العربية لغة معملية تشريحية في جميع الجوانب – شهرزاد العربي

1022

2

المعجم اللّغوي للطفل.. النشأة والنهايات

العربية لغة معملية تشريحية في جميع الجوانب –  شهرزاد العربي

يبدأ الطفل العربي بالتَّعامل مع القواميس منذ الصغر، حيث توجد هناك قواميس صغيرة تعتمد على الصورة إلى جانب الكلمة لتعريف الطفل بمسميّات الأشياء من حوله، ويتدّرج في مراحل عمره المختلفة للتعرف على الكلمات والأفعال والصَّيغ التعبيرية وغيرها مما يحتاج إليه، وتزخر المكتبة العربية بهذا اللّون من الكتابات، وهذه يمكن أن نطلق عليها اسم” القواميس المدرسيًّة”، إذا صح التعبير، ومع الزمن تتقلص حاجة الطفل أو الطالب للإستعانة بالقواميس، وتبقى هذه الأخيرة مقصورة على أهل الاختصاص من الذين يدرسون اللغة العربية.

ومع هذا الانقطاع أو البتر المفاجئ، يتوقف نمو اللغة بين الأطفال والمراهقين، لأن لديهم ـ في نظر بعض ممّن يشرف على المناهج الدراسية والعملية التربويّة ـ ما يكفي حاجتهم، وهذه رؤية مردود عليها، ذلك أننا عندما نٌسلّم أن اللغة، أيّ لغة في العالم، قابلة للتطور، وبالفعل هي تتطور حسب حاجات الناس، فإن هذا القطع للغة العربية غير مبرر، وموضوع بحثنا اليوم، يكشف على أن اللغة العربية قادرة على أن تطوّر نفسها لتصمد أمام كل التحديات التي تواجهها.

على مدى أكثر من عشرين عاماً، كتابةً، في مجال أدب الطفل، واجهتني مشكلة اللغة الصعبة، والتي كان أصحاب دور النشر يلاحظونها في نصوصي ـ طبقا لفهمهم ـ وكنت أستغرب هذا الرد، وأرى أنه حُجَّة مٌؤدَّبة لرفض العمل، لكن مع الأيام أدركت فعلاً أن معظم دور النشر العربية تعتمد في أسلوب الكتب المنشورة على ركاكة وبساطة في التعبير، تجعلك لا تتذوق شيئاً مما قرأته مهما كانت الأحداث ممتعة ومشوقة.

اللغة هي: ذائقة أولاً، وإحساس ثانياً، والطفل ـ أو غيره من القرَّاء ـ إذا لم يتذوق الكلمة في لسانه فلن تنفذ إلى عقله ووجدانه، ثم علينا أن نكون قادرين على البحث في جمال الأشياء ونعلم الطفل منذ الصغر هذا الموضوع، أي كيفيّة الشعور والإحساس بجمال كل شيء من حوله.

حب الذّات.. واللّغة

هذه الروح التي يجب أن يتعلمها الطفل لتكون أسلوب حياة، تنعكس فيما بعد على كل تصرفاته وأفكاره وأحساسيه، وحب الذات ليس جريمة وليس تصرفاً أنانياً، بل هو سلوك حضاري، لأنك إذا أحببت ذاتك استطعت أن تفهمها، وعندما تفهمها تستطيع أن تمنهجها، وذات الفرد هي جملة من الأشياء المترابطة والمتماسكة مع بعضها البعض، فمثلاً أنت تحب والديك وأسرتك ومحيطك الضيقّ ثم محيطك الواسع، ويأتي الوطن بعد ذلك، وتأتي اللغة مع الوطن، فتُشكّل شخصيتك في مواجهة الآخرين، وإنه لمن الفطرة السليمة أن ينشأ الإنسان على ذلك، وإلا سوف تضيع الحكمة من خلقنا، وسيكون من المشين أن ننكر أي عنصر من عناصر حياتنا وننظر إليه على أنه يعيقنا أمام الآخرين، كما نفعل مع بعض التقاليد والعادات، ونفعل كذلك حتى مع أوطاننا، وللغة نصيب الأسد في هذه المسألة، فنبدأ بالتملص منها، والادعاء بأنها أصبحت لغة لا تواكب العصر.

