العراق…والاغتيال

420

د. نزار محمود

إنه شعب العراق الذي جرى اغتياله على يد أعدائه وأبنائه من الضالين!

إن مفهوم الاغتيال في المقال لايقتصر، بالطبع، على ما نعرفه من أمر التصفية الجسدية لإنسان ما، وإنما يتعداه واقعياً ورمزياً إلى أشكال متعددة أخرى، سآتي إلى عرضها في المقال.

يبدو أنه قدر  هذا الشعب الذي عاش على أرض سواده وضفاف مياهه وما بين جباله الشاهقة وسهوله الرسوبية الناعمة أبناؤه ذوو الخصائص المتميزة، وأن تدور في سوحه المعارك التاريخية، لتسيل دماؤه أنهاراً تدفع موجاتها جثث القتلى ويلون ماءها حبر الكتب الموؤدة.

كما أريد أن أشير إلى أن المقال يبحث في اغتيال شعب العراق منذ نهاية خمسينات القرن الماضي وبمراحل ودرجات مختلفة كانت، للأسف، آخرها هي الأكثر بشاعة على الإطلاق.

إغتيال الجسد:

لقد عرف وعاش التاريخ، رغم طيبتهم ونخوتهم التي لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، قسوة ووحشية العراقيين وفي جميع أطيافهم العرقية والدينية والمذهبية. فمنذ العام ١٩٥٨ والعراق ينزف دماً جراء الانقلابات والثورات والتناحرات والتصفيات الجسدية. فجميع الانظمة السياسية أعدمت وقتلت وعذبت خصومها من أبناء شعبها على اختلاف درجات تلك الأفعال. كما لم تكن المعارضات والمقاومات بأقل منها وحشية حيثما أمكن لها ذلك.

اغتيال الإرادة:

لا يمكن استثناء نظام أو مرحلة في فترة البحث من اغتيال للارادة السياسية للمواطن العراقي بصورة مباشرة وغير مباشرة، بوعي ودون وعي. فمن يستذكر مرحلة قاسم سيتولد لديه الانطباع بأن الشعب قد انحاز إلى اليسارية والشيوعية، والى القومية العاطفية في زمن عارفه، وإلى البعثية حتى ما قبل الغزو الأمريكي والاحتلال الايراني والطائفية والعرقية بعد ذلك الغزو ولا زال. لقد عاش الشعب العراقي مرحلة اغتيال ارادة بشعة! ولست في هذا المقال بصدد تقييم ذلك الاغتيال في ألوانه وظروفه، في سلبيته أو حتى ايجابيته. وفي الآتي أتناول وجوه ذلك الاغتيال:

اغتيال الحرية:

الحرية كلمة نسبية، زمانياً ومكانياً، ولها في جميع اشكالها اشتراطاتها وصورها في مخيلة مجتمعاتها. لكنها على العموم تعيش مشتركات معانيها المختلفة، التي يقر المنصفون أنها عاشت اغتيالاً في جميع مراحل فترة بحث مقالنا، على الرغم من الادعاءات والتبجح بها من قبل جميع الانظمة التي حكمت العراق في هذه الفترة. فلم يكن ليعيش الشعب حرية التعبير عن رأيه، أو أن يسلك الإنسان ما يخطه من درب. لقد عشعش الخوف من الرقيب ورجل الأمن في عقول وقلوب ونفوس أبناء الشعب، رغم جدارية ساحة التحرير التي لا ينبغي لمعناها الاقتصار على الأجنبي.

اغتيال الكرامة:

إن للكرامة وجوها كثيرة، فللكرامة مستحقاتها المادية، وكذلك لها مستحقاتها المعنوية. فالجوع والعوز واللا مأوى تجرح كرامة الإنسان وتذله، كما هو اغتصاب حقوقه الإنسانية الأخرى. إن استعراض افواج الفقراء والعاطلين عن العمل والمشردين أو ممن يعيشون في «مساكن» لا تليق بآدمية الإنسان كلها لا تعبر عن كرامة للإنسان.

اغتيال التعليم:

ليس هناك من يضمن مستقبل شعب من الشعوب أكثر من التعليم في أبعاده التربوية والمعرفية والمهارية والسلوكية. فعندما يفشل التعليم وتفسد أخلاقيات أطرافه فإن مستقبلاً مظلماً ينتظر أجيالنا الصاعدة. وللأسف الشديد فاننا نعيش الفشل والفساد في تعليمنا.

اغتيال الأخلاق الوطنية:

ولعلها الأقسى في تأثيرها الجمعي المباشر، والفردي بصورتها غير المباشرة. إن ما يعيشه العراق في الوقت الحاضر تعبير صارخ عن اغتيال الاخلاق الوطنية وبأشكاله المختلفة. فهناك من لا يؤمن أساساً بالعراق الوطن، وهناك من يجد فيه غنيمة تاريخية، وثالث وجدها فرصة للثأر من ومما كل ما هو وطني. كما أن منظومة الأخلاق الجمعية هي الأخرى دعامة من دعائم الأخلاق الوطنية التي اهتزت كما لم يحصل مثيلاً لها في التاريخ. لقد باتت السرقات والفساد والنهب وشراء الذمم والرشاوي والعمولات الفاحشة وعدم نزاهة القضاء والمشاريع الوهمية وشهادات الزور والتجاوزات على ممتلكات الناس وكرامتهم على جدول الأعمال اليومية للحياة في العراق.

برلين

مشاركة