العراق بين طائفتين – علي العكيدي

278

العراق بين طائفتين – علي العكيدي

على الرغم من أن الكتابة عن هكذا عنوان كان من ضمن أولويات ذاكرتي الاعلامية بالتعامل مع الموقف السياسي العراقي في الوقت الحاضر , إلا أن صورة وصلتني عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي تجمع مجموعة من السياسين العراقين مكتوب أسفلها ( انتم ياذيول السعودية ) جعلتني أعجل بكتابة هذا المقال .

 منذ عصر الرسالة ووفاة الرسول الأعظم محمد بن عبدالله ( صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ) وانتقال السلطة السياسية الى الخليفة الأول أبو بكر الصديق ( رض) بعد حادثة السقيفة واختلاف المسلمين على أحقية الخلافة لمن , ظهر على السطح حينها تيارين، تيار مؤيد لخلافة ابو بكر الصديق وآخر يرى ان الخلافة من حق الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) , هذا الأمر ليس جديدا ،الكل يعرفه حتى الناس البسطاء من المسلمين الطيبين , إذ ظهر الخلاف سياسيا ثم بعد ذلك تطور ليشمل باقي جوانب الحياة الإجتماعية للمسلمين وخاصة الجانب العقائدي وما يرتبط به من معتقدات وسلوكيات ذات صلة , ومع ذلك ظل المسلمون الانقياء لا يعُيرون أهمية لهذا الخلاف طالما أن النوايا خالصة لله سبحانه وتعالى، فاستمر التعايش والإنسجام بين المسلمين على إختلاف مذاهبهم التي بنيت على أفكار وتوجهات أئمة ورجال دين من الرموز الكبيرة التي عاشت نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي ،أي في القرنين الثاني والثالث الهجريين.

مايتعلق بالعراق فظهور الكوفة كمركز سياسي  للخلافة الراشدة أثناء خلافة الإمام علي بن ابي طالب ( عليه السلام) ،ومن بعده ولده سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسن بن علي ( عليه السلام) والصلح الذي حدث فيما بعد مع والي الشام في عهد الخليفين الراشدين ( رضي الله عنهما) عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان , معاوية بن ابي سفيان , حيث تمكن الأخير من تاسيس دولة كبيرة في دمشق سميت بالدولة الأموية في الشام ،إستمر وجودها على الأرض حوالي تسعين عاما من عام 41هـ الى عام 132هـ .ظلت الكوفة مقرا لمؤيدي ومناصري الامام علي بن ابي طالب ( عليه السلام) الذي دخل حينها في صراعات مع أقطاب ورموز دينية كبيرة طيلة فترة خلافته حيث خاض ثلاث معارك كبيرة مع خصومه من المسلمين المختلفين معه في الأفكار والتوجهات ، في الوقت الذي يمثل هو ( عليه السلام) باب مدينة العلم المحمدية وواحد من أروع الرموز الاسلامية الذي قدم للاسلام والمسلمين من الشجاعة والاقدام والزهد والورع والعلم والتقوى وبعد البصيرة مالم يقدمه غيره خلا الرسول المصطفى ( صلى الله عليه واله وصحبه وسلم) , وبعد تلك الأحداث اصبح العراق مركز للمعارضة ضد الدولة الاموية في الشام , فتم إطلاق تسمية شيعة علي بن ابي طالب على الناس في العراق وخاصة وسطه وجنوبه ,ثم تطورت التسمية فيما بعد فتم اطلاق مفردة الرافضة عليهم كونهم كانوا يرفضون خلافة الخلفاء الثلاث( أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان (رضي الله عنهم ), أما الشيعة من جانبهم أو الرافضة كما أسلفنا فقد أطلقوا مفردة النواصب على  أولئك الذين كانوا يناصبون العداء لأهل البيت وعلى راسهم الأمويون الذين قتلوا الامام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام سيد شباب أهل الجنة في معركة الطف الخالدة عام ( 61هـ )ومن بعده حفيده الشهيد زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام )أثناء خلافة هشام بن عبد الملك عام (122هـ), فضلا عن ذلك فقد إستمر الامويون ومنذ عهد معاوية بن أبي سفيان (41  ــ 60 هـ) وحتى بداية خلافة عمر بن عبد العزيز (99ــ 101هـ) بسب الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام، مستغلين ضعف إستيعاب  وتفهم أهل الشام لشخصية وعظمة وأخلاق ومبادئ الامام علي (عليه السلام) .

ومن هنا أصبحنا نحن المسلمين من الذين لايهمنا الصراع السياسي بقدر ما يهمنا ان نكون مسلمين نؤمن بدين الله ونوحده ونعتز بنبيه محمد بن عبدالله (صلى الله عليه واله وصحبه وسلم) ونسير على نهجه الكريم ونعتز في ذات الوقت بأهل بيته الكرام وأصحابه الأصلاء ،دون الالتفات الى ماينغص عيشنا كمسلمين أصبحنا أمام فئتين متطرفتين بارائها وأفكارها وتوجهاتها هم فئة الرافضة كما يسميها النواصب وفئة النواصب كما تسميها الرافضة .