لقد شَهد الناطقون بألسنة غير عربية على ثراء هذه اللغة واهتموا بها اهتماماً كبيراً، وأُنْشِئت المدارس والجامعات للتعريف بها، وحثّ أهل البلد على تعلمها، وفي الواقع فإن اهتمام الغرب بالأمة العربية غارق في التاريخ بسبب مجئ الإسلام، وانتشار العرب ومعهم اللغة العربية في كثير من أصقاع البلاد.

فمثلاً، اهتم الكتاب الفرنسيون والإنكليز وغيرهما بوضع قواميس للغة العربية، ويمكن الإشارة هنا إلى قاموس بعنوان” تطور مبادئ اللغة العربية الحديثة” للكاتب August F.J. Herbin طُبِع في سنة 1803 وجاء في مقدمته ما يلي:” كل يوم تتطور علاقتنا مع المشرق، وتأخذ خاصية جديدة، غير أنه مع الوقت أصبح الترجمان نادر الوجود، كما أصبحت هناك صعوبة في الحصول على المراجع للراغبين في تعلّم اللغة العربية، وهناك صعوبة أخرى هي مواد النحو والصرف، فالقواميس المتوفرة كانت باللغة اللاتينية، مما سبب لسوء الحظ إهمال هذه اللغة لسنين عدداً”.

ثم يشير الكاتب أوغست إلى سلفستر دي ساي Silvester de Sacy وعبقريته وجهوده في مجال وضع قاموس عربي ـ فرنسي، ويعتبره أول من ألَّف بالفرنسية، لكن لم تتم طباعة هذا الكتاب، ويستعرض الكاتب في مقدمته أموراً أخرى خاصة بطرق البحث والمصادر وغير ذلك، ثم يأتي على ذكر جملة مهمة، حيث قال:” سيلاحظ القارئ أن هناك كلمات فرنسية غير موجودة اضطررت إلى خلقها”، وهو هنا يستعمل كلمة “خلق” لكي يعبر تعبيراً دقيقاً عن الكلمة في اللغة العربية، كلما استدعت الضرورة لذلك للتوضيح بشكل أفضل.

وقد جاء في قاموس أوغست كلمة “ترجمان” وأرفقها بكلمة Drogman وهي بالفرنسية، لتكون هذه الأخيرة كلمة مشتقة من كلمة ترجمان، وهي ليست كلمة فرنسية، وبالعودة إلى قاموس” لو بيتي روبير” Le Petit Robert نجده يحدد لنا المدة الزمنية التي ظهرت فيها هذه الكلمة، غير أنه يذكر القرن دون تحديد السنة، وهو القرن الثالث عشر ميلادي، ويورد جملة للكاتب” شاتو بريون” Chateaubriand استعمل فيها هذه الكلمة، مع أنه يوجد في الفرنسية ما يؤدي معناها Intprete وأيضا مع أن الكلمة مستعملة منذ سنة 1321.

من ناحية أخرى، يركز قاموس أوغست على اللغة العربية العامية، غير أنه يشير إلى وجود قواميس كثيرة للغة العربية الفصحى، ويعبر عنها باللغة القديمة، في حين يعبر عن العامية باللغة الحديثة، إلا أنه يقدم في صفحاته العامية مقابلة لها الكلمة بالفصحى، مترجمة إلى الفرنسية، مع الإشارة إلى اختلاف اللهجات من بلد إلى آخر.

