقم، اراد ان يبحث عن عدو ينكل به وينتقم لافكاره منه لكنه خاب فأله، لم يجد هذا الذي يريد ان يمزقه ، فمزق نفسه وكانت مزقا واشلاء، ليست طريقها التعفن والتلاشي، بل انها سراج في كل زقاق مظلم، ونور ساطع في كل زاوية ودرب، انه ابن الفجر الذي لا نريده ، فرض وجوده علينا ورمى رميته، وكانت طائشة ولكنها موفقة فتقدست وقدس راميها.

انه، نيتشه، الذي لو تجسمت الغرابة لما كانت الا بشكل ذي جبهة عالية متمرد وعينين عميقتين وشوارب كثيفة لمحارب اشوس، ان شكله العملاق، ذلك الوجه الذي تكفي لمحة واحدة منه لان تجعله وجها لا يبرح الذاكرة، البساطة والانعزال والوحدة كل تلك لا يقدر على تضييع معالم هذا الشموخ العجيب وذلك التحدي الرهيب للكون بصورة هذا الوجه المربد الغاضب المتعمق المنقب عن المستور المحلق ابدا مع النسور، من هذا العملاق الساحر الذي يجدف بكل القيم والمثل والمفاهيم ؟ من هذا الصوت الذي يرن صداه للابد الطويل؟ من هو هذا المحموم الذي تتقاذفه تلك الحميات الرهيبة التي تطلق سهاما اقلقت البشرية واثارت تساؤلا عميقا؟ انه نيتشه، فردريك فيلهلم، فرع ذوي من اسرة كبيرة ذات نسب عريق توارثت المجد والكبرياء، لذا سمت ابنها بهذا الاسم تيمنا بملك (بروسيا) ولد في مدينة (روكن) الالمانية وملامح الالم، بادية على وجهه، انه الم العباقرة الذين قدر لهم ان يغيروا التاريخ، وهل هناك من وحي للفلاسفة  كالالم؟ انه الينبوع الذي تتدفق من عينيه افكار عبقرية تقرر مصائر الكثيرين، انه الالم الذي لا يكتوي بناره الا اولئك المرهفو الاحساس ذوو المشاعر الحية النابضة التي تمتص كل ما في الكون من شاردة وواردة  وما اروعك ايها الالم، فعلى ساحتك ترقص كل الانطلاقات ومن جوفك تنبعث كل القابليات، وعلى شرفك تتقدس كل الانتصارات، انت الذي خلقت لنا الفلاسفة والعلماء والمفكرين، الذين جاءوا الى كون اراد ان يوقعوا له صكوك الولاء والطاعة العمياء، لكنهم ضجروا وتألموا فهذه اللحظة الاولى، لحظة الولادة ونطقوا وما اروع الالم ان نطق فكل الكلمات هي الروح الثائرة التي تنفخ الحياة في كل ميت، انها البصقة على كل الخسة والغدر والدناءات. وما اكثر شبه هذا الوليد بابيه! العينان اللتان تعيشان في شبه عمى والرأس الذي ينهشه الصداع القاتل ونوبات الصرع التي تزرع التشنجات في هذا الجسد كله.

انه يوم ميلاد، وما اكثر ايام الميلاد، وكلها تمر تافهة ومنسية ما دامت لم تشر للتاريخ بان يقف لها ويسجد اما يوم 15 اكتوبر سنة 1844 يوم ميلاد نيتشه فهو يوم لا كالايام حقا انه في يومه ولد الكثيرون ولكنهم لم يقدر لنجمهم ان يسطع هكذا كنجم نيتشه ، يوم عادي لكن التاريخ يذكره بخشوع. والصراخ وعويل الاطفال عندما يخرجون من ارحام امهاتهم ويفاجئهم  نور باهر يضيع في ارجاء هذا اللامتناهي المبسوط، اما صراخ هذا الطفل البولندي المنحدر من سلالة (ينتسكي) العريقة السامية ذات الماضي الجميل فأنه سيظل خالدا يرهبه التاريخ ولأنه يمزج الالم واللعنة والانتقام والاهابة العجيبة، وكان ذلك الصراخ في يوم الميلاد لم يقدر له الا ان يستمر ويضل يمنح صاحبه الما بعد الم ووحدة بعد وحدة وانهيار وتحدي للانهيار، فحلت السابعة من عمره  ومات ابوه اذ رأى الصبي بام عينيه اباه ويتألم ويكابد افظع الالام، ويموت وما اقسى تلك اللحظة على النفس الحساسة والمرهفة انها القسوة التي تشرب كل مشاعر السعادة لتقذف محلها مشاعر الالم الغزير والقلق والتخبط العشوائي الرهيب ومن هذه اللحظات ينبثق شيء ، ما هذا الشيء؟ فليكن ما يكن لكنه الانبثاق الحتمي الذي لابد منه انه تلك الحالات التي يكابد فيها المرء اعسر ما يعاني، وعندما يحس بنفسه وهو الذي اعتاد على الكبرياء والرفعة وتوارث المجد، عندما يحس بنفسه يفقد اسمى ما لديه، فعلينا ان ننتظر لان ما يتمخض سيكون بزوغا صاعدا ترتعش امام سطوته الحياة..

ان هذا القدر العاتي الجبار الذي اقام معركة ضد والده، والذي كلف اباه المتاعب والمصاعب والالام الرهيبة، تعسا له من قدر، واطلق نيتشه زئيره ضد القدر انه لا سطوة له بل ان الاقوياء وحدهم هم الذين يملكون بايديهم المقادير وهم الذين يرسمون حدود القدر هذا ما امن به نيتشه بعد لاي وجهاد وعبوس وتجهم وغضب مرير، فلا عجب اذن ان تكون فلسفة نيتشه توترا ذاتيا وتشنجا يعوي عواء يقطع نياط القلوب ان صرخاته القاسية المهددة التي تنذر المسيحية واتباعها تخفي في الحقيقة قلبا يتمزق، وروحا مشتتة وكبدا يتفتت ذلك نيتشه البائس الذي ينكر بؤسه والوحيد الذي يعشق عزلته والمريض الذي يسخر من مرضه فما عسى الارادة ان تفعل وهذا الجسد الملتهب العملاق يضمحل يضعف، القيء والاوجاع والصداع هي كل حصته في العالم الجاحد؟

كيف الخلاص اذن من هذه المشاعر الآخذة بخناقه، الناس يضجر منهم جميعا، ان لديهم ما ليس لديه ، هم يلعبون ويركضون ويمارسون التمارين الرياضية المنوعة اما هو فعاجز مريض متألم وبصره هذا الذي حرمه من تذوق اشياء كثيرة فالجمال تلك القوة السحرية التي ترطب وتهذب النفس وتصقل الطباع وتلون الامال للانسان، كل ذلك مفقود لا تحسسه فلا عجب ان تأتي فلسفته جافة خشنة متعالية ذات جرس حاد عال ساخط، فالقيم الجمالية لديه خدعة واكذوبة ولو انه تردد في اعتبارها صفة يتذوقها الضعفاء الذين ينبغي في رأيه ان يركلوا بلا هوادة.

وهذا الصداع المخيف الذي يعتصر كل قواه ويضغط على رأسه بلا رحمة، انه سيل متدفق من اوجاع لا نهاية لها. الحياة جحيم، وزملاؤه في المدرسة يسخرون منه، ومن شكله الغريب وشكل رأسه العتد بافكاره التي ستتبلور في الاخير، اذن ليس لديه سوى اخته (اليزابيث) يلعب معها ويشاركها كل شيء وهي الوحيدة التي ترعاه وتعطف عليه وتقابله بالحنان والمودة الصادقة.

 وان غابت اخته فلا يجد سلواه الا في اكوام الكتب المكدسة حيث يغطس بينها ليطالع ويدرس (اليونانية) و(اللاتينية) حيث تعلم ذلك في المدرسة التي بعثته اليها والدته وهي مدرسة (بفورتا) التجهيزية. كان يدرس باستمرار والحاح ولا يتوقف الا بعد ان يحس باوجاع تغزو رأسه وكل كيانه، ولا خلاص، بل يعاني آلامه لوحده بعيدا عن كل عطف وشفقة او رحمة، ولكنه لم يكن ينتظر هذه الكلمات، سحقا للشفقة فليس لها وجود الا في قاموس الجبناء، ان هؤلاء الضعفاء هم الذين يصورون العالم الاخر ملكا لهم، الخير ما الخير؟ الخير في ان يسود الاقوياء وفي تدمير الضعفاء والعاجزين والحق؟ ما الحق؟ لا وجود له ولا وجود للفضيلة والطيبة في رأي نيتشه الا في عقول المشوهين والمعتوهين والمعلولين والنهار كم هو بشع ومزعج، فعيناه لا تريان شيئا ولا تتحملان ضوء الشمس الباهر، ان الليل هو صديقه الحميم حيث يخلو الى نفسه ويظل محدقا في عوالمه اللامرئية الخاصة مستلهما افكاره وماسكا بخيوطها ليحارب بها النهار، ولكن هل ينهي الليل الام النهار؟ وهذا الالم العميق يطارده من حين لحين فاين المفر؟ ربما يجد الخلاص في اطلاق رغباته الحسية المكبوتة انه شاب يريد ان يحلم ويتأمل ويمرح ويتمتع، كسواه انه ليس من الشواذ فلماذا يظل قابعا منزويا يدمر نفسه ويأكلها بنفسه بنهم وجشع، لابد ان يتمتع اذن هذا ما قرره عندما دخل جامعة (بون) واخذ يرتاد الحانات ويشرب الخمر ويصخب ويذهب الى المواخير وانهى فترة من العبث واللهو والمجون والاستهتار. ولكن هل نفعه ذلك؟ وجاءه الجواب لا وما اضخمها وارهبها من كلمة عليها رجحت كفة وانخفضت اخرى، لقد قدر لنيتشه ان يسبح في بحر من عذاب، انه لم يخلق للهو والصخب والضجيج، في نفع المبارزة التي تعلم فنونها؟ وما نفع كل تلك التصرفات الماجنة البوهيمية؟ وطلقها كلها وعاد يدرس ويدرس وانتقل الى جامعة (ليبزج) ودرس اللغات، والصداع يلاحقه ويطارده ويقسو عليه. انه عنيف طاغية مدمر وتذكر قصيدة (الله المجهول) التي نظمها وفيها يقول (مرة ثانية وقبل ان استمر في طريقي

