العراق.. الإنسان وعربة الخيول- د. نزار محمد

د. نزار محمود

لو‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬هيأة‭ ‬الإنسان‭ ‬بتمعن‭ ‬وتدبر‭ ‬لوقفنا‭ ‬على‭ ‬التالي‭ ‬من‭ ‬الأمور‭: ‬على‭ ‬رأس‭ ‬يعلو‭ ‬الجسد‭ ‬ويقف‭ ‬فوق‭ ‬بقية‭ ‬أعضائه،‭ ‬وكأنه‭ ‬يقول‭: ‬أنا‭ ‬الآمر‭ ‬الناهي،‭ ‬أنا‭ ‬الموجه،‭ ‬أنا‭ ‬الأعلى‭ ‬فوق‭ ‬الجميع‭. ‬ترى‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬بهذه‭ ‬المكانة‭ ‬والمرتبة؟

في‭ ‬داخل‭ ‬الرأس‭ ‬دماغ‭ ( ‬عقل‭) ‬تميز‭ ‬عن‭ ‬أدمغة‭ ‬الحيوانات‭ ‬الأخرى‭ ‬بقابليته‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والإدراك‭ ‬واستنتاج‭ ‬الأحكام‭ ‬وصنع‭ ‬القرارات‭. ‬كما‭ ‬ضمت‭ ‬جمجمته‭ ‬مراكز‭ ‬قيادات‭ ‬الاجهزة‭ ‬العصبية‭ ‬والحسية‭ ‬وبالتالي‭ ‬محركات‭ ‬جميع‭ ‬أعضاء‭ ‬وأجهزة‭ ‬الجسم،‭ ‬فبتوقفها‭ ‬يموت‭ ‬الإنسان‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الرأس‭ ‬لكي‭ ‬يعمل‭ ‬بحاجة‭ ‬هو‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬هواء‭ ‬وماء‭ ‬وغذاء،‭ ‬وإلى‭ ‬بيانات‭ ‬ومعلومات‭ ‬لكي‭ ‬يعالجها‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬وادراك‭ ‬وتحليل‭ ‬واستنتاج‭ ‬وقرار‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تتولى‭ ‬أجهزة‭ ‬التنفس‭ ‬والهضم‭ ‬والحس‭ ‬مهام‭ ‬الوظائف‭ ‬الفسيولوجية،‭ ‬تقوم‭ ‬العينان‭ ‬والأذنان‭ ‬والأنف‭ ‬ولسان‭ ‬الفم‭ ‬بنقل‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬المعالجة‭ ‬في‭ ‬الدماغ‭. ‬وعندها‭ ‬يكون‭ ‬للرأس‭ ‬دوره‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬ويستحق‭ ‬مكانته‭ ‬العليا‭.‬

وفي‭ ‬موضع‭ ‬تحت‭ ‬الرأس‭ ‬وفي‭ ‬قفص‭ ‬عظمي‭ ‬ينبض‭ ‬القلب‭ ‬الذي‭ ‬يوزع‭ ‬بواسطة‭ ‬دمه‭ ‬النظيف‭ ‬الملآن‭ ‬بالاوكسجين‭ ‬والغذاء‭ ‬الى‭ ‬بقية‭ ‬أجزاء‭ ‬الجسم‭ ‬لكي‭ ‬تستمد‭ ‬الطاقة‭ ‬المطلوبة‭. ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬حياة‭ ‬إنسان‭ ‬دون‭ ‬قلب‭ ‬ينبض‭. ‬لكن‭ ‬للقلب‭ ‬مهام‭ ‬أخرى‭ ‬ودور‭ ‬في‭ ‬الإحساس‭ ‬والحدس‭ ‬والتبصر‭ ‬والشعور‭ ‬بالحزن‭ ‬والفرح‭ ‬كذلك‭. ‬وهكذا‭ ‬جاء‭ ‬ليحتل‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬قامة‭ ‬الإنسان‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬جسم‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬برأس‭ ‬وقلب‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬غذاء‭ ‬ومعدة،‭ ‬وإلى‭ ‬وسيلة‭ ‬تكاثر‭ ‬ومصدر‭ ‬تلذذ‭ ‬واشباع‭ ‬عاطفي،‭ ‬وإلى‭ ‬أطراف‭ ‬تعينه‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬والحركة‭ ‬وحمل‭ ‬ثقله‭. ‬وكانت‭ ‬أعضاء‭ ‬تلك‭ ‬قد‭ ‬ترتبت‭ ‬تحت‭ ‬الرأس‭ ‬ونزولاً‭ ‬من‭ ‬مرتبة‭ ‬القلب‭.‬

وفي‭ ‬هيكل‭ ‬عربة‭ ‬الخيول‭ ‬تماهي‭ ‬ومحاكاة‭ ‬لهيأة‭ ‬الإنسان‭. ‬ففي‭ ‬مقصورة‭ ‬العربة‭ ‬يجلس‭ ‬شخص‭ ‬عادة‭ ‬يمتلك‭ ‬قرار‭ ‬سير‭ ‬العربة،‭ ‬مالكاً‭ ‬أو‭ ‬مؤجراً‭. ‬فهو‭ ‬يحدد‭ ‬وجهة‭ ‬سيرها‭ ‬وتوقيتات‭ ‬انطلاقها‭ ‬وتوقفها‭ ‬عادة‭. ‬فهو‭ ‬كالرأس‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مرتبته‭ ‬وأهميته‭ ‬ودوره‭.‬

وفي‭ ‬العربة‭ ‬يقوم‭ ‬الحوذي‭ ‬بدور‭ ‬القلب،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬يطلق‭ ‬ويوجه‭ ‬حركة‭ ‬العربة،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬يقدم‭ ‬الغذاء‭ ‬والماء‭ ‬لخيولها‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬أذرع‭ ‬وأطراف‭ ‬الحركة‭ ‬المقابلة‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬مقاربتنا‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬استنتاجات‭:‬

‭ ‬تقوم‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬تقسيم‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬أعضاء‭ ‬جسمه‭ ‬المتميزة‭ ‬مكانة‭ ‬وأهمية،‭ ‬وكذا‭ ‬عربة‭ ‬الخيول‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬عطاء‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان‭ ‬وإنجازية‭ ‬تلك‭ ‬العربة‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬وكفاءة‭ ‬أداء‭ ‬أعضائها‭ ‬المختلفة‭ ‬وفق‭ ‬أدوارها‭ ‬ومهامها‭ ‬وترتيب‭ ‬أهمياتها‭.‬

  ‬إن‭ ‬تجاهلاً‭ ‬لمهام‭ ‬تلك‭ ‬الأعضاء،‭ ‬والعبثية‭ ‬في‭ ‬تكليفاتها‭ ‬ومسؤولياتها‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬فوضى‭ ‬وتعثرات‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وبوصلة‭ ‬اتجاهات‭ ‬سيرها‭.‬

وهكذا‭ ‬فالشعوب‭ ‬المتقدمة‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬نواميس‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬رؤوس‭ ‬أبنائها‭ ‬ورفعها‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬المراتب‭ ‬قد‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تقدمها،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تجاهلت‭ ‬ذلك‭ ‬سفهاً‭ ‬وطيشاً‭ ‬وجهلاً‭ ‬فانحدرت‭ ‬تجر‭ ‬أذيال‭ ‬الخيبة‭ ‬والتخلف‭.‬

برلين