العرب.. وحضارة اللغة

إن الدعوة إلى تبسيط اللغة، وحصرها في عبارات قليلة، يهدم خاصيَّة امتازت بها اللغة العربية على غيرها من اللغات، ومن المؤسف جداً أنه بدل أن نبحث في أسباب ثراء هذه اللغة نحاول إفقارها، والمتأمل فيها لا يسعه سوى أن يتساءل عن هذه الأسباب، خاصة وأن اللغة العربية محفوظة في القواميس، ونحن ندرك أن العرب لم تكن لهم حضارة تتطور معها اللغة حتى بلغت هذا المقام العالي الشأن، وكما ذكر” أحمد فارس” في مقدمته لكتاب لسان العرب لابن منظور بعد أن يتحدث عن شهادة الآخرين عن تفضيل اللغة العربية على سواها من اللغات، يقول:” إن التفضيل يزداد بياناً وظهوراً، ويزيد المتأمل تعجباً وتحيراً، إذا اعتبرت أنها لغة أميين لم تكن لهم فلسفة اليونانيين ولا صنائع أهل الصين”.

مع هذا التّأَمُّل، لا يسع المرء سوى القول:” أن العرب بنوا حضارة اللغة”، وهي حضارة فريدة من نوعها لم يسبقهم أحد للوصول إليها ولا لحقهم بها، ويمكن أن نضيف هنا: تجربة أهل مكة الخاصة بإرسال أبناءهم إلى البادية لتعلم اللغة الفصحى، وهي بيئة فقيرة لا تحتاج ممارسة الحياة فيها إلى كمّ من المفردات.

من هذا المنطلق كان لابد من الاهتمام بهذه اللغة وتقديمها للطفل العربي ليظل عالماً بها، محباً لها، قادراً على استعمالها، وإيماناً مني بعقل الطفل العربي، تفاعلت معه بما يحترم القدرات التي حباه الله بها، لذلك لم أكن أخشى وأنا أخاطبه من استعمال أيّ مفردة وإن بدت غير معروفة أو صعبة، لأنه في مرحلة الجمع والتحصيل، وأثناء عملية الجمع سيفهم بنفسه هذه العبارات وطرق استعمالها، ولم تكن هذه مجرد تجربة طبقتها، إنما كانت أسلوب حياة، وفي كل مرة أتأكد من نجاح فكرة عدم الخوف على الطفل من لغته الأم، لأنه إن خشينا عليه وبسَّطنا اللغة له، نكون قد أعقنا تطور هذه اللغة وأعقنا ملكاته الذهنية والوجدانية.

ميلاد القاموس.. وجرأة المركز

 إن التفكير في إنشاء قاموس للأطفال، كانت وراءه أسباب كثيرة، نذكر أهمها على النحو التالي:

 أولاً ــ كٌنت أردًّ على الذين يستهينون بالطفل العربي، ويدَّعون عدم قدرته على الفهم والاستيعاب، ولذا وجب الترفّق به، وكان مصدر هذه الفكرة يأتيني من أصحاب دور النشر، الأمر الذي كنت أستغربه، وحجتهم في ذلك هي: أن أولياء الأمور هم الذين يحتجون على صعوبة اللغة، ويخضع صاحب دار النشر لذلك، لأن الآباء هم من يدفعون له.

ثانياً ـ أردت أن أرفع التَّحدي إلى أعلى مستوياته، لأنني دخلت مجال الكتابة للطفل بدافع تصحيح وضع رأيته آنذاك خاطئاً، وهو هشاشة ما يقدم للطفل العربي من حيث المادة والفكرة أيضاً.

ثالثاً ــ اخترت موضوع التحدي، وهو اللغة العربية، ففكرت في إنشاء قاموس فريد من نوعه، في فكرته ومحتواه، وكلما واجهتني صعوبة المادة على الطفل أزددت إصراراً على ضرورة الحفاظ على المستوى الفكري واللغوي الذي أخاطب به الطفل، وقد تعطلت كتاباتي لسنوات بسبب العناد والإصرار على صواب ما أرمي إليه، إذْ كان ذلك يتأكد لي يوماً بعد يوم، كما كان جبن دور النشر من اقتحام الصعب يزيد من جدوى المقاومة لأجل إثبات فكرتي.