واطلق نظرتي الى الامام

ارفع يدي العاريتين

اليك فأنت ملجأي وملاذي

وانت الذي كرست له في اعمق اعماق قلبي

مذابح يقدس عليها اسمك

لكي يدعوني صوتك

دائما اليك

وعلى هذه المذابح تتلألأ هذه الكلمة

الى الله المجهول

اني اريد ان اعرفك ايها المجهول

انت باق نفذت الى صميم روحي

ويامن تمر على حياتي مرور العاصفة

انت يامن لا يدركك شيء ومع هذا فانت قريب مني وذو نسب الي

اريد ان اعرفك وبنفسي ان اعبدك

 وضحك من نفسه، وانكر ان يعبد هذا الذي نفذ الى صميم روحه، لقد نفذ ومعه الالم والتعاسة والشقاء وليس من سلوى ولا سعادة، واذا بنيتشه يقف ضد الدين ويقف موقفاً عدائيا مبعثه التمزق الذاتي والقلق الفردي، أَوَ لم يقل (ان الدين لا يبشر بالحياة وانما يدعو بدلا من ذلك الى انكارها؟) ومن يخضع هذا الجسد العليل الى معارك حامية الوطيس في الاعماق دون ان يجد ذلك المسكين منها فكاكا، معارك بين الايمان والالحاد، ذلك التناقض ينهش جسد نيتشه ويأكله، (اجل اني لأعلم من انا ومن اين نشأت)

(انا كاللهيب النهم

احترق واكل نفسي

نور، اكل ما امسكه

ورماد كل ما اتركه

اجل اني لهيب حقا!)

ولكن اللهيب الذي لم يخلف رمادا بل خلف لهيبا اسطع، فعندما كان نيتشه حيا كان مجهولا لا يعرفه الا قليلون ، ولكن اسمه اليوم يرتبط بأفكار ونظم ومبادئ كثيرة، أنه المبشر بالبعث الازلي والقائل (فلتحل اللعنة على الذين لا يستطيعون احتمال فلسفتي اما الذين يقدرونها حق قدرها فقد كتب عليهم ان يصبحوا سادة العلم) انه تنبأ بالحروب، وجاءت الحرب العالمية الثانية مصداقا لافكاره (وحينئذ سوف تبعث الوحوش الضارية وينهض عصر عقد الظافرين والسادة من بين رماد البشر المحترق) انها نبوءة، وكانت حقيقة وصارت فعلا، ولكن الظافرين الذين نقصدهم هم الذين اضحوا رمادا واولئك اللذين لعنهم فهم الذين اصبحوا سادة، ترى هل تمتلك عين نيتشه الضعيفتان والكليلتان الدمع الكافي لتذرفانه فيما لو انه ظل حياَ وشهد خاتمة النازية؟.. ذلك ظن وعسى ان لا يكون اثماً بأي حال!

ان عقل نيتشه الحي لم يوقض اطلاقا عن الحلم، كان يبحث عن مرفأ يريح فيه اعصابه المجهدة، ولكن هل قدر له ان يرتاح ولو ليوم واحد؟ ان (السوبرمان) يدعوه ويستدعيه ويلح عليه ان يعمل (اناشدكم يا اخواني ان تظلوا للارض مخلصين) ولكن من هؤلاء المخلصون للارض؟ هل انهم الحفاة الجياع ام اولئك المرضى المصابون بالشلل والعرج وبكل العاهات؟.. طبعاً.. لا .. انهم الاقوياء الذين تخاف ركلاتهم الارض، وتنصت الطبيعة لسماع كلماتهم، اولئك يرتقون الاعالي ليبلغوا الذرى الساحقة، اولئك الذين لا يعرفون المستحيل ولا يقنعون بالنجوم، اما اولئك العاجزون الضعفاء الذين لا نفع فيهم ولا فائدة فليلجأوا الى ابتكار الفضيلة والخلق والمثل، انهم مجانين بلداء، انهم يدركون بانهم لا شيء ازاء اصحاب الجبروت، وهذه هي عقدة نقصهم التي لن يتلافوها الا بالادعاء بالبساطة والفضيلة والسلم وبأن العالم الاخر ملك لهم، فلنسمعه يقول ويخبرنا (اذا ما رأيتم شخصاً متداعيا على وشك السقوط فادفعوه بايديكم واجهزوا عليه، كل انسان تعجزون عن تعليمه الطيران علموه على الاقل ان يسرع بالسقوط) وهل رأى احدنا احتقارا للبائسين المساكين كهذا الاحتقار؟ وتلك خطيئة نيتشه التي لا تغفرها الاجيال، لم يكلف نفسه عناء البحث عن سبب بؤس هؤلاء ولا سبب ضياعهم وقهرهم ومرضهم، ولم يتعب نفسه او يقدح زناد فكره لايجاد دواء لهذا الداء المؤلم، يعطي اسرع الحلول في رأيه وهو قتل اولئك، وما دام الاقوياء يقتلون الضعفاء،وماداموا يظلون وحدهم في الميدان فسوف يصفر الخواء والفراغ في الميدان لأن الاقوياء سرعان ما يبطش احدهم بالاخر، فالواحد ينعت الاخر بالضعف والخور والجبن، وتلك المهزلة قتل وقتل وقتل، واول من يقتل الفيلسوف الضعيف، ونيتشه هو القتيل رقم (1) في هذا العالم المسعور الذي يريده، فعالم كهذا في غنى عن رجل بعينين ضعيفتين ورأس يثقبه الصداع وجسد لم تترك فيه الاوجاع بقعة الا دشنتها ان العاطفيين ورقيقي الاحساس وذوي المشاعر الهفهافة، كثيرا ما يتظاهرون بصلابة الاعصاب ومتانتها وهم في الحقيقة يخفون ارق العواطف، وهكذا نتيشه الضعيف المريض العاجز المحروم من كل المباهج والملذات والمتع والافراح، يتظاهر اول ما يتظاهر بالرغبة في الدعوة الى تحطيم العاجزين ليخفي عجزه ومرضه فكأن ذلك عار يريد الهروب منه، وكاللص يلقي التهمة على غيره ويبالغ في مهاجمة اللصوص بالشتم القبيح ليخفي حقيقته.

الايام تمر ونيتشه في وحدته، الموسيقى لم تنفعه،وعلاقته مع (فكنر) قد انقطت وليس له من اصدقاء كلهم بعيدون (هؤلاء انتم يا اصدقائي.. آه

ولكن هل انتم لا تسيرون الي؟

ماذا ؟ هل تغيرت فاصبحت انساناً آخر غريباً حتى عن نفسي؟

اتبتعدون؟ ايها القلب لقد عانيت من هذا الشيء الكثير

ولكني املك قلبا لايزال قويا بعد

فدع ابوابك مفتوحة لاصدقاء (جديدين)

انهم اصبحوا قدماء وهذا ما ابعدهم عني

فأن من يتطور هو وحده القريب مني ذو الصلة بي!)