سقوط الامويين

بعد سقوط الامويين وانتصار العباسيون في معركة الزاب وتاسيس الدولة العباسية إتخذ العباسيون الكوفة مقرا لهم ثم سرعان مابدلوها وانتقلوا الى الهاشمية ثم للانبار بعد أن تاكدوا من  كون الكوفة وسكانها علويوّ الهوى ، فارادوا الإبتعاد عنها , حتى قام الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور ( 136ــ 158هــ ) بتاسيس مدينة بغداد الخالدة، بعد حوالي عشر سنوات من وفاة أخيه الخليفة العباسي الأول ابو العباس السفاح.

 تكون المجتمع البغدادي فيما بعد من الطائفتين السنية والشيعية، كتحصيل حاصل لما كان عليه الوضع قبل ذلك التاريخ ولم تظهر بوادر الإختلاف بين الطائفتين إلا ما ندر، وذلك خلال الاضطرابات التي تحدث والتي يغيب فيها القانون ويتدخل بها الأجنبي كما حدث اثناء سيطرة البويهيون (333ــ 474هـ) وأيضا السلاحقة فيما بعد ولم يحدث صراع قوي توقفت عنده مصادر التاريخ إلا القليل، وبعد سقوط بغداد عام (656هـ ـ 1228م) ودخول العراق في عصر الاحتلال المغولي وبعده توالت عملية دخول الاجانب للعراق مما أدى الى نشوب حروب متتالية كان العراق ساحة لها ،كما كان يحدث  بين العثمانيون من جهة والصفويون من جهة أخرى حيث كان الطرفين مهتمين جدا بعملية السيطرة على العراق وبث السموم الطائفية بين  شعبه ،وخاصة ما يتعلق بالمجتمع البغدادي الطيب , حيث تحدثت مصادر التاريخ بشكل موسع عن الحروب التي كانت تحدث بين الطرفين أعلاه على الساحة العراقية ,حيث ذكرت بان العثمانيون حين يسيطرون على بغداد فانهم يقتلوا الشيعة ويتعاملوا معهم بقسوة واضحة المعالم وحين يسُيطر الصفويون يعملوا ذات الشيء مع السنة ويجعلوا من المراقد السنية إسطبلات لخيولهم ، هذا الفعل الميداني لمتطرفي الطائفتين كان يدفع ثمنه المجتمع العراقي والبغدادي على وجه الخصوص، وذلك طيلة قرون الإحتلال الأجنبي للعراق مما عزز الصراع الطائفي بالداخل، ومن هنا فان الأقتتال بين المسلمين في العراق سببه الرئيسي هو التدخلات الخارجية ،وهذا الأمر على الشعب العراقي الطيب , أن يدركه جيدا وان يعمل المستحيل على أن يفوت الفرصة على الأعداء من خلال نبذ الطائفية والعرقية والتمسك بهوية الوطن الواحد التي من خلالها يعيش بأمن وسلام أولا ،ويعمل على تطور بلاده وإعادة عزها ومجدها ثانيا، وماجرى في العراق في السنوات العجاف الماضية حيث توزعت الطبقة السياسية التي مازالت تحكمه ،توزعت بين إتجاهين متناقضين، فمنهم من عدّ إيران حليف قوي ومنهم من عدّ تركيا لذلك الغرض,  ثم تدخلت السعودية على الخط أيضا للاختلاف العقائدي بينها وبين شيعة العراق حلفاء ايران .

 هذا الموضوع القديم الجديد مازال يؤرق العراقيون الشرفاء الأصلاء كونه موضوعا جافا عقيما ،لايمت للتحضر والتطور وبناء الانسان بأي صلة لذلك عندما انتفض الشباب العراقي الأصيل رافضا تبعية عراق الحضارات لأية جهة كانت من جانب ورافضا الطائفية ذلك المرض المزمن الخطير من جانب أخر، كونه يشكل خطرا على صحة العراق وأبناءه البررة .

حفظ الكرامة

جاء شعار لا للطائفية , لا للتبعية، من أجل حفظ كرامة العراق وإستقلاله وسيادته من جهة ،وسعادة أبناءه وشعبه من جهة أخرى , وعلى الطبقة السياسية ان تتعض من مآسي السنوات الماضية ، وتنظر للأمام بعين السياسي المُحنك ، الذي تهمه مصلحة وطنه، وان لم يستطيع والمقصود هنا الطبقة السياسية من النظر الى مصلحة الوطن بعين السياسي المُهتم والغيور على مصلحة بلده، عليها أن تغادر وتفسح المجال للآخرين ربما يستطيعوا أن ينــــظروا بالعين التي يرغب الشعب أن ينظروا منها للعراق ،حاضرا ومستقبلا وان يعملوا بجد وحرص لخدمته والعمل على تطوره لغرض أن يلتحق بركب العالم المتقدم .

مشاركة