وخلال سنوات مرت، كنت كلما تطلعت للكتب الغربية ورأيت موضوعاتها وأساليبها، تمنيت أن يكون الناشرون العرب في مستوى التحدي والمسؤولية، ففي الغرب يتطرق كتّاب أدب الطفل إلى شتى المواضيع، حتى أنه وقع بين يديّ كتاب موجه للأطفال في سن ست سنوات عن أفلاطون، صدر هذا الكتاب لمؤلف إيطالي عرض بشكل مبسط هذا الفيلسوف ونظرياته للأطفال، وهذه هي الجرأة التي امتاز بها غيرنا وحرمناها.

وفي الوقت الذي وجدت فيه من يقتنع بذكاء الطفل العربي ولديه استعداد تام لتمويل هذا القاموس، حدثت ظروف خارجة عن إرادته، فتوقف العمل من جديد، إلى أن جاء مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام فتحمس لهذه المبادرة، وهي جرأة كبيرة منه، وانجاز سيحسب له في مجال أدب الطفل العربي.

عندما فكرت في القاموس للأطفال، طافت بذهني أفكار ورؤى كثيرة، استحسنتها كلها، لكني استقريت في آخر المطاف على أن يكون قاموساً قصصياً فريداً يجمع بين القصة والمفردة، وكنت عندما أشرح لبعض أصحاب دور النشر الموضوع، يفهمون منه، أنني أستعمل نصاً أوظِّف فيه عبارة العطش مثلاً، أي أنهم لم يستطيعوا فهم عمق الفكرة التي كنت أطرحها، وبالشكل الذي كتبته، والحمدلله بعد أكثر من عقدين خرج إلى الوجود بالطريقة التي تمنيتها ليكون بين يدي الطفل العربي، فشكرا لصاحب السمو الشيخ سلطان بن زايد على هذا الدعم للثقافة العربية، والاستثمار في أجيال الغد، وشكرا لمركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، والشكر موصول للجنة القراءة التي شاركتني همومي وتحمست بقوة لإصداره، وخاصة الأستاذ منصور المنصوري.

في الواقع، كنت سعيدة وفخورة بما توصلت إليه من أن أجعل الكلمة هي بطل قصصي، وهي التي تدور في فلكها الأحداث.. لقد أعدت لها روحها التي أرادوا سلبها إياها، فأعطتني أكثر مما أملت، فجاءت أحداث كل قصة سلسلة تنساب مع العبارات انسياباً، وتقود الطفل مباشرة لاستيعاب كل شيء.

إشكاليّة القاموس

ومن بين الصعوبات التي كنت أواجهها، هي الأحداث والشخصيات التي سترافق الكلمات، ولم أعر اهتماماً للقيمة التي يجب أن تكون موجودة في كل قصة، فقد جاءت بشكل تلقائي ليكتمل العمل في كل جوانبه.

أنا لسْتُ متخصّصة في اللغة العربية كدارسة، غير أن ما أقدمت عليه كان من باب لفت الأنظار لهذا الكنز، ثم التحدي، ثم التأكيد على أن المسألة بسيطة وجميلة في الوقت نفسه، ففيما يخص لفت النظر كتبت بلغة أراها مناسبة للطفل،و مفهومة لديه، فقد كنت أقصد اللغة في حد ذاتها لجمالها، كما أنني أردت أن أضيف إلى مكتبة الطفل العربي مبادرة جديدة بدت بالنسبة لي غير موجودة  في الأسواق.

 أما عن التحدي، فإنه يكمن في صعوبة الموضوع، لأن جعل القاموس يأخذ شكلاً عملياً إبداعياً لم يكن بالفكرة التي تجد قبولاً لدى الآخرين، ذلك أن نجاح أيّ عمل لابد له من طرفين، أولهما الطرف المنتج، وثانيهما الطرف المتلقي، وإذا أردنا قياس النسبة بين الطرفين، فعلى الطرف الأول الذي هو المنتج، وأقصد هنا الكاتب تحديداً، أن يكون قد فاق النصف الباقي من المتلقي وهو المستهلك أي الطفل القارئ، وبرغم صعوبة الجزء الخاص بالكاتب، يظل الجزء الخاص بالقارئ أيضاً لا يخلو من صعوبات وعراقيل قد تؤدي للفشل ولو بشكل آني.