ولكن يا ترى من يسمع هذا النداء ؟ واين هم الاصدقاء الذين يغامرون للوصول اليه في صومعته المحيطة المظلمة الحانقة؟ انهم عشاق السوبرمان الباحثون عن كل مقدس وصعب وعسير و(ما الانسان الا كائن يجب ان يتفوق عليه) و (ما الانسان االا حبل منصوب بين الحيوان والانسان المتفوق فهو الحبل المشدود فوق الهاوية وان في العبور للجهة المقابلة لمخاطره، ولكن في البقاء وسط الطريق خطراً محققاً وكذلك الامر في الالتفات الى الوراء وفي كل تردد وكل توقف، انني احب الذين يمرقون كالسهم الى الضفة الثانية) هكذا اذن فالانسان همزة وصل بين القرد والسوبرمان، وما هو الا جسر  وما اروع ذلك الرأي الجريء الذي توصل اليه نيتشه وهو في جبال ايطاليا، ورائع هو لو لم يحرض على قتل الضعفاء انه خلق مستمر دائب لانسان نموذجي، اوليس هذا قمة الاصلاح؟ أَوَ ليس هذا ما ينشده الحكماء والفلاسفة والمشرعون؟ ومن الوحدة عالم نيتشه الخاص حيث التفكير المستمر ووخز المشاعر، اليس كل من قدر له ان يشعل البرق يوما ما لابد ان يظل سحابا مدة طويلة؟ ومن الوحدة تخرج اصوات تحبذ المخاطرة وتمجد المخاطرة لانها هي الحياة هي افناء للقيم الفاسدة ومجازفة من اجل تحقيق القيم الخطرة التي يعترضها اعداء كثيرون والمخاطرة هي الشهوة وهي الرغبة الحارة الفائرة، فلا معنى للحياة بدون ان تقابل الخطر، فهو الذي يعطي لها طعمها وميزتها وفارقها الذي يفردها عن كل حياة، فما معنى الدعة وما معنى السكينة والهدوء؟ انها خمول وكسل وموت، موت معنوي يقضي على اسباب الحياة واندفاعها الريان، وهؤلاء الذين يعشقون المخاطرة ويتحدون الموت ولا يتراجعون ولا يترددون اولئك الذين يمرقون كالسهم ويعبرون بلا اهتمام او وجل حتى دون ان يعرفوا الالتفات من اجل ان يصلوا الى عالم السوبرمان فهؤلاء هم اصدقاء نيتشه الجدد (لانك اتخذت المخاطرة مهنة لك من اجل هذا سأدفنك بيدي!) وطبيعي ان ليد نيتشه السحر القدسي الفذ، لانها لم تمتد ولم تصافح ولم تعرف الا النداء المستمر لذلك الانسان المتفوق، ولكن المخاطرة التي يبحث عنها نيتشه هل يستطيع ان يعيشها من قضى شطرا كبيرا من عمره في وحدة مملة عويناته الغليظة المحدودبة وهو بشعره المسترسل الالهي، ولكنها الوحدة البهيجة التي مدته بالغذاء الكافي والتي جعلت وجدانه عارما منتفضا يريد ان يقلب التاريخ ويكتسح كل اولئك الذين يجعلون من مسيرة التاريخ ارتخاء وضعفا وتغييرا طفيفا. لقد فقد نيتشه اصدقاءه الواحد بعد الاخر، لانه يريد اصدقاء يحلمون بما يحلمون ويرددون ما يرددون ويجعل كما يجعل الانسان الاعلى رمزا لمسيرتهم وعنوانا لافكارهم ولما لم يجد الا اولئك الذين يقابلونه بين حين واخر بالشفقه والعطف والرثاء فقد كان ذلك يؤلمه اكثر واكثر فهو يضجر من هذه النوعيات المنافقة ويتمنى ان تتركه على حاله في وحدته التي استمد منها روحه الجديدة، وكلما عانى الوحدة والمرارة والالم انبعثت افكاره كأحد ما تكون واطلق نيتشه صيحاته التي كانت سابحة في غرابة بارزة، ولم يسمع احد تلك الصيحات الجنونية لكن التاريخ كان ينصت ويتلهف ويسجل كل حرف وكل كلمة تصدر عنه، ولكن هل للقدر مرة اخرى ان يترك نيتشه هكذا وبوحدته وبعلله؟ لا انه لازال يحسده ولازال يبغي تجريده من كل شيء، فانتشر وباء الكوليرا في مدينة ليبزج، ونيتشه يكره الموت لان رسالته امانة في عنقه لابد ان يؤديها ولابد ان يرسم للناس ملامح السبرمان الذي يعيش بينهم والذي يجهلونه، فهرب من ليبزج الى ابعد ما يمكن هربا من الموت الذي يبحث عنه كل لحظة، فهو والموت على قدر وعلى اتفاق وعلى ترصد، وما انتهى من ذلك واذا بروسيا تستدعيه جنديا، وتألم (القس الصغير) و(ابن الارملة) ولم تنفعه شكواه ولا ادعاءاته بانه يعول والدته، واصبح جنديا واستمر التدريب بضعة شهور حتى سقط في احد الايام من ظهر الجواد فتمزقت احدى عضلات صدره ففرح لانه بهذا تسرح من الجيش وانتهى من ذلك الثقل الجسيم الجاثم على احاسيسه. وعرضت عليه بعدئذ جامعة (بال) كرسي اللغات وكان لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره وفكرة ضخمة تعيش في دماغه لتنفجر قوية بكلمات ذات جرس حماسي عذب يستهوي الافئدة، انه يبحث عن الاتباع فما دام ليست لديه زوجة ولا ذرية فان ذريته اتباعه الذين يتوارثون افكاره وينقلونها للملأ، وجاء اسلوبه فذا ساحرا عجيبا ملهما يثير رغبة وتشوق وحب كل قارئ، فما هذه الفكرة العظيمة التي راودت تلافيف هذا الدماغ الساخن؟ انها فكرة (الارادة) التي بشر بها قبله الفيلسوف الالماني الشهير (شوبنهاور) واذا بالعلم ينزوي والارادة تبرز وعليها يضع نيتشه كل الآمال. اليس هو المعتل المريض الذي اراد معالجة نفسه طبيا فلم يتخلص من آهاته؟ اذن فالارادة هي الحل الوحيد، فهي ايحاء ذاتي موجه بحيث ان المريض يعتبر نفسه ليس مريضا ابدا بل صحيح الجسم والعقل والبنية، وما عليه الا ان يعيش هذا الايحاء وتلك الارادة الذاتية فيتخلص من كل ما يشكو منه ويؤرقه.

ان الالم لا يحس به ذوو الارادة القوية، أوَ لم يكن الكهنة والسحرة الهنود يمشون على الحجر دون ان يبالوا؟ أوَ لم يكونوا هم يميتون انفسهم لفترة وجيزة ثم يعودون بعدئذ احياء؟ الالم اذن لا يسحق الا الذين يتأثرون ببساطة ويحسون بابسط الوخزات، والضعاف الارادة الذين يجهلون ان الارادة هي الطريق الوحيد للنجاة من هذا العذاب. ومادام الانسان بالتنويم المغناطيسي والايحاء يحقق ما يصبو اليه احيانا فلماذا لا يستطيع بهذا الطريق ان يقهر مرضه والامه وعذابه؟ وافاق نيتشه احد الايام على صوت يدوي في اعماقه، ليس من ارادة الا ارادة الحرب، ارادة الجبار ارادة السيطرة والقوة وتحطيم الذين لا يستحقون الوجود، وتطوع في الحرب ليكون جنديا، فهذا الذي بذل كل ما يستطيع ولجأ الى كل الوسائل ليتخلص من الجندية ذهب متطوعا لانه يريد تطبيق (الارادة) في حرب فعلية ولكنه اعفي من الاشتراك في الحرب لضعف بصره، واصبح ممرضا يعتني بالجرحى ويداويهم وسمع الانين والشكوى والسخط والآهات ورأى العيون الزائغة والوجوه التي بلا دم والايدي المرتعشة الشاحبة وسمع الهذيان المحموم وعبارات الشوق الحزينة الخائفة رأى وسمع الكثير وانفجر.. أهذه هي الحياة؟ وما قيمة ما يبشر به المؤمنون من العالم الخالد الذي يناله اولئك مادامت حياتهم هكذا سعير جهنمي لا ينقطع؟ وانبعثت صيحات نيتشه لاعنة مدمرة كافرة مهاجمة لا تؤمن بشيء ولا تريد بقاء شيء فمن يريد خلق عالم جديد فلابد ان يبدأ بأفناء وهدر القيم السائدة ويدرك نيتشه انه اصبح عدوا للجميع، لانه تمرد ضد الجميع، فهاجم الالهة وهاجم العقائد والشرائع المقدسة وهتك حرمة العرف ونبذ كل ما خلقته الاجيال بكد وكدح السنين الطوال، انه عدو للجميع، وهو هدام مجرم يدمر ويهدم ولكنه يعتبر ذلك مقياسا لابداعه ولذا فهو راض من نفسه مطمئن لا يشك بموقفه (انظروا الى المؤمنين بجميع المعتقدات اتعرفون من هو الد اعدائهم؟ انه من يحطم الالواح التي حفروا عليها سننهم ذلك هو الهدام المحرم، غير انه هو المبدع). غير ان نيتشه مهما كان راضيا عن عقله فهو لم يستطع ولا بقانون الارادة الذي آمن به ان يتخلص من الاوهام التي تضايقه، وما الاوهام؟ انها بنت الاعوجاج الوجودي، الوحشة والامراض والضجر والانهيار كل تلك اجواء تولد الوهم، وطارد الوهم نيتشه فاذا به يصرعه ويحييه ويعيد المهزلة مرارا وتكرارا ونيتشه حائر معذب، هو في عز الشباب في الخامسة والثلاثين من عمره ولكن مشاعر الموت تسيطر عليه انه يموت وهذا ما اكده لنفسه وهيأ نفسه منتظرا الموت فهذا هو العمر المناسب لموته كما مات ابوه قبله في هذا العمر، الم يقل له الطبيب بانه مصاب بشلل في المخ؟ اولم يكن هذا الداء هو علة ابيه التي نقلته الى القبر حثيثا؟ وتمر الايام ثقيلة بطيئة مملة والصراع يحاصر نيتشه بطيش وعنت واضطهاد وياله من اضطهاد قدر عليه ان يتحمله ومئات النوبات تعاوده لتعذبه في بحران الحمم والوجع الرهيب. ولكن الايام تستمر وهو لم يمت، وترك وظيفته واخذ يبحث عن الراحة والاستشفاء ولكن ما عسى هذا العقل الصاخب الفوار ان نعلله ليجد مرفأه الذي يطمح اليه في ذلك العالم المضطرب؟

 ربما يجد الجواب في الحب، فهذا الحب الذي يشد القلوب الى بعضها قد يزيل ركامات الاسى واليأس والسأم فليجرب الحب لعله يشفيه من آلامه، وفي روما شاهد فتاة فنلندية جميلة جدا اسمها (لوفون سالومي) كانت معجبة بافكاره واحبها حبا شديدا ان الاخرين يحبون والعظماء يبحون وهو ايضا بحاجة لهذا الحب ولكن يا ترى ما موقف الفتاة (سالومي)؟ انها كانت مشفقة عليه تقابله بالاحترام والعطف اما الحب فلا غرابة انها رفضت عرض الزواج وتزوجت من غيره من شخص ليس فيلسوفا ولا مفكرا واصابه جزع شديد وسخط شديد ونقمة لا تبارى ضد المرأة وضد الحب وضد كل ما في الوجود وبعد تلك الفترة جاءت افكاره هوجاء شديدة العنف ضد التقوى والدين والصلاة وضد كل المثل الاخلاقية متهما اياها بانها وصمة وبانها سلاح المهزومين الاراذل وبأنها جذور رديئة يجب اجتثاثها واقتلاعها من الاساس على يد الرجل القوي الرجل الاسطورة، العملاق الذي تنحني له هامات الكون بأكمله واستمر نيتشه يجدف بهذه الحمى اللاهبة وهاجم المرأة (فقلب المرأه مكمن للشر) وردد على لسان العجوز (سأعلن لك حقيقة صغيرة مكافأة لك على ما قلت اذا ذهبت الى النساء فلا تنسى السوط) وهذا الفاشل في حبه والذي طعنه فشله طعنة نجلاء في صميم كبريائه يستمر بقدحه مهاجما الحب معتبرا اياه حيوانيا لا معنى له، اما الزواج فهو حماقة ما بعدها حماقة، وليس الزواج في رأيه الا ذلك الذي يكون صورة ضمن خطه الفلسفي ويريد ان يسخر من كل حقيقة وواقع في خدمة فلسفته (فما الزواج في عرفي الا اتحاد ارادتين لايجاد فرد يفوق من كانا علة وجوده). اي ان النسل يجب ان يكون صورة لابناء المستقبل المتفوقين الكبار، فحرام اذن ان يتزوج ذو عاهة او مختل العقل او مشبوه الصحة لان ذريته تكون ممثلة للجنس الردى الذي يجب ان يمحق، وهنا استفاد العلماء من هذا الرأي في تحسين النسل (علم التحسين البيوجيني).

