العراق ودول الجوار ـ نواف شاذل طاقة

184

العراق ودول الجوار ـ نواف شاذل طاقة
شهدت جارتان كبيرتان للعراق، تركيا وايران، أحداثا هامة خلال الاسابيع القليلة الماضية، حيث اجتاحت عددا من المدن التركية مظاهرات صاخبة ذات توجهات مطلبية، حملت في طياتها طابعا معارضا لسياسات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، فيما خاضت ايران انتخابات رئاسية تمخضت عن فوز رئيس جديد لها. وفي الوقت الذي كان يفترض بنا كعراقيين أن نستخلص الدروس من تجارب الآخرين، فقد انصبت العديد من التعليقات والآراء التي حملتها مقالات صحف محلية، وتلك التي حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي، على جوانب غابت عنها الرؤية الموضوعية.
فمع خروج المظاهرات المناهضة لسياسات الحكومة التركية المدينية والعمرانية، وقف المنحازون طائفيا لتجربة الحكم التركية موقفا متعصبا يدعو الى نصرة حكومة رئيس الوزراء اردوغان، ظالما كان أو مظلوما، فراحوا يتبارون في الدفاع عن النموذج التركي، بل ذهبوا الى حد الدفاع عن البطش الذي مارسته قوى الأمن التركية في تفريق المظاهرات وتبريره. وفي الوقت الذي أعلن فيه الرجل نفسه، أردوغان، عن اعتذاره للاستخدام المفرط للعنف من قبل رجال الأمن في بلاده، كان هناك من العراقيين من أصر على الدفاع عن هذا العنف حتى بات المرء ليشعر بأن العنف الذي يتعرض له العراقيون منذ عشر سنوات جعلهم مدمنين عليه لدرجة أنهم باتوا يبررون استخدامه ضد الشعوب الأخرى. في المقابل، انطلقت أصوات مدفوعة بمشاعر طائفية معادية للأتراك لتصب جام غضبها على تركيا وحكومتها وتجربتها الاقتصادية، التي لا بد من القول انصافا أنها تجربة مثيرة للاعجاب. وباتت صور رجال الدرك الأتراك وهم يفرقون المظاهرات بعنف موضوعا للتشفي بنجاحات الاتراك وبتجربتهم الوطنية، بل حتى بالدولة العثمانية، وسببا لكيل شتى الاتهامات والشتائم الطائفية ضد تركيا، حتى طاولت الاتهامات دولا عربية أخرى متهمة بتعاطفها مع تركيا.
وفي ايران التي شهدت انتخابات رئاسية ناجحة خاض غمارها ستة مرشحين ينتمون الى مؤسسة الحكم الاسلاموي، نظر بعض العراقيين الى هذه التجربة من زاوية طائفية ضيقة بين مؤيد لها وجد فيها نموذجا ديمقراطيا يخلب الألباب، وبين معارض لها رافضا كل حرف فيها. وتناسى المنبهرون بالانتخابات الايرانية أن المتنافسين الستة على منصب الرئيس لم يصلوا الى مناصبهم الاّ بعد أن حظوا بمباركة المرشد الأعلى الايراني الذي يعتقد أنه يتمتع بسلطة الهية، وهو أمر ليس لنا كعراقيين أن نتدخل به فالايرانيون أدرى بمصلحتهم، الاّ أنه بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون نموذجا ديمقراطيا نحتذي به.
ان ما يجري في كل من ايران وتركيا يجب بكل تأكيد أن يحظى باهتمام العراقيين، الاّ أن هذه الاهتمام ينبغي ألاّ يكون على حساب عراقيتنا، خاصة اذا ما أخذ في عين الاعتبار ان التاريخ المشترك الذي عاشه العراق مع هاتين الجارتين الكبيرتين لم يكن في كثير من الأحيان ورديا. ان سبر أغوار التاريخ واستخلاص العبر منه يجب أن يكون أحد الركائز التي تستند اليها رؤية العراقيين لعلاقتهم مع دول الجوار الأجنبية، ولا سيما غير العربي منها، ليس بقصد نبش التاريخ أو احياء أحقاد وثارات كانت قد اندملت، بل على العكس من ذلك. ان استحضار التاريخ بكل جوانبه يجب أن يوظف في سبيل تجنيب الأمم الأخطاء التي وقعت بها الشعوب في تجاربها السابقة لضمان مستقبل آمن للأمة ولأجيالها اللاحقة. في هذا السياق، سيكون من السذاجة بمكان أن ينسى أو يتناسى العراقيون تجربتهم المريرة مع هاتين الجارتين اللتين تداخلت العلاقة معهما منذ أن احتل كورش الاخميني بابل وجعلها عاصمة له سنة 539 ق.م، والغزوات التي تعرضت لها الحضارات العراقية السالفة من جانب أقوام جاءت من شرق البلاد وشماله. ويكفي لأن نستذكر في هذا الصدد أن الفترة التي تعاقب فيها الأتراك والفرس على حكم العراق منذ العصر العباسي الثاني، ومن بعده سقوط بغداد العباسية سنة 1258 للميلاد، حتى مطلع القرن العشرين، كانت غالبا ما توصف في كتب التاريخ بأنها فترات انحطاط أو عصور مظلمة.
وهكذا، اذا ما تسنى للعراقيين أن يستفيدوا من قراءة التاريخ في استشراف مشاريعهم المستقبلية، عليهم أن يدركوا مسبقا أن علاقة تبعية ذليلة بايران أو بتركيا، أو بأية دولة على وجه البسيطة، لن يكون مصيرها أفضل من مصير علاقات مماثلة دامت مئات، بل آلاف السنين، مع هاتين الجارتين. كل شواهد التاريخ تؤكد أن الحضارات العريقة التي شيدها العراقيون، ومنذ أول لَبِنة وضعها السومريون على أرض العراق المعطاء قبل أكثر من ستة آلاف سنة، لم تنهض وتسمو الاّ بعد أن امتلكت زمام أمورها وصاغت لنفسها مشروعا حضاريا. لم نسمع أو نقرأ في تاريخ العراق، بل في تاريخ البشرية، أن عبيدا أذلاء جاءت بهم قوة محتلة ونصبتهم على رقاب شعوبهم استطاعوا في يوم من الأيام أن ينهضوا ببلادهم وأن يبنوا تجربة تستحق الاحترام.
AZP07