لقد أطلقت اسم القاموس على هذا العمل، وربما لا ينطبق عليه الاسم إذا أخذنا في الاعتبار التعريف بمعنى القاموس، وسأذكر التعريف الذي أورده د. أحمد محمد المعتوق في كتابه المعاجم العربية، حيث يقول:” هو الكتاب الذي يضم مفردات اللغة أو يضم طائفة منها، مرتبة ترتيباً خاصاً، كل مفردة منها مصحوبة بما يرادفها أو يفسرها أو يشرح معناها، ويبيّن أصلها أو اشتقاقاتها أو استعمالاتها، وقد يُوضِّح أصلها، ويٌبيّن طريق نطقها، ويذكر ما يناظرها أو يقابل معناها في لغة أخرى”.

وإذا تفحّصنا التعاريف الأكاديمية للمعاجم، أجد القاموس القصصي يأخذ حيزاً صغيرا فقط، لأن كل قصة حوت مجموعة من الكلمات اتَّحدت في المعنى أو الغرض الذي يتم الحديث عنه، تحكمت فيَّ جملة عناصر، منها على سبيل المثال لا الحصر: الهدف العام من هذا العمل، والمادة المتوفرة لديَّ، لأن الكلمات التي كنت أرتكزعليها منها ما يعيق استيعاب موضوع القصة، وتعجز آليات الكتابة عن توظيفها كلها كما هي الحال فيما يخص أسماء الأسد والناقة وحتى الذئب وغيرها، ثم بعد ذلك كلّه تأتي المرحلة العمرية، فقد اخترت ـ بوعي، أسماء الأشياء بما يتلاءم مع المرحلة العمرية التي توجهت لها بهذا القاموس، ثم صعدت بعض الشيء في عمر الطفل من خلال الصفحة أو الصفحات الأخيرة، بأن أضع الفائض من الكلمات التي لم يتم توظيفها في النص القصصي، آملة أن يجد بعض الأطفال الجرأة لقراءتها أو أخذها ومحاولة الكتابة على نفس النسق، فيحصل الطفل على تجربة خاصة، ممتعة ومفيدة.

تشير المعاجم أيضاً إلى الكلمات التي تحمل أكثر من معنى، فقد جاء القاموس القصصي خالٍ من هذا الجانب، لأنني كما سبق القول مزجت بين القاموس والقصة فتحكمت في المفردات مرة والنص مرة أخرى، وفيما يخص هذه النقطة، وهي الكلمة ذات المعاني المختلفة، فكرت في إنجاز قاموس على منوالها، لكنني لم أصل إلا إلى قصص غلب عليها طابع اللعبة المسلية الملائمة لفئة عمرية صغيرة، فاستبعدتها لأنني في واقع الأمر لم أكتب إلا لفئة أراها بين الثامنة والحادية عشرعاما، ثم أملت أن يجعل كُتًّاب الطفل من المعاجم اللغوية مادة يكتبون ويبدعون فيها للطفل، ويقدمون له من خلالها ألعاب فيديو ومسرحيات وكتباً وغير ذلك.

” حكاية الإوزَّة الأم”

في المدارس الغربية، يتنافس الكتاب في وضع قواميس للأطفال وتحقق نجاحاً باهراً، وكلما اطلّعت عليه كان يخص المراحل العمرية الأولى، ويبدو لي أنه ما من لغة ستكون في ثراء اللغة العربية، حيث تسمح للكتاب بإبداع أعمال خلاَّبة، هنا أتذكر أن أحداً كلمني عن ترجمة هذه القصص إلى لغات أخرى، فقلت له:” أن هذا الَّلون من القصص لن يستيطع أحد ترجمته، لأنك إن وجدت مفردتين أو ثلاث في اللغة المترجم بها، فلن تجدها في لغة أخرى، وإن وجدتها في قصة فسوف تعجز حتماً عن إيجادها في القصة الثانية، لأنه في هذه الحالة سيضيع المحتوى”.