ان فكرة نيتشه عن الزواج (لا يجب فقط ان نتناسل انما يجب ان نتناسل الى اعلى) حيث انكر اللذة والمتعة الحسية كغاية في حد ذاتها واعتبر ان الغاية العظمى هي خلق نسل صالح شجاع يسيّر التاريخ ويحكم الطبيعة. ان هذا يعد امتدادا لنظرياته التي استقاها من ابداع جلي من نظرية (التنازع والبقاء للاصلح) فان الفئة القوية هي الفاضلة ولا معنى للفضيلة ان لم تكن هي القوة وفي هذا منافاة للمبادئ المسيحية التي كرس نيتشه نفسه لمحاربتها والتشكيك بصلاحيتها فالرحمة والعطف والحنان والعفو كمبادئ بثتها المسيحية وكرست كل جهودها من اجل الدعوة اليها، هي نفسها المبادئ التي اعلن نيتشه الحرب ضدها باصرار وعزم لا يفل وهو في هذا مع تناقضه الرئيس مع المسيح الا انه يحاول ان يخطو خطوات المسيح ولكن بالطبيعة المضادة وهنا تكمن تلك الرابطة التي جعلت نيتشه يحس بحسد شديد للمسيح وبغيرة لا تقاوم ازاءه.

 ان نيتشه اراد ان يعيد اخلاق ما قبل المسيحية حينما كان الرومان قد اتخذوا من السيف شعارا لهم ومن القوة مذهبا حيث مجدوا البطولة والعظمة وحطموا اعداءهم بضراوة. ان ذلك برأي نيتشه هو الذي يعطي لفلسفة الحياة قيمتها، وفي هذا نرى الغاء صريحا للديمقراطية.  اذ ان تمجيده للاقلية المتميزة القوية على حساب العوام جعل من فلسفته حوضا نغترف الافكار الفاشية من مائه شرابا لها انه هو القائل(اللحادون والمسيحيون والبقر والنساء والانكليز وسائر الديمقراطيين ينتمون الى اصل واحد) وفي كتاب نيتشه (هكذا تكلم زرادشت) بدت افكاره واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض وجاءت تعبيرا عن كل مفاهيمه وافكاره ومبادئه.

وضعف نيتشه وغمر عقله جنون ثقيل وهو في الخامسة والاربعين من عمره حتى وافاه اجله المحتوم في عام 1900 فلفظ اخر انفاسه، ومما يذكر ان نيتشه قبل وفاته حوالي عام 1880 كتب الى اخته (عديني انني عندما اموت لن يقف حول نعشي سوى اصدقائي ولم يكون حولي احد من الغوغاء المتسائلين واعملي على ان لا يلقي قسيس على قبري اكاذيب وانا عاجز عن حماية نفسي ودعيني انحدر الى قبري وانا وثني شريف).

من اقوال نيتشه:

(اني اعلمكم علم السبرمان او الانسان الاعلى . ما هو القرد ازاء الانسان؟ اضحوكة وخزي، وكذلك يجب ان يكون الانسان إزاء السبرمان اضحوكة او خزيا انما الانسان معبر او جسر يصل بين القرد والسبرمان . سوف يكون السبرمان ازدهارا وخيرا وتعبيرا نهائيا للارض استحلفكم ان تكونوا اوفياء للارض وان تكفوا عن التطلع الى النجوم تنشدون منها أمالا ومكافآت ان عليكم ان تضحوا بانفسكم للارض حتى يتاح لها ان تنجب يوما ما السبرمان. الانسان شيء يعلى عليه فماذا فعلتم كي تعلون عليه؟).

(الزواج هو اجتماع ارادتين لانجاب شخص ثالث اعلى من الزوجين).

(لا يجب فقط ان نتناسل انما يجب ان نتناسل الى الى اعلى).

(الغريزة اسمى انواع الذكاء التي اكتشفت الى الان).

(نصيحتي اليكم ايها الاخوان هي كونوا قساة صلابا).

(علينا ان نفر من اقرب الناس الينا، من جيراننا ونحب ابعد الناس عنا).

(تفاوت الحقوق هو الشرط الاساسي لوجود الحقوق).

(لصغار الناس صغار الفضائل ولكنني لا اعرف ما حاجتنا الى صغار الفضائل؟).

(ليس للانانية قيمة في الارض وفي السماء وجميع المسائل العظيمة تحتاج الى حب عظيم).

(الانتقام الصغير اكثر انسانية من العنف عند الانتقام).

(ما هو الشيء الحر؟ هو كل ما يزيد الاحساس بالقوة اي ارادة القوة، اي القوة ذاتها في الانسان).

(وما هو الشيء السيء؟ هو كل ما ينشأ من الضعف).

(عيشوا في خطر شيدوا مدنكم الى جنب فيزوف ابعثوا بسفنكم الى بحار مجهولة).

(لانك جعلت الحظ حرفتك لذلك ادفنك بيدي)

(ما هي اعظم الخطايا على الارض الى يومنا هذا؟ اليست هي قول ذلك القائل (ويل لكم انتم الذين تضحكون في هذا العالم؟).

(صحيح انكم اذا لم تصيروا كالاطفال الصغار فانكم لن تدخلوا ملكوت السماوات، ولكننا لا نرغب في ان ندخل هذا الملكوت لاننا قد صرنا رجالا ولهذا نحن ننشد ملكوت الارض).

(ان الرحمة تناقض الشهوات الحية المنعشة التي ترفع نشاط البشر وتزيد إحساس القوة اذ هي تكرب وتغم ونحن نفقد حيويتنا حين نمارس الرحمة وما نفقده من قوة وحيوية بسبب الالم يزداد ويتضاعف بالرحمة حتى ليصير الالم معديا بالرحمة. وقد يؤدي في بعض الظروف الى ان تفقد الحياة ذاتها واذا اشئنا برهانا على ذلك فاذكر هذا النصراني الذي انتهت به رحمته لابناء البشر الى الصليب).

(وايضا تفسر الرحمة شريعة التطور التي تقول ببقاء الاصلح وهي اي الرحمة تستبقي ما كان يجب ان يموت كما تعمل لمصلحة الذين حكمت عليهم الطبيعة. وهي تضفي على الحياة لونا قاتما بعدد الناقصين الفاسدين الذين تعولهم وهي تضاعف التعس كما تحافظ عليه وهي الاداة الاولى لترويج الانحطاط وهي تؤدي الى الفناء. الى انكار الغرائز التي تبنى عليها الحياة).

                                       نيتشه والواقع العربي:

قد نتساءل عن الفوائد التي نجنيها من فلسفة كفلسفة نيتشه، وفي الحقيقة ان افكار نيتشه بقدر ما اعطت جوانب طيبة ومعينا لا ينضب من الفائدة والوعي فهي في نفس الوقت قد دمرت تدميرا لا ينسى الافكار الانسانية التي لن نستطيع التخلي عنها في واقعنا الاليم.

ولما كانت المصلحة العربية تستوجب الاستفادة من كل فلسفة مع ترك ما كان منها جارحا او غير ملائم فاننا نريد ان نتساءل هنا عن مدى تأثير نيتشه في واقعنا والذي اضعه في المقدمة من تأثير هذا العملاق ، فكرة (الارادة) التي اعتبرها الزخم الوحيد الذي يصعدنا نحو مطامحنا التاريخية.

 ان الواقع المؤلم الذي يعيشه العرب حيث الاستعمار يمد اصابعه في بقاع عربية كثيرة وحيث ينتشر الفقر انتشارا مهولا وحيث لازالت بقايا ابشع الخرافات والضلالات موجودة بشكل مخزي، وحيث موجات المدنية والتطور لازالت قصيرة وقليلة الامتداد، ان ذلك كله هو الذي يعطي لفكرة الارادة اهميتها القصوى وضرورتها الجُلى، وليست الارادة هنا الا تصميم واع من اجل خلق مستويات انسانية فضلى للعربي، ان قلب الواقع الفاسد وازالة اثار التأخر والانحلال والمرض الاجتماعي لا يتم الا بالتسلح بارادة قوية عاصمة تسهل انجاز الهدف وتجعله محققا ومكينا. وهنا علينا ان نميز بين الارادة الفردية والارادة الجماعية ونعطي لكل واحدة قابليتها ودائرة عملها، فالارادة الفردية تعني التوجه الفردي المملوء ايمانا ويقينا من اجل انجاز مشروع فردي او دفع ذاتي مستمر فالانسان العربي الذي اكتسب انواع العادات والافكار وتوصل الى مقولات ومعلومات جاءت عن طريق الوراثة والاجتماع وبدون ان يتوصل اليها عن علم ودراسة ذاتية، لا يستطيع ان يكون عنصرا نافعا في امة متطورة ما دام مكبلا بهذه القيود المحددة للوجدان والتي تخنق كل نمو وانتعاش، كما وان ازالة هذه القيود لا تتم بتلك السهولة المرجوة، بل لا بد من عزم حديدي وصرامة مبدئية واندفاع مخلص ضمن ارادة قوية واثقة من اجل قلع كل سن رديء وغرس اسنان جديدة غذاؤها العلم والعرفان.

