العراق وسورية .. وحدة المصير

259

صباح علي الشاهر

ليس بديلا عن وحدة أعم، لكنها بداية، من دونها وبالقفز عليها، ستصبح  وحدة الأمة حلماً مُستحيلا.

من أين نبدأ؟

ذلكم هو السؤال الأهم، و بالإجابة عليه نكون قد قطعنا أهم مشاوير البدايات الطويلة.

ما كان يمكن أن يكون ثمة شيء إسمه الدولة الأموية لولا توّحد بلاد الشام وبلاد الرافدين، وما كان بالإمكان أن تكون ثمة دولة إسمها الدولة العباسية لولا توّحد بلاد الرافدين وبلاد الشام.

وما كان بالإمكان أن تتشكل نواة الدولة الإسلامية مع وجود الدولتين العازلتين، دولة المناذرة في العراق، ودولة الغساسنة في الشام، الأولى صنيعة الإمبراطوية الكسروية، والأخرى صنيعة الإمبراطوية الرومانية، ولا نبتعد عن منطق التأريخ لو قلنا أنه لن يتحقق حلم العرب بوحدتهم، بأي شكل ولون، طالما بقينا في إطار العزلة التي فرضتها علينا سايكس بيكو، وقنونها الإستعمارين البريطاني والفرنسي.  لن نقول أن هذه الحدود خدعة، وكذبة، فهي واقع حال، لكنها لن تكون أكثر من حدود جغرافية مصنوعة تشبة الحدود بين المحافظات، يجب أن تخدم الشأن الإداري ليس إلا، ومن المفترض أن تُفهم هكذا، وأن لا تكون خنادق عازلة بين شعبين، مُختلفين، أو أمتين متباينتين، فنحن لسنا كذلك وإن تنوعنا، لأننا أبناء بيئة، واحدة، وحضارة واحدة، وتأريخ واحد، ومصالحنا مشتركة، والمخاطر التي تواجهنا (في حقيقتها ) واحدة.

لا توجد مدينة أقرب روحياً إلى الموصل الحدباء من حلب الشهباء، ولا توجد مدينة أقرب إلى بغداد من دمشق.

الفرات الذي ينبع من أرض العرب والكرد والترك جنوب تركيا، يمر بأرض العرب والكرد والترك من سكان بلاد الشام وبلاد الرافدين، وعلى هذا النهر وشقيقته دجلة بُنيت عبر آلاف السنين حضارة مشتركة، تركت بصماتها التي سوف لن تُمحو على سكنة أبناء هذه البقعة من عرب وغيرهم، مسلمين ومسيحين وديانات أخرى، وسوف لن يكون بمقدورهم، ولا بمقدور غيرهم إجبارهم على الخروج من جلودهم.

وفي بلاد الشام والرافدين كل ما يُهيء للتطور والتقدم والنمو، وما يجعل الرفاهية ليست ممكنة فقط، بل مُؤكدة، وبالتالي يجعل القوة والمنعة تحصيل حاصل، ويجعل الآخرين بحاجة لنا، على الأقل ليس بأقل من حاجتنا إليهم، وبهذا نحمي أرضنا وناسنا، وحقوقنا ووجودنا، ونصبح رقماً يُحسب له ألف حساب.

توّحد هذه الجغرافية مقدمة لتوّحد الجغرافية العربية بالضرورة، لن ندخل في جدل لا لزوم له عن ما هيّة هذه الوحدة، أو شكلها، هل هي وحدّة أم إتحاد؟ دولة واحدة أم عدة دول متشاركة في العمل والهدف لإنها متشاركة في المصير؟

جدل مثل هذا لا طائلة من ورائه، ولا فائدة ترتجى منه، فهو لا يعدو أن يكون جدلاً بيزنطياً، وهو ليس أكثر من ترف فكري، إذ هناك ركاماً من الأمورالتي تتطلب الحل والمُعالجة، والتي ينبغي وضعها على بساط البحث، ومن ثم على سلم الأولويات، وتطبيق الممكن منها وبالتدريج، مُنطلقين من الإصلاح، إصلاح النظم والقوانين والجغرافية، برؤية ستراتيجية هدفها التكامل الذي هو شرط التنمية المُستدامة.