لا أريد أن أتحدث عن القاموس القصصي دون التطرق إلى أدب الطفل عموماً في أوطاننا العربية، فنحن لا نستطيع القول أننا نملك أدب طفل بالمواصفات العالمية، حيث لا نزال في بداية الطريق نحو تأسيس مثل هذا النوع من الأدب، وأكثر ما نأسف له أننا مازلنا نخطو خطواتنا الأولى نحوه، فليس هناك أسماء كثيرة لامعة مختصة في هذا اللون من الآداب، والقلة الموجودة لا يمكن أن تغطي مساحة العالم العربي وتلبي حاجاته، ويمكن أن نرجع هذا التأخر لعدم إيماننا بأن أدب الطفل فن يحتاج إلى مهارات عالية، ليتم إتقانه والإبداع من خلاله.

عملياً، لقد سيطرت هذه النظرة على أدب الطفل في أول نشأته في فرنسا خلال القرن السابع عشر، حيث يعتبر الكاتب الفرنسي شارل بيرو Charles Perrault  أحد رواد هذا الفن، بإصداره مجموعته القصصية للأطفال بعنوان “حكاية الأم الإوزة ” سنة 1697? لم يضع بيرو اسمه على المجموعة بل أصدرها باسم ابنه بيير دارمنتور، وعندما حققت نجاحاً مذهلاً لم تحققه كتبه الأخرى، أصدر بعد ذلك مجموعات أخرى حاملة اسمه.

 جاء ـ بعد شارل بيرو ـ كتاب كثيرون أثروا مكتبة الطفل بموضوعات شتى، كما واكبوا ما كان يصدره الكتاب الإنجليز في هذا المجال، لأنهم كانوا الأسبق في التأسيس لأدب الطفل من الفرنسيين، واعتمدوا على كثير من الكتب الصادرة بلغات أخرى وقدموها للأطفال والمراهقين أعمالا، مثل” دون كيشوت”، والملاحظ أن دون كيشوت مازال حتى اليوم مادة خصبة لكتاب أدب الطفل، حيث تحتوي المكتبة الفرنسية على عشرات العناوين لهذا الكتاب الذي أحدث ضجة في العالم منذ صدوره سنة 1605 مخصصة لأعمار مختلفة تبدأ من سن ثلاث سنوات فما فوق ــ ودون كيشوت معروف أنه للكاتب الإسباني ميغيل دو سيرفونتيز، والكتاب الثاني هو” أسفار غوليفير” للكاتب الإنجليزي دانيال ديفو، ثم كتاب” روبنسون كروزو” لجوناثان سويفت.

وساهم كبار الكتاب في النهضة بأدب الطفل من بينهم: جيل فارن، وجيل رونار، كما دعم جان جاك روسو أدب الطفل، حيث أصدر كتاباً بعنوان “إميل” اهتم بدراسة الطفل كونه كائن مستقل بذاته، كما أوصى بقراءة كتاب روبنسن كروزو لكاتبه الإنجليزي دانيال ديفو، كما كان لكتاب غوليفير نصيبه من النجاح عند الأطفال.

عصر” هاري بوتر”

وظلًّ الكتاب يجذب الطفل لفترة من الزمن، تراجع بعدها قليلاً، وأرجع المهتمون بالموضوع السبب إلى الظروف الاقتصادية، لكن الرافضين لهذه الفكرة احتجوا بأن أدب الكبار لم يتأثر بشيء من هذا، وقالوا:” إن السبب هو اخترع الدرًّاجة، حيث عصفت هذه الأخيرة بحب القراءة، وبعثرت الذهنيّات الوطنية على الطرقات”.

وظلت القراءة تتمايل صعوداً ونزولاً، وتصدى لها أهل الخبرة والمنفعة بشتى الوسائل لإعادتها إلى الواجهة.