ان الارادة الفردية ضرورية جدا وهي مشروع ضخم جدا، ولكنها مع ضخامتها فانها لا تستطيع اكثر من اثارة غبار في مكان محدود فيما اذا انعزلت عن الارادة الجماعية، ان الارادة الفردية تعطي ثمارها وامتدادها الوثاب بالانخراط ضمن الارادة الجماعية التي تشكل توحيدا منسقا منظما لكل الارادات. ان قضايا خلق عالم عربي يتمتع بكل معاني الحرية والكرامة والروح العلمية لا تقرره ارادات فردية مبعثرة او رغبات قادة او زعماء معينين او تصميم او توجيه منظمات او احزاب محدودة، بل ان الارادة الجماعية القوية ارادة الملايين، من كل الذين تأكلهم الحرقة على وطنهم وبلادهم وانسانيتهم ان تلك الارادة هي التي تهدم كل الحواجز والسدود التي تعترض دروب الانطلاق والتقدم، وهذا هو ما نحتاجه اليوم وغدا فهو ضمان لتحقيق ما نصبو اليه كما وانه ضمان للحفاظ على ما كسبناه.

ان ارادة الامة هي التي تجعل التاريخ منهمكا في تسجيل الاحداث، والارادة قوة روحية لا تستطيع ان تتصورها بالشكل الخيالي الغامض والسديمي، بل هي قوة روحية تأخذ حقيقتها من القوة المادية المشحونة بالتناقض والزاخرة بكل جديد وبالٍ وبكل وليد وهرم، اننا نأخذ هذا الجانب المشرق من فلسفة نيتشه ولكنا لا نريد ان نجعل من الارادة مشروطة بارادة الاقوياء ففي هذا الرأي اجحاف بالغ بالقوى الفقيرة التي تعيش في مجتمعنا والتي فيما اذا تجمعت وتوحدت تحت اشراف فكري منظم ومعبأ لكانت قوى محركة مغيرة ومتطورة، ان نيتشه عندما يجرد هذه القوى اخذا عليها المرض او الفقر او العاهة، عندما يحررها من وجودها وقيمتها انما بذلك يجعل الصراع حادا ومحرقا بين الاقوياء والاخرين الذين نعتهم بالضعفاء، وبهذا يخلق معارك داخلية في مجتمع معين تعطله عن التقدم في ميدان النهوض والتجدد والابداع.

ان هذا المريض او المشوه ما باله؟ وما الذي جعله بهذه الصورة؟ اما كان الاولى بنيتشه ان يبحث في الاسباب التي جعلت من هذا (الذي لا يستحق الحياة) – كما يقول – بهذه الحالة المؤلمة من الضعف والمرض، ان النظم التي تنزرع في ظلها المشاكل والمصائب والالام والفقر والمرض هي اس البلاء وهي السبب الجوهري، وبتبديلها ينتهي كل شيء، ان النظم لو بقيت لكان معنى ذلك ان تنتقل العدوى الى الاصحاء انفسهم.

ثم ان مهاجمة نيتشه المفزعة للاديان امر لا يحتمله العقل العربي لما للدين من مشاركة حية قديمة في شؤون الانسان وافكاره، كما وان نيتشه في مهاجمته للاديان لم يعتمد ذلك على شروح وتفسيرات معينة، بل انها ضربات اعمى مهووس لا يعرف بم يضرب ولا من يضرب فلو الغي الدين فما الذي يقدمه نيتشه بديلا له؟ ايقدم القوة؟ والاقوياء اما ان يكونوا حمقى وضعاف العقول، ام انه يقدم شيئا اخر؟ وهذه القوة ماذا تعني في عصرنا هذا، حيث العلم يجد طريقه الى كل بيت ومنزل وشارع اننا لا ننكر ان دعوة السبرمان مع ابتدائها باحتقار الانسان هي دعوة تحمل معاني النبل والشرف ولو انها كما يظهر مشبعة بروح من المزاج المنحرف، ان (السبرمان) في هذه الحقيقة هو تأكيد لحقيقة التطور في ذات الانسان الى ما لا نهاية لذلك وهو عمليا اشعار للانسان بانه لازال متأخرا وما عليه الا ان يكون جسرا يصعد عليه الانسان المتفوق الشجاع الطموح ذو العزم المتين.

ان جنس السبرمان هو الذي فتح الممر لعلم تحسين النسل وتحديده الذي انتشر في اغلب الدول، ان تحديد النسل على اعتبار ان الخيرات لا تكفي للجنس البشري حسب تفسير (مالثوس) اصبح مثار مناقشة  عاصفة، وطبعا بالنسبة لنا نستفيد من فكرة تحسين النسل خلق جيل قوي منظم مدرك لا تملأ جسده الدمامل والقيح، اما فكرة تحديد النسل فهي لا تلائمنا اطلاقا لاننا لا نشكو نقصا في الخيرات، بل على العكس ان الارض العربية ارض غنية ولاتزال مناطق كثيرة غير مسكونة او غير مأهولة بالسكان اننا بحاجة الى نسل اضافي يملأ الفراغ في شبه الجزيرة العربية وبعض مناطق عالمنا الخالية.

ان الرأي القائل بتمجيد القوة نستفيد منه دون ان يجعلنا ذلك نأكل انفسنا واخوتنا، كما وان ذلك ينبغي الا يجعلنا نشعر بالتعالي على حساب الامم الاخرى، ان للامة العربية مقوماتها المجيدة التي ينبغي ان تعيشها وتعلنها بكل تواضع وايمان، ان الصاق صفة الفضائل الصغيرة بصغار الناس وبالتالي بصغار الامم هو سلاح يعطيه نيتشه بيد الامم الكبيرة لنسف حق تقرير المصير وعدم احترام حقوق الامم الاخرى ان اروع ما في تفكير نيتشه هو انه منحه كل وجوده وافكاره من اجل الانسانية فشغل تفكيره وكل باله بمستقبل الانسان، ان هذا ما يحمد عليه، ولو اننا نختلف معه في الوسائل التي يتبعها ويراها ضرورية وصالحة.

 ان المحبة هي الرابطة الوحيدة التي تشد من ازر الانسانية وتخلق اواصر لا تنفصم بين انسان وانسان والمحبة هي الوسط الوحيد لانعاش القابليات وتفجير الطاقات وتيسير النشاطات، اما محاولة اعتبار المحبة جبنا وضعة ونذالة فذلك من باب الهذر ليس الا، اننا نعطف على نيتشه اكثر مما نزدريه، ونعطف عليه ايضا قبل تقديرنا لافكاره التي يراها الاخرون غريبة وشاذة قاسية وتحطم قبل ان تعمر وهي زاخرة بالوعيد والتهديد الصارخ بوجه الانسانية. ان نيتشه مع غربته فانا نعجب به، وهو عندما يدعونا الى البحث عند الخطر انما يملؤنا ارادة وتضحية ونكرانا للذات، ان الخطر هو المقياس الوحيد لبهجة الحياة فهو يمنحها المجازفة والتجدد ويبعدها عن التكرار والرتابة والجمود، اما الذين يبحثون عن الهدوء والدعة اولئك المستسلمون النائمون الذين لا يحركون اصابعهم ولا يتعبون افكارهم فهؤلاء ما احوجنا الى النأي عنهم وتركهم فهم ضرر بالغ بل تورم سرطاني خبيث يبعد الناشئة عن الهمة والنشاط والعزم والشجاعة. اما التناقضات الفلسفية التي وقع فيها نيتشه فهي كما اظن صورة معبرة عن نفسه المتلاطمة بكل تناقض ومتغير والرحمة التي يحمل عليها نيتشه بشدة هي بحد ذاتها ليست حلا وجوابا للمظالم الاجتماعية كما وان الغاءها في نفس الوقت ليس حلا ايضا، ان الرحمة التي يحاول ان يمن بها مخلوق بشري على مخلوق بشري اخر ليست الا تأكيد لعلو كائن وانخفاض اخر، وهي تعبير مجسم عن تفاوتات ضارة والذي نعلم تماما ان الاديان ولاسيما الدين الاسلامي لم ينبثق باستعطاف من الوثنيين ولا بمساعدة من رحمتهم، وانما انبثق بالارادة القوية والعزم والجهاد المثابر المستمر من اجل الهدف السامي.

ان الاف الفقراء لا يمكن ان يعيشوا من رحمة اخرين مثلهم، بل بنيلهم حقوقهم الطبيعية التي لا يمكن لانسان ان يحيا مجردا منها ومعدما من وجودها، ولكن هل ان البطش والقتل وسفك الدم يمكن ان يكون بديلا للرحمة؟ حقا لا، فالرحمة ضرورية ولا يمكن ان يتجرد منها قلب، ان القلب الرحيم واحة بيد هذا الانسان ولكن الرحمة ليست كل شيء، ان ما هو حق وطبيعي هو اولا ما يجب تثبيته وتأكيده وبعد ذلك نعد الرحمة والعطف والمودة والمحبة والتضامن صفات انسانية لا يمكن ان نبتعد عنها، فلو عشنا بلا رحمة الا كان ذلك فيما لو كان انعدام الرحمة قانونا، اما كان دافعا لان تشن دول قوية الهجوم الكاسح والمباغت ضد الدول الضعيفة والصغيرة بحجة ان البقاء للاصلح؟ هو القانون والحكم وهو الذي يغربل المخلوقات فيبقى ما هو صالح ويلغي ما هو طالح؟

ان الغريزة ليست هي المقياس النزيه الوحيد في تفسير ديالكتيكية الحياة، ان مبالغة نيتشه باعطائها الطابع المهم مع معرفتنا ببداية الغريزة وحيوانيتها، هو نكران مثير للدهشة ، للعقل ودوره الاساسي في ادارة شؤون العالم، ان الانحطاط الحقيقي هو سيادة الغريزة وضمور العقل والفناء الحقيقي هو في الغاء المحبة ورسم العنف والارهاب والتعسف وهذا لا يختلف فيه اثنان. ان بقاء الاصلح قانون يصلح في الزمن الذي يتخلى فيه العقل عن مكانته، اما اليوم حيث التعاون والنفع المتبادل والمؤازرة والثقة والانصاف هي التي يفتخر بشرفها الانسان فـأننا ننظر بازدراء ومقت للقوى الاضطهادية التي تتصور القوة طريقا لبقاء الاصلح، ان الاصلح حقا هو الذي يسدي خدمات اكثر لنفسه وللاخرين.

