العراق والتكّييف القانوني لإنتهاك الدستور

570

العراق والتكّييف القانوني لإنتهاك الدستور

 مكي الغانم

 من المعروف لدى المختصين والمهتمين أن الدستور البريطاني هو مجموعة من الثوابت الدستورية واعراف الحكم غير المكتوبة ،  وعندما يوصف الدستور البريطاني أو القانون بأنه   “غير مكتوب” فأن المقصود بذلك فقهيا هو أن هذا القانون لم يصدر من جهة برلمانية منتخبة،  ولم تتم صياغته فى ” تشريع”  . فالقانون الإنكليزي المعروف بإسم ” القانون العمومى” أو “القانون العرفى (ويطلق عليه بالإنكليزية” Common Law”)  لم يصدر فى شكل تشريع صادر من البرلمان،  بعد أن أقره مجلسيه كما يحدث فى القوانين الأخرى الحديثة.

    أن الدستور الإنكليزي ليس سوى صورة من تمسك الإنجليز ببعض تقاليدهم القديمة التى لم تتغيرعبر الزمن،  لأنها أصبحت جزءاً من قوميتهم وهويتهم. ويمكن القول بإيجاز أن الدستور الإنكليزي تكون تدريجيا عبرعدة قرون من قرارات وفرمانات واتفاقيات ومواثيق وأحلاف. فالملوك كانوا يصدرون قوانين ملكية لا سلطان لأحد غيرهم عليها،  كما أن الحروب الداخلية والخارجية لبريطانيا إضطرتها لتوقيع إتفاقات وأحلاف ومعاهدات عدم إعتداء،  كما أن الأمور الداخلية أجبرت الملوك على قبول بعض التنازلات للشعب مثل ” الماجنا كارتا”. هذه هى مصادر الدستور الإنكليزي التى احتفظ بها النظام فى وجدانه،  وهى لم تصدر فى تشريع محدد،  أو من سلطة تشريعية محددة.

 أن ذلك هو ما شكل البنية الاساسية للقيم الديمقراطية الراسخة في بريطانيا،  والتي تتجه الى التطور والكمال التدريجي استنادا الى تبني افضل الخيارات المتاحة في مواجهة كل حالة طارئة أو مستجدة ،  وبناءً عليه يعد الدستور البريطاني من أكثر دساتير دول العالم ثباتا ً وتطورا،  في ممازجة فريدة هي إحدى ميزات الشعب البريطاني الذي يفتخر بأنه شعب محافظ على التقاليد،  وأنه شعب يعتد بخصوصيته المستندة الى تمسكه بنقطة شروع محددة في كل مجال،  ومن ثم البناء عليها. وبعيدا عن الخوض في عمق مفردات وتفاصيل ذلك الدستور،  فأني وودت  الاشارة اليه هنا.. كدالة معيارية منتخبة نكيل بها،  ووجه من وجوه المقارنة المنصفة مع زميله غير المنسجم مع ذاته،  أو مع شبيهاته،  ألا وهو الدستور العراقي الحالي،  ذلك الدستور الذي تم التحضير والاعداد لكتابته بعناية،  وتم تمريره من خلال مراحل فلترة متعددة،  حصل بعدها على مصادقة البرلمان،  لكنه ورغم كل ما تم بذله من جهد،  فقد اعتراه الكثير من الخلل أو الغموض في الكثير من مواده أو تفرعاتها،  فور وضعه موضع التطبيق،  وغدت بعض مواده حمالة الأوجه موضع خلاف واختلاف بين الفرقاء السياسيين. وبدلا من أن يكون الدستور العراقي هو المرجع الأساس للبت الحاسم في قانونية أي اجراء أو سلوك،  صار بحاجة ماسة الى مرجعية أخرى تبتُ فيه وتفسر خباياه وتفكك غموضه.

     ومع أن الدستور العراقي،  مثل غيره من دساتير الدول الأخرى ليس كتاباً مقدساً لايمكن لأحد المساس به بالتعديل والتطوير الدائم وكلما اقتضت الحاجة والضرورة،  وما أكثرها في بلد يعيش تحولات كثيرة وخطيرة،  تسمى بأعادة بناء الدولة بعد أن تم هدمها حتى القاع عام 2003 ،  ورغم أن الدستور قد تضمن مايسمح بتعديل وتطوير بنوده من خلال لجنة برلمانية خاصة سميت بـلجنة تعديل الدستور،  الا تلك اللجنة،  ولانها جزء من الارادات المهيمنة،  المستفيدة من تمييعه وتعطيله،  فأنها لم تقم بأي تعديل يذكر،  وتركت الحبل على الغارب لكي تتجاذبه الارادات السياسية المتصارعة،  التي يدعي كل منها وصلا بليلى،  وأنه ملتزم بالدستور ولكن على طريقته،  وبحسب فهمه المغرض له،  حتى صارت الخروقات الدستورية عرفا سائداً،  والالتزام به هو الاستثناء.