يتأثر أدب الطفل بعضه ببعض، سواءً أكان الكتاب صادراً في إنجلترا أو بلجيكا أو إسبانيا أو غيرها من البلدان، وليس هناك من دليل أكثر وضوحاً من كتاب” هاري بوتر”، فكما أعاد الناطقين باللغة الإنجليزية إلى القراءة والتمتع بها، كذلك فعل في الدول الأخرى بما فيها العالم العربي، فقد استطاعات” جي كي رولينغ” أن تجعل القارئ يستمتع بكل ما يقرأ، واجتاحت الرغبة في القراءة أطفال العالم، وزادت مبيعات بعض الكتاب في هذه المرحلة، خاصة إذا احتوى الكتاب على عناصر الإبداع التي تشجع الطفل على الجلوس في مكان واحد لساعات يستمع بكل ما يقرأ. هذه نبذة موجزة عن أدب الطفل في عمومه، سعيت من خلالها إلى  التركيز على جنس معين من الأدب، وهو الخاص بالقواميس أو المعاجم، وهناك تجارب ناجحة عبر العالم بهذا الخصوص، كما أن القاموس يرافق الطفل منذ نعومة أظافره، ويزيد ظهوراً عندما يجلس على مقاعد الدراسة، ولكل مدرسة فكرتها وطريقــتها في مساعدة الطفل على تحصيل كم كبير من المفدرات.

وفي تبرير الفرنسيين لفكرة مشروع إنشاء قاموس في المدرسة، يقولون:” إننا نعتقد أنه بممارسة الحدادة نصبح حدادين كما يقول المثل، بشرط أن نضفي المتعة”.

وتسير العملية على هذا النحو، حيث تقوم المدرسة بجمع الكلمات يوماً بعد يوم، وكل كلمة لها اشتقاقاتها، ويسهم الطفل في ترتيبها، أي يشارك الأطفال في تكوين قاموسهم الخاص المرتب أبجدياً من قبلهم، ومع نمو هذا القاموس سوف يُعْطى الطفل فكرة عن التدريس، ويتعلّم ترتيب الأمور حسب خصائصها، ويُمِكَّنُه ذلك من إحراز المقدرة على خوض عالم الكتابة.

تجارب الآخرين في مجال القواميس عديدة ومتشعبة، وهناك قواميس تحمل تواريخ بدء استعمال الكلمة، وهذه الظاهرة يمكن أن ترصدها في القاموس الفرنسي لوبوتي روبر، في طبعته الصادرة سنة 1967  حيث لم يكن هذا القاموس يؤرخ للكلمات، لكنه جاء في الثمانينيات بقاموس آخر بنفس العنوان، لكن هذه المرة حرص على وضع تاريخ استعمال اللفظة كدليل على تطور اللغة ومواكبتها للعصر، وهذه الخطوة تعتبر طريقه إثبات لتطور اللغة.

 وبالنسبة للعربية، فإنه من خلال بعض ملاحظاتي أثناء التجوال بين المعاجم، فهي تطورت بعد مجئ الرسالة، أوّلا: لأن القرآن جاء حاملاً عبارات لم يسمع بها العرب من قبل، وثانياً: أحكام الإسلام في أمور الحياة فرضت هذا التطور الذي أصاب اللغة العربية، مثال على ذلك، كلمة شاعر إسلامي، التي خصت الشعراء الذين لم يدركوا الرسول ولا أصحاب، أي اقتصرت على من عاصروا التابعين، وهناك مثال آخر يمكن أن نذكره وهو كلمة البدء والبديء، وهي البئر التي حفرت في الإسلام حديثه وليست بعادية( البئر القديمة التي لا يعرف لها رباًّ، أي مالك).

هكذا إذن، تكاد تكون اللغة العربية لغة معمليّة تشريحيَّة في كل جوانبها الحسية والمادية، وهو ما يعجز عن إدراكه الإنسان العربي، حتى أنه يجهل كيف يطلق بعض الأسماء على أعضاء جسمه المختلفة.

ــــــــــــــــــــــ

{محاضرة ألقيت في مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام في أبوظبي بتاريخ الثلاثاء 15 نوفمبر 2016

{ كاتبة جزائرية مقيمة في الإمارات

مشاركة