ان شعار (القوة) وفلسفة تمجيد القوة يهيبان بالضعفاء والمساكين ان يسدوا طريق محاربتهم فكيف يتم ذلك يا ترى؟ انه طريق واحد فقط، طريق القوة، على الضعفاء ان يسلكوه بدون تردد او مواربة عليهم ان يكونوا اقوياء حتى لا يتركوا سهما لقوي يرشقهم به، وهل يجوز ان تكون القوة مجزأة متشققة؟ طبعا لا فهذا يعد تفتيتا وتشتيتا مستمرا، لذا فان العرب عليهم وهم يعيشون هذا الواقع المجزأ والمنفرد ان يلموا كل شتاتهم ويتوحدوا لخلق قوة فعالة ذات وجود استقلالي خاص لا يسَتعبد ولا يسُتعبد ولا يؤمن بالنقمة والانتقام فالانتقام لغة الوحوش كما ان الثأر لغة القبائل في ايام الجاهلية، ان الانسانية تهيب بنا ان تكون اساليبنا متطورة ومهذبة ومتلائمة مع العصر، وان هذا العقل الجبار الذي يشرف على المعجزات ويخلق ارقى المنجزات، ان هذا العقل ليس صغيرا الى درجة يعجز فيها عن تفكير عادي بسيط يقوده الى العفو والمحبة والتسامح. ان العدو اذا كان يعيش بين ظهرانينا فانا بلا شك لا نعفو عنه، اما اذا تركنا وولى هاربا عن حدودنا فنحن لا يجوز اطلاقا ان نفكر بالانتقام منه ولا نستطيع الحياة بأمل الانتقام، فالجحيم الاسود هو ان تكون النفس مغلولة بسلاسل الانتقام، ان نيتشه الذي حبذ الانتقام تصور ان البشرية قد انتقمت منه، انه احس بكره شديد طاغ لها ولاؤلئك العاديين الذين رأهم يأكلون ويشربون ويضحكون وينطلقون بدون امراض وآلام او متاعب وبدون وحدة وعزلة ممضة، وصور له حقده وحسده ان البشرية هي التي انتقمت منه والضعفاء هم الذين انتقموا منه فجاءت صيحته الانتقامية ضدهم مجلجلة هدامة مرعبة. لكننا علينا ان نقول بحق ان نيتشه فيلسوف وفيلسوف مبدع اطلق احشاءه الداخلية ليريها للعالم اجمع فجاءت فلسفته رعدا سماويا ومطرا عاصفا وريحا صرصرا، فيها النقمة وفيها السخط وفيها الحب وفيها الامل وفيها الارادة، فلو قالوا ان نيتشه يزرع التناحر بين الناس لقلنا هذا صحيح ولو قالوا ان نيتشه اراد الخير للناس نقول هذا صحيح ولو قالوا بان نيتشه عدو للدين لقلنا هذا صحيح وان قالوا بان نيتشه كان متدينا بشكل ديني جديد لقلنا وهذا ايضا صحيح، فهو فيلسوف العجائب والغرائب والمتناقضات وله الحق في ان يعذبنا بصرخاته لانه حصيلة الجسد المعذب والروح الجريحة الحزينة، فلنقرأه بنهم ولذة ففي لغته دعوة لا للصدود بل للتزود والاقبال والتتبع، ففي اسلوبه السحر والطراوة والدعوة والطعم الفتان فلنقرأه بلا توقف ولنعد فهم كل ما حوته السطور التي سطرها لكن علينا ان لا نسمح لافكار نيتشه الخلابة ان تغزوا ادمغتنا وتلهبنا، بل لنستفد منها دون ان تملكنا، ولو طبقنا فلسفة القوة التي امن بها ودعا اليها لكان ذلك من جانبنا، فأفكار كثيرة اقوى واصلب وامتن من بعض افكار نيتشه، لكننا لا نقتل هذا بذاك، بل نقارن بدقة وبعد المقارنة نجمع كل ما تجمع لدينا من جيد الافكار ووسمها لنجعله زادا ووقودا لنا في رحلتنا التأريخية التي لا تتوقف.

حقا ان نيتشه لعظيم، وعظمته تكمن في تحديه لهذا العالم الراسخ بمجموعه، وكان تحديه عجيبا مرهقا منفعلا لا يؤمن بشيء ولا يحد ايمانه شيء، انه ساخط ولم يكن سخطه عن جحود بل لان صفعة القدر له كانت قاسية فبصق في وجه القدر وارتد بصاقه على اشباهه من مرضى وضعفاء ومصابين، لكن التاريخ يغفر زلات الفلاسفة ويعذر افكار المعلولين، ليظل نيتشه نجما لا ينطفئ بريقه ما دام في عالم الفلسفة ليل وظلمة وسكون.

يوم الاثنين : هل ان الحرب ضرورية؟ سؤال محير، لقد درست التاريخ فوجدته سلسلة طويلة من المعارك والحروب والفتن والمنازعات الدموية الرهيبة، وعبرجثث ملايين القتلى وصلت الانسانية الى ما نحن عليه الان ولا ادري هل ان مرفأ الانسانية في الغد البعيد يكون طريقه معبدا بجثث لا عد لها ولا حصر.

ان الرجوع الى الحقائق التاريخية على اعتبار انها الشكل الوحيد الوثوقي والمعبر عن الحقيقة بمعناها الاصيل يبين لنا ان الحرب تكاد تكون صفة طبيعية كالسكن والعمران. ولكن بواعث الحرب تظل متعددة ظاهرة بارزة ومختفية مستترة، والمهم في الامر ان الحرب رافقت الانسان منذ نشء الخليقة حتى الان، وهذا امر يشكل لطخة عار في جبين الانسانية التي اوجدت العلم والفن والاداب والبناء والهندسة والكيمياء والفيزياء والطب ولكنها مع ذلك ظلت عاجزة عن حل مشاكلها وقضاياها بطرق الود التفاهمية السليمة، لقد تكلمت الرماح والسيوف كثيرا وقلنا انها ايام ستتبدل وعقول متأخرة سوف تنضج، وظروف تتحسن، وجاء التحسن المنشود وصمتت السيوف والرماح ولكن المدافع تكلمت، وانتظرنا ان تصمت المدافع، ويحس العقل الانساني الهوة العميقة التي تردى فيها، وصمتت مدافع وتكلمت قنابل، ونحن نتمزق ونضيع والدمار يرفرف بجناحيه  السوداوين على كل حضارة الانسان العريقة، مهددا اياها بانقراض شامل وخراب ابدي.

وترتجف وتخفق قلوبنا بشدة وترتعش ايدينا ويصيبنا دوار مؤلم، ونحس باننا نختنق نفسياً من تلك الكآبة العميقة، فالحرب سبب الكآبة وسبب النكبة، والدليل ، دليل ادانة الانسانية في الجرم المشهود، فالامَ تستمر الحروب؟ وعلام تلك الحروب؟ وهل بلغت الامور منتهاها، واذا بالعالم بقي على شفا حفرة من نار، ونقفز وراء حدود التفكير والتصور، لنتصور الدخان والضجيج والاصوات المفزعة  والصراخ، صراخ الجنود وصراخ النساء وعويل الاطفال وهمهمة الجرحى، ودمدمة الريح والغضب الرهيب الذي بلا رحمة، تعسا لنا، قصورنا ستكون لنا قبورا، ياللنتيجة المخزية، ومع ذلك يصيبنا الغرور والكبرياء الجوفاء والادعاء الفارغ، فهل هناك امل في ان يطلق الانسان الشرور والحرب؟ لا ادري فالكل يبخل في الجواب.

يوم الثلاثاء: (الجحيم والنعيم) لم اجد ضابطا يعرف حقيقة الانسان ويقدرها حق قدرها مثل فكرة الجحيم والنعيم. انه اقرار علمي مستنبط من الواقع الانساني وموضوع من اجله. فهذه التعرجات الحياتية التي يقطعها الانسان والتي تلصق به انواع الصفات كلها توصل الى ساحة نهائية فيها التقييم الحقيقي لكل صغيرة وكبيرة قام ويقوم بها الانسان. ان الانسان الفاضل هو الذي تكون اغلب اعماله تغليبا للفضيلة وقصدا لها ودفاعا عنها ضد اعدائها المسلحين بكل انواع العتاد المادية والمعنوية، ولابد في عملية التقدير الصحيح لكل ذلك من اثابة الفاضل وليس المقصود بالثواب هنا رشوة للفاضل او حلوى طفل، بل ان الثواب هنا وضع الحق في نصابه، انه تموضع حقيقي للخير. ان الرغبة بالثواب ليست هي المحرك والدافع الذي يدفع الفاضل الى ان يكون فاضلا، بل ان السلوك الافضل هو رغبة ذاتية صرفة بمستوى (الطبيعي) اختطها الانسان بعد مماحكات عديدة مع الناس والقدر وسعت خبره وتجاربه. اما الانسان السيء الذي اصبحت مجموع تصرفاته في اعلاء الرذيلة ومهاجمة الخير، فهذا وعلى ضوء ما يقتضيه التقدير الحكيم ينال العقاب، والعقاب هنا شعار الادانة الذي يرهب اعداء الفضيلة ويملأهم ذعرا. ان فكرة (الجحيم والنعيم) على اعتبار ان الجحيم هو المأوى الوحيد للاشرار، والنعيم هي مرفأ الطيبين الامناء.