    على أن تبني اسلوب التوافقات السياسية خارج نصوص الدستور كمعيار أساس هو ما أضعف الدستور كليا وأطاح بسطوته،  فقد تحايلت النخب السياسية على الدستور طيلة السنوات العشر الماضية،  بحجة تحقيق التوافقات الوطنية في تشكيل الحكومات،  وفي القرارات الستراتيجية المهمة لكنها تمكنت بذلك.. في حقيقة الأمر.. من جعل الدستور مطية لتحقيق أمرين أساسيين متلازمين،  الا وهما تفكيك أواصر وحدة الشعب العراقي وتحويله الى مكونات عرقية وطائفية متنافسة،  مما يسهل على تلك النخب التسيد عليها وادعاء تمثيلها،  والتمادي في إستنهاظ روح الفرقة والخلاف فيها بشكل دائم،  من أجل ضمان البقاء في السلطة ،  في لعبة تبادلية متصاعدة تتكون من عاملي التحريض والاستجابة،  حتى تحول التنافس السلطوي الى خلاف وصراع مجتمعي يعلن عن نفسه بين الحين والآخر في شكل من أشكال الاختلافات ومواقف المشاكسة بين العرب والأكراد،  تلك الاختلافات العميقة والخفية التي تلعب على حبال الممكن والمتاح حتى تحين لحظة الطلاق النهائي ذات يوم من ناحية،  والاختلاف المعلن بين العرب الشيعة والعرب السنة والذي تبلور بشكل أوضح،  أو شكل عاجل من ناحية آخرى. وأن كان هناك ثمة حرب معلنة بين السنة والشيعة تدور منذ عام 2006،  فأن الحرب السرية ــ البادرة بين العرب والأكراد هي في طور تشكيل الأسباب والمبررات،  لكي تتحول الى حرب معلنة عاجلا أم آجلا،  خاصة بعد الاتساع المضطرد للتشقق المجتمعي سالف الذكر،  وبعد أن استخدمت ” داعش ” مبضع الجراح لتفتح فم الورم المتخفي تحت جلدة المجاملات السياسية،  وما أفرزه الواقع العسكري الذي فرضته سيطرة مجاميعها الارهابية على محافظتي نينوى وصلاح الدين وكركوك،  وما تزامن معه من سيطرة مفاجئة لقوات البيشمركة على الأجزاء الحيوية من كركوك ومساحات شاسعة من الأراضي المتنازع عليها في محافظتي نينوى وديالى،  بما قدمه من مشاعر زهو المنتصر الذي حقق أهدافه،  بضربة عصا سحرية،  مع كل ما رافق ذلك النصر الكاذب من تبادل للتهم في أسباب ومجريات ونتائج الهزيمة العسكرية بين حكومة الاقليم وحكومة المركز،  وذلك ما شكل مجموعة من المحفزات الستراتيجية والآنية التي كانت تنتظرها الكثير من القيادات الكردية للدفع بأتجاه فكرة استخدام حق تقرير المصير والاستقلال،  رغم عدم نضج مشروع الانفصال الكردي الذي كان يتم اعداده على نار هادئة في مطابخ البريكماتية الكردية سابقا،  وهو ما صدر بشكل أعلان رسمي كردي اختلف رواة الطرفين في مدى انسجامه والأسس الدستورية التي تشكل على أساسها العراق الجديد. مع زيادة التوجه الدولي المغرض للتعامل المباشر مع أقليم كردستان دون علم حكومة المركز أو التنسيق معها،  كما فعلت فرنسا ثم تبعتها المانيا اللتان بدأتا بتزويد الاقليم بالاسلحة والعتاد بشكل مباشر وحصري بمعزل عن الحكومة المركزية المعوقة في بغداد التي ظلت هي ودستورها الكسيح صامتين،  لا حول لهما ولا قوة وهما يتابعان تدفق تلك الأسلحة التي يراد بها محاربة داعش.. كمبرر واقعي مرحليا.. مثلما كانا يراقبان الرئيس الفرنسي وهو يزور الاقليم رسميا،  ويتفقد حرس الشرف الرئاسي لدولة آخرى. ولولا انشغال الجميع بالخطر الداهم المتمثل بغول داعش،  الذي طرق أبواب بغداد أو أربيل أو يكاد،  لأثار تعمد بعض الدول القيام بتسليح الاقليم بالاسلحة دون التنسيق مع حكومة المركز،  وزيارة الرئيس الفرنسي جدلا طويلا ينتهي بتصدي شخص ما أو أكثر،  من جهة سياسية ما أو أكثر،  ممتشقاً لائحة طويلة من المبررات القانونية المنمقة من إيجاد التكييف القانوني لهذين الخرقين الخطرين للدستور،  من أجل اقناع من لا قناعة له ،  أو من لا ارادة له سوى للقبول للاقرار بدستورية الأمرين معا،  مثلما تطوع أكثر من منتفع أخر هنا،  أو هناك في أيجاد أكثر من مخرج وتكييف قانوني للكثير من الانتهاكات الصارخة الأخرى لدستور شاءت كل الارادات الفاعلة أن تجعل منه حبرا على ورق ،  وأن تجعل منه “خيال المآتا ” أو فزاعة حقل تخيف بها عصافير الشعب الجائعة.. والمحرومة،  لكي لا تنقض على محاصيل السلطة الوفيرة،  التي تم أحتكارها للقوى النافذة حصريا،  بموجب قوانين وأنظمة كفلتها مواد دستورية تم تكييفها بشكل متقن لتتناسب مع كل ما يشتهون.. ومع ما لم يحلموا به من قبل مطلقاً.