العربنجي‭.. ‬ذاكرة‭ ‬الموصل- د. فاروق الدباغ

في‭ ‬أزقة‭ ‬الموصل‭ ‬القديمة،‭ ‬حيث‭ ‬الحجارة‭ ‬تحفظ‭ ‬رنين‭ ‬الخطوات‭ ‬كما‭ ‬تحفظ‭ ‬الأمهات‭ ‬أسماء‭ ‬أبنائهن،‭ ‬كان‭ ‬العربنجي‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬النبض‭ ‬اليومي‭ ‬للمدينة‭. ‬ذاك‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬عربته‭ ‬الخشبية،‭ ‬يجرها‭ ‬حصان‭ ‬أو‭ ‬بغل‭ ‬أو‭ ‬حمار،‭ ‬يسابق‭ ‬الفجر‭ ‬ليحمل‭ ‬الخبز‭ ‬أو‭ ‬الفحم‭ ‬أو‭ ‬ركّابًا‭ ‬يودّون‭ ‬عبور‭ ‬الجسر‭ ‬الحجري‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬المدينة‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬العربنجي‭ ‬مجرد‭ ‬مهنة،‭ ‬بل‭ ‬رمزًا‭ ‬لزمن‭ ‬اتّسع‭ ‬فيه‭ ‬الكدح‭ ‬للكرامة،‭ ‬والبساطة‭ ‬للبهجة‭. ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬شوارع‭ ‬الموصل‭ ‬كما‭ ‬يعرف‭ ‬راحة‭ ‬يده،‭ ‬يحفظ‭ ‬وجوه‭ ‬الناس،‭ ‬ويناديهم‭ ‬بأسمائهم‭. ‬كانت‭ ‬عربته،‭ ‬المجللة‭ ‬برنين‭ ‬الأجراس‭ ‬ورائحة‭ ‬القش‭ ‬الطري،‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المدينة‭ ‬البصرية‭ ‬والسمعية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبتلعها‭ ‬ضوضاء‭ ‬السيارات‭ ‬ودخان‭ ‬الإسفلت‭.‬

لكن‭ ‬المدن‭ ‬الحية‭ ‬لا‭ ‬تموت،‭ ‬بل‭ ‬تغيّر‭ ‬جلدها‭ ‬وتحنّ‭ ‬إلى‭ ‬ماضيها‭ ‬حين‭ ‬يضيع‭ ‬وجهها‭. ‬لذلك‭ ‬فإننا‭ ‬ندعو‭ ‬محافظة‭ ‬نينوى،‭ ‬ومجلسها‭ ‬البلدي،‭ ‬وهيئاتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياحية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬العريقة‭ ‬لا‭ ‬كذكرى،‭ ‬بل‭ ‬كفرصة‭ ‬لإحياء‭ ‬التراث‭ ‬وتحريك‭ ‬السياحة‭ ‬الثقافية‭.‬

في‭ ‬فاليتا،‭ ‬عاصمة‭ ‬مالطا،‭ ‬وفينا،‭ ‬عاصمة‭ ‬النمسا،‭ ‬أعادت‭ ‬السلطات‭ ‬الحياة‭ ‬لعربات‭ ‬الخيل‭ ‬القديمة‭ ‬لتصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬أنيقة‭ ‬وساحرة‭ ‬لنقل‭ ‬الزوار‭ ‬بين‭ ‬الأزقة‭ ‬التاريخية‭. ‬فما‭ ‬المانع‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الموصل؟

لماذا‭ ‬لا‭ ‬تُخصَّص‭ ‬ساحة‭ ‬تراثية‭ ‬قرب‭ ‬شارع‭ ‬نينوى‭ ‬أو‭ ‬منطقة‭ ‬الغزلاني‭ ‬أو‭ ‬باب‭ ‬الطوب،‭ ‬تنطلق‭ ‬منها‭ ‬عربات‭ ‬صغيرة‭ ‬بإدارة‭ ‬شبان‭ ‬موصليين‭ ‬بملابس‭ ‬تراثية،‭ ‬تنقل‭ ‬الزوار‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬تحكي‭ ‬حكايات‭ ‬المدينة؟

إن‭ ‬إحياء‭ ‬مهنة‭ ‬العربنجي‭ ‬ليس‭ ‬ترفًا‭ ‬ولا‭ ‬حنينًا‭ ‬فارغًا،‭ ‬بل‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الهوية‭. ‬فكل‭ ‬صوت‭ ‬عربة‭ ‬سيعيد‭ ‬للموصل‭ ‬نبضها‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬حاول‭ ‬الدمار‭ ‬أن‭ ‬يطفئه‭.‬

الموصل‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬ضخمة‭ ‬كي‭ ‬تنهض،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬لمسة‭ ‬ذاكرة،‭ ‬وجرّة‭ ‬حنين‭… ‬وعربة‭ ‬عربية‭ ‬تمضي‭ ‬ببطء‭ ‬في‭ ‬شوارعها،‭ ‬لتقول‭ ‬للعالم‭: ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬هنا،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬المدينة‭ ‬حيّة‭.‬