ان هذه الفكرة جاءت جامعة واضعة لكل اسس الاحكام والقوانين والخصال.

ان المقاييس التي نستعملها لتحديد فيما اذا كان فلان فاضلا وفلان رديئا، هي مقاييس مرتعشة وياللاسف وسبب الارتعاش والهالة الدخانية التي تلفها وتعزلها عن العملية الايجابية المشخصة، هو الارتعاش الاجتماعي وعدم اعتياد تحكيم العقل في القضايا العامة. ان اختفاء العقل لاحقاب طويلة برّز العاطفة الهوجاء التي تتغنى بالمتعة الانية واللذة الوقتية مع انها حرمت وتحرم نفسها من السرور الوجداني الفياض والمنشود. ان النعيم يظل نعيما وهو حلم المخلصين للخير، والجحيم يظل جحيما يبتلع اعداء الخير، ومهما تتبدل الاسماء وتتغير الاشكال وتتجدد المفاهيم والقوانين ففكرة النعيم والجحيم تحظى بخلود واستمرارية دائمة. انهما لن يلغيا الا اذا انقرض الجنس البشري، ذلك الجنس الباحث ابدا عن مكانه الظليل الذي يتفيأ بظلاله الوارفة.

يوم الاربعاء: مفاهيم عديدة، كثيرة كلنا نتكلم بها كلنا نستعملها في نقاشاتنا وافكارنا وهجائنا ومدحنا، نستعملها كثيرا ونحن نقابل من يهاجمها علنا بسخرية لاذعة واحتقار بالغ، مع اننا لا نطبق تلك الافكار ولا ندرك حدود استعمالها وطبيعة ذلك الاستعمال. (الحكمة، الفضيلة، الخير، الشر، الرذيلة، السعادة، التفاؤل، اليأس، النفاق، الرياء، الدجل، الشعوذة). وهذا غيض من فيض من مفاهيم تزخر بها لغتنا العربية. كلنا يحب الحكمة ولا يشك احد بقيمتها، وكلنا نعتبرها تاج العقل وزينته، ولكن الكثيرين منا واغلبنا ان لم اقل كلنا حمقى مغفلون. وكلنا يعشق الفضيلة ويتمسح باعتابها وهي تشغل كل وعظنا وارشادنا، ولكننا مع ذلك نعيش وبيننا من يفسد ويزني ويقوم باقبح الاعمال. وكلنا نهاجم النفاق، فهو الرذيلة العظمى وهو اشر الشرور، فان قلنا عن فلان بانه منافق فمعنى ذلك في رأي السامعين اننا وصمناه بسمعة عليه ان يطأطئ رأسه لها خجلا، ولكننا مع ذلك نافقنا وكان نفاقنا جديدا وغزيرا، نافقنا مع الناس، ونافقنا حتى مع انفسنا، ومع ذلك فنحن مستمرون في التجريح والنهش، هذا منافق وذاك منافق.. حقا لقد ضاع محتوى تلك المفاهيم، فما سلاحنا الجدلي اذن في الرد على ذلك الذي يقول: ان الحكمة هي في ان نأكل كثيرا؟ وما جوابنا لذلك الذي يدعي (بان الفضيلة في ان نشرب كثيرا؟) وما ردنا على من يقول (ان النفاق عنوان الحقيقة وليس من حق هناك ابدا) طبعا لدينا ردود كثيرة واجوبة عديدة ولكنها وياللاسف هامشية، فليس المهم ان تقدم الاجابات بل المهم ان تكون اجاباتنا صادقة اي معبرة وعاكسة لافعالنا وتصرفاتنا. انه امتحان عسير لنا نحن الذين وضعنا كل تلك المفاهيم بصورة وكأننا غير مستعدين للتخلي عنها واطفائها، وهذا الامتحان يتمثل في هذا الاهمال الواضح والمنتشر لكل المعاني التي اودعناها ولاءنا وايماننا ودفاعنا.

                                  هل من فلسفة فيها الخلاص من اليأس؟:

اليأس ذلك الذي يملأ كياني الما وضجرا هو علة كل مشاكلي، انا شاب ممتلئ حيوية وعزما، لدي عقل لا يعجز عن التفكير، احب الفن والادب والعلم ولكنني لا ادري ما هذا الهاجس الذي يداهمني على حين غرة منقضا علي بأنيابه ليمزقني ويقذفني الى السعير الجهنمي؟ في الليل عندما اخلو الى نفسي، فأرى الظلمة تنسج خيوطها على فضاء الكون العجيب، وعنده اشعر ان الجميع نيام سواي انا، احس بشيء داخلي يعتصر روحي ويطحنها، فأتذكر كل كئيب في حياتي، اتذكر ايام الالم والمرض والافلاس وكل المآسي التي كانت نصيبي في حياتي، الاصدقاء والذين تفرقوا، هذا في المانيا وذاك في لندن واخر في النمسا، انهم جميعا ذهبوا بلا رجعة فيا لغدر الزمان، كل شيء يمضي ويمضي الى النهاية التي لا ندركها… لا تظنوا اني لا اضحك اطلاقا، بل انا اضحك واضحك بقلب صبياني في مرح يحب العبث والمداعبة والبراءة، ولكن فجأة تجمد شفتاي ويشحب وجهي وتنتابني نوبة جزع مهولة لا ترحمني، لمن ضحكي؟ وايامي معدودة ومصيري مشدود الى الهاوية، ما هذا البيت الذي اعيش فيه؟ انه خدعة فأنا ادرك بان الموت والنهاية السخيفة تترصد خطواتي اينما اذهب، ولن يحميني بيت، ولا ادري ما افتخاري على من لا بيت له، وكلانا سوف نلتقي، بل ربما هو افضل مني، فانا لا ارى الا السقف والشبابيك والجدران وكأني اريد ان ابني سياجا يقيني ويحميني ويبعد عني الموت الاسود، اما ذاك الذي لا بيت له فهو يرى السماء والفضاء ويتنشق هواء طلقا عذبا، انه يرى ويسمع وينطلق مع الطبيعة بلا حاجز ولا حدود فلا يداهمه الموت بل يأتيه كأي شيء عادي فهو من الطبيعة وبها واليها، اما انا فقد سورت نفسي بعيدا عن الطبيعة، وانا اعلم ذلك وغباء ذلك وهذا ما يكسبني يأسا دفينا مقلقا. وهذا اليأس ياله من وحش، انه يمنعني عن انجاز الكثير ويثبط عزمي ويعرقل مشاريعي فأن اردت رسم لوحة فنية، فانني اتوقف عن الاستمرار في رسمها، اكتفي فقط برسم نصفها، وبعد ذلك تراودني افكار لماذا ارسم؟ هل هناك فائدة؟ وطبعا الجواب واضح عن الفن والمشاعر والرغبات والمتعة، وعن ما سوى ذلك من غايات اخر، لكني انبري واخاطب نفسي وهذا ما فائدته؟ لم لا اكتفي فقط بالاكل والشرب والنوم، وادع حواسي تنطلق في عوالمها الخاصة دون ان ارهق نفسي في رسم صورة او تلوين منظر؟.

وعندما اريد كتابة موضوع معين او مقالة او قصة اتذكر فجأة (شيلي) و(شوبان) و(همنغواي) كلهم ماتوا، اكلهم الدود، وما قيمة كتاباتهم ما داموا هم الان مع الديدان التي احتقروها وفي الحفر التي بصقوا عليها، ويكسبني ذلك يأسا ممضا فأتوقف عن الكتابة كما اتوقف عن الرسم وبعد ذلك احس بأن كل ما اعمله واقوم به عبث لا طائل من ورائه. انهم يقسمون الموت الى موت معنوي وموت حقيقي، وانا اليائس قد جعلني اليأس في حالة من الموت المعنوي لقد قرأت افكارا كثيرة واشعارا كثيرة وفلسفات وقصصا كثيرة، وطربت له وصفقت نفسي اعجابا، ولكن الى متى؟ وهل استمرت تلك المتعة بحيث تغمر كياني بنور تفاؤلي دائم؟ لا.. ان ذلك التأثير ظل لامد قصير محدود، وبعدها عاد اليأس يسلب ارادتي وينشر الظلمة في اعماقي ويبلبل افكاري فأظل موزعا مشردا فاقدا للثقة.

انا اعرف تماما ان اليأس مرض ينبغي الخلاص منه، فهو يبدد العزم وينسف الارادة ويقتل روح الابداع ويخنق العبقرية ويدفن النبوغ، وانا اعلم ان الانسانية لم تصل الى هذا الحد من الاكتشافات والاختراعات والانتاج الحديث الا بالعزم والتصميم ودحر اليأس، انها لو تركت لليأس ان ينخر في كيانها ويمتص من حياتها لما وصلت الى ما توصلت اليه بتاتا.

وانا اعلم ان الزعماء والقادة والمفكرين والفلاسفة والنابهين، كلهم لم يبلغوا مكانتهم الا بنبذهم اليأس فلم يدعوا له مجالا ان يعيش معهم، رأوا فيه خطرا على مطامحهم فأبعدوه منذ البداية وبذا توغلوا كل في طريقه التي اختطها لنفسه، فنالوا التقدير والثناء والتمجيد.