ما كان بالإمكان أن يحدث ما حدث في المنطقة من كوارث، لو كانت بلاد الرافدين وبلاد الشام على غير ما كانتا عليه، لو كان الخليج مُتصل بشواطيء البحر الأبيض المتوسط، لو كان العراق يطل على المتوسط، ولو كانت سوريا تطل على الخليج، لو كانت طرطوس واللاذقية وبانياس موانيء العراق على المتوسط كما هي موانيء سوريا، ولو كانت أم قصر، والفاو الكبير موانيء سوريا على الخليج كما هي موانيء العراق،  ولو كان نفط العراق وغازه يمر عبر الأراضي السورية، الأقرب والأكثر جدوى إقتصادية من سواها، ولو كان طريق الحرير واقعاً مُنجزاً، ولو كانت السوق بين البلدين سوقاً مُشتركة، والعراقي كما السوري يتنقلان بين البلدين من دونما تأشيرة وبهوية الأحوال المدنية، عبر الخطوط الجوية المشتركة بين البلدين، أو الأسطول البري المشترك، أو عبر سكك الحديد الحديثة،ولو كان النظامان متعاونين في مواجهة العدو والإرهاب، والأخطار المشتركة، المُحدقة بهما وبالأمة كلها.

أية جغرافية عربية يمكنها أن تربط البحر بالبحر، والشرق بالغرب، غير جغرافية الشام وبلاد الرافدين؟.

وأي بلدين عربيين يصلحان أن يكونا نواة وحدة أو إتحاد حقيقي، قابل للإستمرارية والنجاح كسوريا والعراق؟

دلوني على بلدين عربيين بوحدتهما أو إتحادهما تتغيّر خارطة المنطقة والإقليم، كوحدة أوإتحاد سوريا والعراق.

 هل إتحاد اليمنين، أم اليمن وعمان، أم السعودية واليمن، أم الكويت والبحرين وقطر، أم الأردن والسعودية، أم مصر وليبيا، أم تونس والجزائر، أم الجزائر والمغرب، أم المغرب وموريتانيا، أم مصر والســودان؟

نعم إتحاد أي بلدين عربيين مُنجز، ونجاح على طريق تحقيق الحلم الذي بات بعيد المنال، ولكن لن يكون لتوحيد أي بلدين عربيين مثلما لتوحيد سوريا والعراق من أثر، ليس على نطاق العرب، والمنطقة، وإنما على نطاق عالمي، إن حدثاً كهذا سيكون إنعطافاً تأريخياً كونياً.

هذا هو حكم التأريخ والجغرافية، وفاشل ومُفشل من لا يعمل بمقتضى الضرورة الموضوعية التي يفرضها منطق التأريخ والجغرافية.

لم تكن هذه الحقيقة بعيدة عن إدراك الطامعين بالمنطقة، فتوافقوا على أن لايسمحوا بإلتقاء بغداد بدمشق، فإن كانت بغداد ملكية فينبغي أن تكون دمشق جمهورية، وإن كانت بغداد غربية الهوى، فينبغي أن تكون دمشق شرقيته، وأن كانت دمشق حليفة القاهرة فبغداد معادية للقاهرة ، وإن كانت بغداد في صراع مع إيران، فسوريا حليفة لإيران، وإن كانت علاقة تركيا بالعراق جيدة فينبغي أن تكون علاقة دمشق بإنقرة سيئة، والعكس مطلوب ومرغوب، وحتى لو كان نظاما بغداد ودمشق من رحم واحد، وأيدلوجية واحدة، وحزب واحد، فينبغي أن يكون أحدهما أصيل والآخر مُنشق ومُتآمر، وأحدهما عروبي والآخر شعوبي وعميل!.

كانت بغداد منذ سايكس بيكو خنجراً في ظهر دمشق، وكانت دمشق منذ ذاك الحين خنجراً في خاصرة بغداد، وبالنتيجة دُمرت بغداد، واحتلت، وهاهي ذي دمشق تُجاهد، وهي مثخنة بالجراح، في دفع الكارثة، التي صنعها مُشعلي النيران، حلفاء الأمس القريب.

لا مناص، ولا خيار، ولا أمل، إلا إذا إحتضنت بغداد دمشق، من دونما خنجر في الظهر أو الخاصرة .