اني اعلم كل هذا واعلم اكثر من هذا،ولكني مع ذلك لا استطيع دحر اليأس كل الاحيان. وفي الحقيقة انا لا اؤمن بالمجد بل بالتمجيد فنحن الذين نمجد امواتنا دون ان يستفيدوا شيئا من تمجيدنا هذا وانا لا اؤمن بالخلود بل بالتخليد فنحن الذين نخلد دون ان ينفع تخليدنا مفكرا مات او زعيما ذوى. والتمجيد والتخليد نفسهما لا ينفعاني اطلاقا بل يزيدان يأسي ويجعلاني اشهد بعمق المهانة وحدة الصفعة.

فهل من حل يا ترى؟ وهل من طريق للخلاص من هذا اليأس اللعين؟ انني عائش في مجتمع غير منظم، مجتمع يعاني ارتباكات كثيرة في الاقتصاد والتقاليد والافكار والثقافة والحب لذا فلا عجب في ان اكون انا معقدا وتجتاحني نوبات اليأس الشديدة، فيأسي هو امتداد للحالة الصراعية الناجمة عن فقر المجتمع ورغبته في الامتلاك المادي والمعنوي، فيا ترى لو زال هذا الصراع ولو انتصب المجتمع على قدميه، ولو شمل المجتمع قدر جيد من الثقافة والافكار والتنظيم البناء فهل من داع اذن لليأس؟ انا ادري ان بواعث اليأس في كياني كثيرة وذلك لان بواعث اليأس في كيان المجتمع عديدة، وعندما تزول بواعث اليأس الاجتماعية فسوف يخفت اليأس رويدا رويدا وتزول حدته ويتلاشى. هذا ما اؤمن به واسطره على الورق، ولكني لست مؤمنا به فعلا، فأنا انظر للحياة نظرة قاتمة لان الموت يشغل كل تفكيري ويعطي لكل ما اقوم به صفة اللامعنى، ويجعل لوجودي طابعا هو في ذاته صورة من (اللاوجود) وكم ذلك مؤلم وشاق ويورد التعاسة. لقد بحثت كثيرا عن الفلسفات التي تزخر بالحكمة والتفاؤل والاستبشار والخير والسرور واثرت بي تأثيرا حسنا. ولكن كان موقتا وطارئا وزائلا وعلتي في ذلك التفكير هو انني بتأكيدي على الموت على اعتبار انها ختام لمصيري انما اجعل لذاتي المرتبة الاولى والعليا فلا افكر الا لها دون ان اجعل نفسي معتادا على العيش من اجل المجموع. ان العيش من اجل المجموع يحل تلك المشكلة وفلسفة العيش من اجل المجموع تعطي الحلول الناجعة، ولكن ذلك شاق وعسير، فالمجموع الذي ليس لديه استعداد لان يعتني بك على الاقل لا تستطيع ان تعيش من اجله بكل بساطة، ولكنني مع ذلك جعلت شعاري هو الحياة من اجل المجموع، فلعل في ذلك الخلاص من نزوات اليأس والاسى والجزع المقيت.

                                            الفلسفة والسعادة

السعادة هذه الكلمة كم هي محيرة ومطاطة، فأنا لا ادري لماذا اصطلح عليها البشر هم البعيدون عنها كل البعد والذين لم يتمكنوا من نيلها قط في يوم ما.

والسعادة كما قلنا لا وجود لها بذلك الاستطراد الاطلاقي ولكن من الممكن ان نقول بأن لها معنى نسبي نتعارف عليه نحس بذلك الشعور بالرضا والحبور والقناعة نتيجة مجهود معين. ولقد تساءلت كثيرا عن ذلك الشيء الذي يناله الانسان لكي يمكن ان نقول عنه بأنه سعيد، وشيئان اساسيان في عرفي وفي عرف كل الناس يتجاذبان السعادة وكل من هذين الشيئين يعطيان للسعادة قبسا من عنده فما هما هذان الشيئان؟

انهما الغنى والفضيلة. فالناس يعتبرون الغني هو الوحيد الذي يملك السعادة يحق له ان يتكلم عنها كثيرا. ولكن ذلك في الحقيقة تفكير بدائي لان الاثرياء قد يكونون سعداء لوقت معين ولكن قانون ثرواتهم الذي يجعلهم عبيداً لها يتعبهم كثيرا ويفقدهم راحتهم وسعادتهم.هذا علاوة على ان الاجيال كلها تنظر بشر لقارون واشباهه الذي ظنوا ان السعادة في يمينهم وليس في الارض من هو اسعد منهم ان هؤلاء انتهى وجودهم بوفاتهم لذا فهم بعيدون جداً عن السعادة العظمى والحقيقية التي نعتبرها الرمز المعنوي الذي يصبو اليه الوجود الانساني. اما الفضيلة فهي التي تحاول بكل تواضع ان نلحق اسم السعادة بمجالها وجوها وان السعداء الذين تنظر اليهم البشرية باحترام وتقديس هم اولئك الذين يموتون لمثلهم وافكارهم ومبادئهم.

ان الايمان بالمثل والمبادئ ذلك الايمان الحقيقي الذي يجعل من الجسد مهبطا له، ان هذا الايمان هو السعادة الصارمة بالنسبة للفرد والمؤمن، فهذا الفرد لا يحس بأنانيته التي تشوه معنى السعادة وتوسخها بقذاراتها القبيحة، ان المصلحة الخاصة هي التي تجعل من المفاهيم سلاحاً ذا حدين، فعندما يتصور المرء انه سعيد اذا اكتنز مالاً اكثر، او اذا اشاد قصراً جميلا اوسع، او اذا ارتدى ملابس بديعة . ازهى فأن هذا الشخص اولا ليس سعيدا ابداً وثانيا ان انانيته ومطامعه تدنس مفهوم السعادة الروحي الذي ينعش الوجود انعاشا كاملا مثيرا للتفتح والتجدد والاستمرارية.

والذين يريدون السعادة في ظروف يجدون من العسير فيها ان ينمو شيء اسمه سعادة، وان اولئك مثلهم كمثل ينتظر ظهور النجوم في ظهيرة عالية، وهم في الحقيقة سرعان ما ينقلبوا من نشدان السعادة الى جبناء مذعورين يخافون من ظلهم وينظرون لكل شيء بأرتياب وتشاؤم وتوجس.

ان السعادة لن تكون مادام الالاف في شقاء مقيم. هذا ما تدركه الانسانية بأكملها لذا يبدو مفهوم السعادة لديها مفهوما لا معنى حيا له. والفلسفة لا تستطيع ان تمنح الناس السعادة والذين يطلبون من الفلسفة ذلك انما هم اغبياء مصابون بعته وبله. ان الاستغلال مادام قانونه ساريا في العالم فأن السعادة تظل في  خبر كان، فالاستغلال يجعل التضاد قائما بين الفئات الانسانية ويبقى التناحر وتبقى المصادمة والمخاصمة، فسعادة البعض مبنية ومشادة على تعاسة الاخرين، فالسعادة اذن لا تأتي الا اذا كان المجتمع مشادا على دعائم وطيدة من العدالة والمحبة والخير المشترك.

 ان الفيلسوف سعيد لانه يحيى من اجل افكاره وفلسفته، ولا اقصد بذلك الفيلسوف المستعد ان يتنازل عن فلسفته نتيجة لضغط معين، ان هذا في الحقيقة لم يعط لفلسفته الجدارة بالتضحية من اجلها فتظل قليلة الشأن، اما الفلاسفة والمفكرون والفدائيون وجميع اولئك المستعدون لان يهجروا كل منافعهم من اجل غايات سامية عظمى، فهؤلاء هم السعداء حقا وهم الجديرون بمحبة البشرية وعطفها. ولنعد للتساؤل من جديد هل ان البائس لا يعرف معنى للسعادة؟ لا ثم لا.. فالبائس اذا وجد ما يؤمن به ويعيش من اجله فأنذاك يطلق البؤس فلنسمع قصيدة الطفل البائس الذي يرى سعادته فقط بالبارود والرصاص لتحرير اليونان:

(مر الاتراك من هنا..

فبان كل شيء خرابا وحدادا

ولم تعد (كييوس) جزيرة الخمر الا صخرة جرداء.

كييوس التي كانت تظللها الادغال

كييوس التي كانت تنعكس على الامواج ظلال غاباتها الكثيفة

وظلال سفوحها وقصورها وظلال الراقصات المغنيات

عند المساء احيانا من جوقات بناتها.

لقد خلت الديار من اهلها

الا طفلا ازرق العينين

وحيدا قرب جدران مسودة

هو طفل يوناني جالس

وقد حنى رأسه ذلة وخضوعا.

آه ايها الطفل البائس

الحافي القدمين على الصخور الشائكة

ما تريد؟

اتطلب زهرة ام ثمرة طيبة

ام انت تطلب الطير العجيب؟

فقال الطفل اليوناني:

الطفل الازرق العينين

(اريد يا صاح بارودا ورصاصا)).

ان هذا اليأس لم يعدم السعادة، بل عرف كيف يجدها، انه يجدها في البارود ليحرر امته، انه يمنح حياته لامته فيكسبها خلودا ومجدا وسعادة وراحة لا تحُد وهنا تكمن السعادة، فالذين يربطون مصائرهم بمصير امتهم ووطنهم انما هم الذين يترفعون عن صغائر الامور فلا يعرفون الالم لانهم يعيشون لذة متصلة الحلقات، انها السعادة العامرة، السعادة في ان الشخص اكبر بكثير مما هو عليه لانه هو امته، منها ولها وبها تكون حياته واماله وغده وافكاره وهذه هي السعادة القصوى التي لا تعرف تفاهة الاسى واليأس ولا وخز العذاب بل هي مشاعر غبطة جارفة تحول الالم الى رغبة وسعادة فالباحثون عن الالم لا يتألمون لانهم لا يخافون الآلام وهم وحدهم السعداء وطوبى للسعداء الذين يجعلون من اعمارهم فكرا يضيء الدرب للاخرين.

عزيز السيد جاسم

العمر 19 سنة ــ الناصرية

مشاركة